Tag Archives: العراق-فساد

دولة علي بابا

 cover 5

( 16)

                          البحث عن النزاهة في كومة قش الفساد

من بين “الانجازات” التي طبلت لها سلطة الاحتلال الامريكي في العراق وزمرت هي تشكيل “مفوضية النزاهة” كمؤسسة وطنية تأخذ على عاتقها، حسب قرار تأسيسها الأمر رقم 55 الصادر عن “سلطة الإئتلاف المؤقتة”، القيام بـ” تنفيذ وتطبيق قوانين مكافحة الفساد وتحقيق معايير الخدمة العامة وذلك بهدف “خلق قيادة نزيهة وشفافة تتسم بالمسؤولية، والنزاهة، وتخضع للمحاسبة.”ورغم ان الدولة العراقية في العهود السابقة كانت تمتلك جهاز محاسبة وهو “ديوان الرقابة المالية” الا ان سلطة الاحتلال ارتأت تشكيل المفوضية والتي تحولت بعدئذ الى هيئة بسبب الحاجة، وفقا لقرار التأسيس الى “منع الفساد الذي استشرى في البلاد اثناء حكم البعث.”وفي ذات الوقت قامت سلطة الاحتلال بتعديل قانون “ديوان الرقابة المالية” بهدف تقنين العلاقة بين المؤسستين وتعزيز التعاون والتنسيق بينهما في مجال الرقابة على ادارة أموال الدولة.(1)

غير ان نظرة  متأنية على  حصيلة عقد ونصف من “حكم دولة علي بابا” تبين ان هذه الهيئة لم تكن فقط متواضعة في انجازاتها وانها فشلت في تحقيق مهماتها الموكلة اليها، بل انها اصبحت عبئا ثقيلا على جهود مكافحة الفساد، وفي حالات كثيرة وفرت الغطاء امام الفاسدين للافلات من المحاسبة والعقاب وفي استمرار، بل وتنامي وتيرة الفساد.فمنذ اليوم الأول لانشائها تعثر عمل المؤسسة بعد ان اصبحت لقمة سائغة بيد الاحزاب والجماعات السياسية التي هيمنت على عملها وادراتها بكل السبل والاشكال لكي يتم تطويعها ومنعها من القيام بواجباتها بالشكل الصحيح.ويكفي للتدليل على بدايتها المتعثرة ان رئيسين من رؤساء الهيئة وهما “راضي الراضي” ورحيم العكيلي” فرا من بغداد بعد اتهامات واتهامات مضادة بالفساد.(2)

في شهر تشرين الاول (اكتوبر) عام 2007 وبعد اسابيع من هروبه الى امريكا وقف الراضي امام لجنة من “مجلس النواب” الامريكي كانت تحقق في الفساد في العراق ليكشف ان هروبه جاء بعد ضغوط تعرض اليها من قبل رئيس الوزراء “نوري المالكي” لكي يتستر على قضايا فساد في ادارته.ما كشفه الراضي ان واحدا وثلاثين موظفا في هيئة النزاهة تم قتلهم خلال تلك الفترة فقط اضافة الى نحو اثني عشر شخصا من افراد عوائل موظفي آخرين.وبين الراضي في شهادته ان بعض من تم اغتيالهم تعرضوا لتعذيب وحشى على يد مختطفيهم الذين قاموا بقتلوهم فيما بعد.وخلص الراضي الذي كان تعرض لتهديدات ومحاولات اغتيال في شهادته بانه هرب من العراق بعد ان ادرك بان لا شيء يمكن ان يقف اما الفساد في العراق بعد اليوم.اما العكيلي فقد هرب الى اقليم كردستان وتم الحكم عليه بالسجن سبع سنين على خلفية مقال بدعوى التعدي على القضاء العراقي بعد كتابته مقالا عما دعاه بـ”تراجع الثقة” بالقضاء العراقي كما بقي ملاحقا على ذمة قضايا اخرى.(3)

ولم يكن رئيس الهيئة التالي “حسن الياسري” بمنأى عن الضغوط التي تعرضت لها الهيئة في الفترة التي تولى فيها المسؤولية في عهد “حيدر العبادي” حيث كشف في حديث لصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية عما يتعرض له من ضغوط بسبب عمله في محاربة الفساد التي دعته الى تقديم استقالته للعبادي التي رفضها بدوره.ووصف الياسري مهمته في محاربة الفساد كما ذكره بمثابة محاولة “افراغ مياه البحر بملعقة.”ولم تقتصر شكوى الياسري من التدخلات من الجهات العراقية، بل انه اشتكى من عدم تعاون البريطانيين، مثلا، مع مؤسسته لاسترداد المطلوبين العراقيين ممن يحمل الجنسية البريطانية واسترجاع الأموال التي سرقوها.(4)

ومع استمرار اتضاح الصورة البشعة لحجم الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة اصبح واضحا ايضا ان المؤسسة التي هلل لها الامريكان انها ستصبح الجهاز الذي سيحارب الفساد كانت عاجزة تماما عن القيام بواجباتها ومن ثم تحولت شيئا فشيئا الى جهاز يحمي الفساد ان لم يكن يشجع عليه ايضا بسبب فشلها في المحاسبة، والرقابة، وتحقيق النزاهة، في اداء مؤسسات الدولة، وتقديم المجرمين للعدالة، وعدم السماح لهم بالافلات من العقاب.ما انتهت اليه “هيئة النزاهة” هو اصدار تقارير دورية واطلاق التصريحات من قبل مسؤوليها عن نشاطات مفعمة بالأرقام عن قضايا وملفات وتحقيقات ومشاريع منجزة، او قيد الانجاز، لا هدف من ورائها سوى اثارة جو من الدعاية والترويج الاعلامي لعملها دون نتائج حقيقية ملموسة على الارض.(5)

هناك عوامل عديدة تقف وراء فشل هذه المؤسسة في اداء واجباتها من النواحي الفنية والاجرائية وتحولها الى آلة للجعجعة بلا طحين، لكن السبب الرئيسي هو خضوعها من البداية للجماعات السياسية الحاكمة وللضعغوط التي مارستها من اجل ان تكون اداة طيعة بيديها وفي خدمة اطماعها في الاستحواذ على ثروات البلد ونهب اموال الدولة وممتلكاتها.ويعود الفضل الى الصراعات السياسية والمماحكات بين الجماعات الحاكمة المتهمة اساسا بالفساد الى الكشف عن قضايا الرشاوي، والعمولات والسرقات وهدر الأموال العامة التي تفشل “هيئة النزاهة” حتى عن التحقيق فيها.(6)

وخلال كل الدورات الانتخابية لم تستطع الهيئة اجبار معظم قيادات الدولة والوزراء واعضاء البرلمان ورؤساء الأحزاب على الكشف عن ذممهم المالية، ناهيك عن التحقق من مصداقيتها، وهي مسؤولية اقرها الدستور، كما اناطتها بها القوانين الخاصة بعملها وغيرها من القوانين النافذة والتي تتطلب من الموظفين العموميين تقدديم الاقرارات عن الذمة المالية سنويا تشتمل بيان سبب ومصدر كل زيادة او نقصان عن الذمة المالية لصاحب الاقرار وزوجته واولاده القصر عما كانت عليه في الاقرار السابق.وتشير تقارير “هيئة النزاهة” السنوية الى امتناع اعداد كبيرة من المعنيين بالاقرار من تقديمه، الا انها مع ذلك لم تقدم دليلا طيلة كل هذه الفترة انها لاحقت الممتنعين بموجب القانون، او انها اعلنت اية نتائج عن التدقيق في الاقرارات ومطابقتها مع التقارير الرقابية الاخرى المتعلقة بالكسب غير المشروع والفساد في صفوف هؤلاء المسؤولين مما جعل من عملية كتابة الاقرارات عملية روتينية لا معنى لها.

ولم تقتصر الشكاوى الخاصة بالاقرار المالي على العراقيين، بل ان جهات دولية كـ”صندوق النقد الدولي” طالبت الحكومة العراقية بايلاء الموضوع الأهمية اللازمة نظرا لارتباط ذلك ببرنامج الاصلاح المالي والنقدي الذي كانت ترعاه.ووسط تزايد الانتقادات للهيئة والمطالبات المحلية والدولية بهذا الشأن فانها عزت عجزها عن ملاحقة الممتنعين عن تقديم اقرارات الذمة البرلمانية الى رفض البرلمان التصديق على قانون اقترحته لذلك.(7)

ولم تسلم “لجنة النزاهة البرلمانية” من الانتقادات عن تقاعسها في مواجهة الفساد، وبكون اعمالها مسيسة، وتخدم الصراعات الحزبية والفؤية بين الجماعات المشاركة في العملية السياسية.وخلال دورات البرلمان منذ تأسيسه تركز اغلب النقد على ان العديد من اعضاء اللجنة كانوا يعملون اما مخلب قط بيد قيادات الكتل والاحزاب، او انهم يستغلون مهامهم في ابتزاز المسؤولين والوزارات بملفات الفساد بغية الحصول على مكاسب ومنافع وخاصة من المقاولات الكبرى والعمولات الدسمة التي ترافق التوقيع على هذه المقاولات.وفي اسلوب يتلائم مع منهج المافيات والعصابات على الطريقة الشرقية كان يتم اللجؤ في اغلب الاحيان الى عضوات برلمانيات ممن يتمتعن بقدرات ملحوظة في الردح وفي البلطجة بغية استخدامهن في معارك وهمية ضد الخصوم الذين يراد ابتزازهم.وشكلت النائبة “عالية نصيف” نموذجا صارخا لهؤلاء الاعضاء الذين خاضوا قضايا قانونية ومحاكم وصراعات مفتوحة مع شخصيات وجماعات واجهوها هم ايضا باتهامات قاسية عن فسادها في مجالات عديدة.(8)

ووسط تلك الانتقادات ظل اعضاء “لجنة النزاهة البرلمانية” يدافعون عن انفسهم بمحاولة مستميتة وخاصة من خلال رمي الكرة الى داخل البرلمان نفسه واعتبروا ان اعضاء اللجنة يتعرضون  لضغوطات حزبية وسياسية وعشائرية كلما تصدوا لملفات الفساد، او تم فتح ملف استجواب الوزراء وكبار المسؤولين لمنع اللجنة من إتمام عملية التحقيق والتدقيق والمحاسبة.(9)

ان اكثر ما يثير الإنتباه في قضايا الفساد ان اغلبها لم يقدم للقضاء اساسا وان العديد منها قد جرى معالجته بطريقة الصفقات السياسية والتجارية سمحت بالتالي للمتهمين من الافلات من المحاسبة والعقاب.وبالرغم من الجهود التي بذلت بالاستعانة بالأمم المتحدة وهيئات دولية مختلفة بغية تحقيق تعاون وتنسيق دولي لانفاذ القانون بحق المتهمين العراقيين الهاربين الى دول اجنبية ومكافحة الفساد، الا ان الافلات من العقاب ظل السمة السائدة في جرائم الفساد في العراق، مما يؤشر الى نجاح متلازمة الأبعاد الداخلية والخارجية في اجهاض جهود مقاومة الفاسدين.(10)

ان عشرات الأسماء لمدانيين في قضايا الفساد هربوا، او جرى تهريبهم للخارج، وتم تداول قضاياهم اعلاميا على نطاق واسع الا انهم ظلوا في منأى عن يد العدالة لاسباب عديدة منها امتناع الأجهزة الدولية والسلطات الأمنية المحلية في بعض الدول عن إعتقالهم وتسليمهم للعراق، وغالبا، لارتباط هؤلاء المدانيين بأجهزة سرية ومافيات دولية متنفذة.وعلى رأس القائمة التي تضم هؤلاء يأتي “حازم الشعلان” اول وزير دفاع  في حكومة “دولة علي بابا” الذي اتهم بسرقة مئات الملايين من الدولارات من خلال صفقات الاسلحة و”زياد قطان” مسؤول المشتريات في الوزارة و”أيهم السامرائي” وزير الكهرباء الذي تم تهريبه من وسط سجنه في بغداد الى امريكا و”فلاح السوداني” وزير التجارة  الذي هرب ايضا الى بريطانيا التي يحمل جنسيتها وغيرهم كثر.

وطرحت قضية المسؤولين المتهمين بالفساد والهاربين مسألة التجربة العراقية في استرداد الأموال المنهوبة على طاولة البحث والنقاش لسنوات عديدة كما اثارت صرخات احتجاج ودعوات للحكومة للعمل الجاد من اجل إسترداد هذه الأموال التي تبلغ بلايين الدولارات، وكذلك المتورطين فيها.الا ان الوقائع تشير الى عدم حصول  “صندوق استرداد أموال العراق” المشكل بموجب القانون رقم 9 لسنة 2012 لدولار واحد مما يثير الكثير من الاسئلة عن مدى جدية الإجراءات التي قامت بها كل الجهات المسؤولة بدءاً من “هيئة النزاهة” و”ديوان الرقابة المالية” ومرورا بالقضاء وانتهاء بدائرة الإدعاء العام، وغيرها من الأجهزة المسؤولة.(11)

من المؤكد ان لا أحد يعرف على وجه الدقة كم هي الأموال العراقية المهربة لخارج، لكن حسب شهادة لعضوة برلمانية فان مجموعها بلغ حوالي 361 مليار دولار على مدى تلك الاعوام لم يتم إسترداد دولار واحد منها.كان من السهل قيام الحكومة او الجهات المعنية بتوكيل شركات محاماة ومحققين دوليين متخصصين والتعاون مع الأجهزة الدولية والوطنية المختصة لملاحقة المتهمين ومحاسبتهمـ لكنها لم تفعل ذلك مثلما عجزت عن حصر قضايا الفساد في المؤسسات وتدقيق حجم الأموال المهربة ومتابعتها.(12)

وتمثل قضية محافظ البصرة “ماجد النصراوي” نموذجا سافرا على مقدرة المسؤولين الفاسدين من الإفلات من المحاسبة، ليس فقط بسبب الإهمال وسؤ الإدارة والتسيب، وانما ايضا بسبب الغطاء والحماية اللتان توفرهما لهم قيادات الجماعات السياسية الشريكة لهما في الفساد.لقد تمكن النصراوي والذي يحمل الجنسية الأسترالية هو وعائلته من الهرب بعد اعتقال “جواد البزوني” رئيس مجلس المحافظة على خلفية قضايا فساد عديدة راجت اخبارها في البصرة كان ابطالها الحقيقيون هم قيادات الجماعات السياسية الحاكمة في بغداد التي استخدمت المسؤولين المحليين مجرد ادواة وغطاء للفساد والتربح من اموال الدولة.ان قضية النصراوي والبزوني كما كشفت الوقائع العديدة المنشورة تجاوزت كونها قضية فساد محلي في عقود الطاقة والإعمار الى قضية شبكات محلية ودولية متورطة في الفساد في العراق والتي تضم قيادات سياسية ورجال اعمال وشركات من دول عديدة.(13)

وفي الوقت الذي سجلت الكثير من قضايا الفساد ان المتورطين فيها كانوا ممن يحملون جنسيات دول كبرى، وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا، او انهم كانوا يحتمون بإجهزة المخابرات التي وفرت لهم فرص السرقة وفرص الهروب والوصول الى ملاذات آمنة لهم ولأموالهم، فان البعض الآخر من المتورطين بالفساد احتموا بالجماعات المتنفذة المسنودة من ايران ومن ايران نفسها للافلات من الحساب مقابل ابداء الولاء السياسي وتقديم خدمات اخرى.ان واحدة من اشهر هذه القضايا هي تلك المتعلقة بمحافظ صلاح الدين “احمد عبد الله الجبوري” (ابو مازن)  الذي كان متهما بعدة قضيا فساد وعلى رأسها صرف 130 مليار دينار على مشاريع وهمية حيث تم الحكم عليه بعام واحد فقط بعد ضجة كبرى اثيرت بشأن الاموال التي كانت مخصصة لاعادة اعمار المحافظة اثر تحريرها من داعش.ومع ضئالة الحكم الذي صدر بحق ابو مازن الا انه تم اطلاق سراحه بعد فترة قصيرة جدا ولإسباب قيل انها تتعلق بتعاونه مع الحكومة والأحزاب الشيعية والحشد الشعبي، ولعلاقاته الخاصة التي نسجها مع ايران.(14)

ولم تكن تلك هي بطبيعة الحال اول حالة من نواعها يتم افلات فاسدين من العقاب بسبب العلاقات التي نسجوها مع الجماعات الشيعية وايران.ان ابرز تلك الحالات، ولعلها اكثرها خسئة ودناءة ،هي حالة “مشعان الجبوري” الذي كان له باع طويل في الفساد بدءاً من نشاطاته التجارية المريبة مع نظام “صدام حسين” وابنه عدي، ومرورا بمشاركته بالفرهود الكبير في مدينة الموصل اثناء الغزو الامريكي، وانتهاء بنهبه لملايين الدولارات بعد التحاقه بالجماعات التي تسنمت السلطة غداة الاحتلال.تم الحكم على مشعان عام 2007 بالسجن 15 عاما بتهم تتعلق بفساد مالي كبير تجاوزر الـ 200 مليار دينار في عقود وهمية في تغذية الجيش العراقي وحماية انابيب النفط ومصافي النفط في بيجي.لكن هذه القضية اسقطت بشكل مفاجئ عام 2012 وعاد مشعان ليمارس دوره في سوق السياسة في “دولة علي بابا” وينضم بعدها للبرلمان، على الرغم من ماضيه القريب ونشاطاته السياسية والإعلامية المضادة للحكومة، وتعاونه مع الجماعات الارهابية المختلفة من القاعدة الى تنظيمات ما سميت بالمقاومة خلال اتعس فترة مر بها العراق في سنوات الصراع الأهلي والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين.(15)

ان قصة مشعان ومعه العديد من وجوه الفترة اللاحقة للغزو الامريكي ونشؤ “دولة علي بابا” والذين تقلبوا في مواقفهم وانتمائاتهم درجات حادة ومرات عديدة تلخص بشكل وافي قصة الفساد في العراق في تلك المرحلة حيث اختلطت كل العوامل الداخلية والخارجية لكي تنتج هذه النماذج القميئة التي تصدرت المشهد العراقي منذ الغزو، واقامت شبكة علاقات نفعية ومصلحية اخطبوطية ضاربة عرض الحائط بكل القيم الوطنية، والانسانية، والشرائع السماوية، والقوانين النافذة لكي تنتج تلك الطبقة الفاسدة التي حكمت العراق وتحكمت بثرواته ومقدراته كل تلك السنين.فبعد هروبه من العراق عام 2007 اثر الاحكام التي صدرت بحقه اصبح مشعان مشروعا للمعارضة و”المقاومة” من خلال عمله مع الأطراف السنية المسلحة التي كانت تسمي نفسها بالمقاومة، وانهمك من خلال قناتي “الزوراء” و”الرأي” اللتان امتلكهما بالأموال المسروقة في واحدة من اكبر وابشع حملات التحريض الطائفية ضد الشيعة وممثليهم في السلطة والذين ظل طوال تلك الفترة لا يصفهم سوى بالصفويين والفرس والشيعة.ولم تسقط المحاكم العراقية تهم الفساد، وسرقة المال العام فقط، بل اسقطت كذلك تهم التعاون مع الارهابيين والتحريض الطائفي التي كانت قد وجهت له والتي كانت الادلة الأساسية  عليها قائمة واكيدة من خلال برامج قناتيه التلفزيونيتيين التي كان يشاهدها الجميع.(16)

وفي غضون فترة قصيرة من اسقاط التهم عنه عاد مشعان ثانية للمشهد من خلال عضوية في البرلمان لكي يصبح هذه المرة واحدا من الوجوه الأكثر استماتة في الدفاع عن “دولة علي بابا”، ناقلا لسانه، الذي هو بندقيته، من موقع سب الشيعة وشتمهم الى موقع الحليف المساند الواقف معهم ضد الجماعات السياسية السنية المضادة.وبالتأكيد لم يكن كل ذلك ممكنا دون الضؤ الاخضر الذي اعطي له من قبل الجماعات الشيعية الحاكمة، ومن قبل ايران التي دأب على وصفها بالصفوية.وبطبيعة الحال فان الأمر ما كان لغزا كي يحتاج تفكيكه، بل كان مجرد صفقة بذيئة ابرمها “نوري المالكي” مع مشعان من خلال وسيطه “عزت الشابندر” والتي كانت تفاصيلها على كل لسان في بغداد.واذا كانت تلك مجرد عينة من عينات الصفقات التي تمثل فشل الهيئات الرقابية والقضاء في مواجهة الفساد فان شمول الفاسدين من الكبار والصغار وبالجملة بقانون العفو العام الذي صدر في بداية عام 2018 يجسد تماما صور التدني السياسي والاخلاقي الذي مارسته هذه الطغم الحاكمة، والتي تفسر الكثير من عوامل نشؤ وارتقاء “دولة علي بابا”.(17)

ويعتبر تشكل “اللجنة العليا لمكافحة الفساد” التي اعلن عنها رئيس الوزراء العبادي ضمن ما دعي بخطته الاصلاحية التي اطلقها في آب (اغسطس) 2015 اثر موجات الاحتجاجات على الفساد دليلا على الاقرار بفشل هيئة النزاهة والاجهزة القضائية في ملاحقة الفساد ووضع حد له.وكانت خطة الاصلاح تلك قد حددت خارطة طريق لهذه اللجنة للعمل وفق مبدأ (من اين لك هذا) ودعوة القضاء للتحقيق في مصادر الاثراء المشبوهة للاشخاص وهو ما لم يتم بعد اكثر من ثلاثة اعوام على انشاء تلك اللجنة العليا.لقد انظمت هذه اللجنة الى باقي المؤسسات الادارية والقضائية المعنية بالفساد التي عجزت عن ايقاف، او الحد من نمو هذه الآفة الخبيثة، ليس بسبب عدم توفر التشريعات القانونية اللازمة كما ادعى البعض، بل بسبب المناخ العام للفساد الذي اصبح البيئة الحاضنة للدولة العراقية بكل مؤسساتها وثقافتها وطريقة ادارتها لمؤسساتها والتي تحولت الى حلقة مغلقة من الصعب، ان لم يكن من المستحيل، كسرها بالطرق التقليدية.

                   هوامش مراجع ومصادر الفصل السادس عشر

1-انظر:نص أمر سلطة الإئتلاف المؤقت رقم  55 على موقع هيئة النزاهة

http://nazaha.iq/pdf_up/1544/55.pdf

انظر كذلك:الأمر رقم 77 في مجموعة التشريعات التي اصدرتها سلطة الإئتلاف حالف المؤقتة

http://wiki.dorar-aliraq.net/iraqilaws/law/16413.html

 

2-انظر:”هروب رئيس هيئة النزاهة خارج العراق،4/9/2007

http://www.aljarida.com/ext/articles/print/1461357403100973100/

انظر ايضا:”استقالة رئيس هيئة النزاهة في العراق”، موقع البوابة، 9/9/2011

https://www.albawaba.com/ar/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B2%D8%A7%D9%87%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-391422

3-انظر:القاضي الراضي يدلي بشهادته عن الفساد في العراق”، موقع ذي نيشن، (بالانكليزية) 5/10/20017

https://www.thenation.com/article/judge-radhi-testifies-iraqi-corruption-gopers-attack-update

انظر ايضا:”السجن سبع سنوات لقاض إنتقد القضاء العراقي”، مرصد الحريات الصحفية: /12/2017

http://iopf.net/2017/12/01/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%86-%D8%B3%D8%A8%D8%B9-%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B6-%D8%A5%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1/

4-انظر:”حسن الياسري يطالب محاوريه البريطانيين بالإفراج عن أموال هُرّبت من العراق،  صحيفة العرب، 5/10/2017

http://www.arabstoday.net/314/204225-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%B1%D9%8A-%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%AC-%D8%B9%D9%86-%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D9%87%D9%8F%D8%B1%D9%91%D8%A8%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

 وانظر: المقابلة بالانكليزية نقلا عن لو فيغارو بالفرنسية:

https://nenosplace.forumotion.com/t150705-a-french-report-speaks-in-a-frightening-way-about-iraq-s-corruption-and-reveals-the-story-of-malik

5-انظر:”حملة مكافحة الفساد في العراق ربما تكون موجهة  ضد الضحايا”، موقع ميدل اسيت اي، (بالانكليزية)، 15/8/2015

http://www.middleeasteye.net/columns/iraqs-struggle-slash-corruption-1269346759

انظرايضا:”النزاهة: إعادة ما بذمَّة 34 مسؤولاً سابقاً ضمن ملف استرداد أموال وممتلكات الدولة”، موقع شفق، 24/10/2017

http://www.shafaaq.com/ar/Ar_NewsReader/0e50f786-5ca4-4e01-86af-0020aa158ec8

6-انظر:”بغداد: لجنة النزاهة البرلمانية تتهم كتلاً سياسية بالحيلولة دون محاسبة المسؤولين الفاسدين، جرية الحياة، 29/10/2013

http://www.alhayat.com/Details/566615

7-انظر:”العراق: خطاب النوايا، ومذكرة السياسات االقتصادية والمالية، ومذكرة التفاهم الفنية بين العراق وصندوق النقد الدولي”، 22/ 12/ 2015

https://www.imf.org/external/np/loi/2015/IRQ/ara/122215a.pdf

انظر ايضا:”الفضيلة: فشل البرلمان بإقرار قانون مساءلة المسؤولين المتخلفين عن كشف ذممهم المالية مخيب للآمال، وكالة انباء العراق،

http://www.al-iraqnews.com/news/newwss/political-news/98379-%D9%88%D8%A7%D8%B9

8-انظر:”السلوك السياسي لبعض البرلمانيات العراقيات.. من يضمن للعراق وللعالـم المطالب بأن يعمّر المناطق المدمرة ألاّ تعود القاعدة وداعش ولكن بأسماء أخرى؟

شهاب احمد، صحيفة البينية، 14/2/2016

http://albayyna-new.com/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%88%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D8%B9%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1

9-انظر:”لجنة النزاهة: مكافحة الفساد من قبل البرلمان ليست إلا أكذوبة”، موقع بغداد بوست، 28/8/2017

http://www.thebaghdadpost.com/ar/story/46050/%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A9-

10-انظر:”الامم المتحدة تقول انها ستساعد العراق في مكافحة الفساد المتعاظم”، وكالة انباء رويترز، 11/8/2016

https://www.reuters.com/article/us-mideast-crisis-iraq-corruption/u-n-says-to-help-iraq-tackle-rampant-corruption-idUSKCN10M0PZ

11-انظر:”القضاء العراقي يصدر مذكرات لاسترداد الأموال المهربة وإعادة المطلوبين في قضايا فساد من الخارج”، جريدة القدس العربي ، 30/4/2016

http://www.alquds.co.uk/?p=525961

انظر: “العبايجي :361 مليار دولار الاموال التي هربت خارج العراق ، موقع الموقف، 27/11/2017

http://www.al-mawqif.com/75103

انظر: جعفر: “العبادي” جمع قاعدة معلومات عن الأموال المهربة خارج العراق”، موقع انا العراق، 22/11/2017

http://iamiraq.com/2017/11/22/%D8%AC%D8%B9%D9%81%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%AC%D9%85%D8%B9-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3/

13-انظر:”محافظ البصرة ماجد النصراوي يغادر العراق بعد استقالته ويكشف حقائق جديد”، موقع المستقلة، 11/8/2017

https://www.mustaqila.com/2017/08/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D8%A7%D8%AC%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D9%8A%D8%BA%D8%A7%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1

/

انظر ايضا:”ماجد النصراوي:عصابة من حزب الدعوة هي من تتحكم بالبصرة بالتعاون مع ؟؟”، موقع البغدادية 9/7/2017

https://elbaghdadia.com/xoemyv9frlkd

14-انظر:”بالوثيقة: ابو مازن يسرق 130 مليار ويأخذ سنة مخففة”، موقع الفرات الاخباري، 21/9/2017

http://www.faceiraq.net/inews.php?id=5869547

15-انظر:”مشعان الجبوري يعترف: أنا وكل ساسة العراق فاسدون، قال إنه أخذ رشوة بملايين الدولارات لإغلاق ملفات تتعلق بالفساد”، موقع العربية، 31/1/2016

https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/iraq/2016/01/31/%D9%85%D8%B4%D8%B9%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%8A%D8%B9%D8%AA%D8%B1%D9%81-%D8%A3%D9%86%D8%A7-%D9%88%D9%83%D9%84-%D8%B3%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%81%D8%A7%D8%B3%D8%AF%D9%88%D9%86.html

16-انظر:”مشعان الجبوري يؤكد أن القضاء اسقط تهم الارهاب ضده ويبدي دعمه الكامل لفصل العراق عن الكرد”، موقع قناة السومرية،  22/3/2012

http://www.alsumaria.tv/mobile/news/53996/iraq-news

 

17-انظر:هيئة النزاهة ترفض شمول جرائم الفساد باحكام قانون العفو العام،موقع ان ار تي الاخباري، بلا تاريخ

http://www.nrttv.com/Ar/Detail.aspx?Jimare=27109

 

دولة علي بابا

 

 cover 5

(15)

                                     ويسألونك عن الالحاد

لم تقتصر الأثار الخطيرة التي خلفها الفساد على البنى السياسية والاقتصادية والأمنية وانعاكسات كل ذلك في الدمار الشامل الذي الحقته منظومة الحكم التي قادتها احزاب وجماعات الاسلام السياسي في العراق منذ استلامها للسلطة بعد انهيار نظام “صدام حسين” الشمولي.فقد طال ذلك الانهيار بشكل لا يقل دمارا البنى الدينية والثقافية والاجتماعية والأسس الروحية والعقائدية التي رسخت في عقل ووجدان الأمة العراقية عبر آلاف السنين.ففي بلد نشأت فيه الاديان وتجذرت العقائد الروحية وكان مهبطا لأولى الرسالات السماوية التي حملها ابراهيم فقد ظل العراقيون طيلة القرون من اكثر الشعوب التي تتشبث بالايمان الروحاني على اختلاف منابعه وتؤيلاته كما تحافظ اغلبيته على العيش في الفضاء الروحي الذي تدعمه ايضا القدسية التي يمنحها هذا الماضي الديني العتيد وتظمه مرابع مقدسة  للاديان المختلفة على طول البلاد وعرضها.

كان واضحا منذ البداية ان الجماعات السياسية ذات الاتجاه الإسلامي سوف تستغل الوضع الجديد لفرض ثقافة وحالة عامة تنسجم مع توجهاتها الدينية المتشددة، واجندتها الطائفية، وهو ما عبرت عنه بالكثير من النصوص التي فرضتها في متن الدستور الجديد وفي ديباجته.ولقد سعت هذه الجماعات بعد ذلك وبكل ما اوتيت من سلطة وقوة وثروة تمكنت منها في الوضع الجديد لكي تفرض على المجتمع حالة من التسلط الديني وطقوسه وممارساته تجاوزت فيها كثيرا نص وروح الدستور وأسس العملية السياسية القائمة على التوافق، والتعددية، والتنوع الثقافي في مسعى منها للهيمنة وفرض الأجندة الواحدية الضيقة التي كانت تخفيها على مجتمع كان منفتحا طيلة عقود طويلة على الأديان والمذاهب والثقافات المتعددة الى حد كبير.

ان تاريخ هذه المرحلة سيسجل ان الجماعات الدينية السياسية التي تحكمت في مصير العراق منذ عام 2003 اعادت ارتكاب نفس الحماقات والخطايا التي ارتكبت في اماكن عدة وفي مراحل اخرى في تاريخ البشرية، الا وهي محاولة وضع الدين ازاء التفكير العقلاني والتنوير والحريات والحقوق الطبيعية للانسان والهيمنة على الفضاء العام وقتل الفرادة بكل نواحيها الفكرية والثقافية والروحية مما استدعي ردود افعال عكسية خلقت الكثير من التناقضات الثقافية والارتدادات الفكرية التي كانت نتيجتها تأجيج الصراعات المجتمعية.

تشير دراسات عديدة تناولت قضايا تاريخ الدين والتدين ونزعة الايمان عند البشر ومبرراته الى ان هناك علاقة سببية بين الارتدادات الروحية والايمانية التي تحصل في المجتمعات وبين تصاعد درجة العداء لرجال الدين، او الجماعات الدينية التسلطية، الذين يتجاوزن مهماتهم الروحية الى فرض مؤسسات كهونيتة ترعى برامج ومشاريع سياسية، او مصلحية، وتنغمس في الفساد بكل انواعه المادي والاخلاقي.وهناك بحوث عديدة اشارت الى ان انتشار الالحاد في اوربا في العصور الوسطى لم يكن ردا فلسفيا بانكار وجود الله، بل كان بالاساس موقفا اجتماعيا سياسيا لمواجهة الطغيان الكنسي، وهيمنة رجال الدين على المجالين الخاص والعام.ولم يقتصر الأمر على مجرد تحول الالحاد انذاك الى نزعة رفض، او تمرد على الاستبداد الديني فحسب، وإنما ادى الى ان يتحول الالحاد إلى شكل نضالي في الصراع ضد الكنسية، مما يظهر حيوية العامل السياسي كدافع رئيس من دوافع التمرد ضد الكنيسة الذي وصل الى حد الالحاد.وتؤكد دراسات بحثية عديدة اجريت حول تلك الفترة ان نسبة كبيرة من الملاحدة في اوربا عانوا من فترات قنوط ويأس ادت بهم إلى الشكوك والمسائلة الروحية، وهو ما يدل على الدور الاساسي الذي يلعبه الشعور النفسي بالاحباط والتأزم الذاتي في الاتجاه إلى الالحاد.

وبعيدا عن اوربا فقد تم رصد زيادة مؤشرات الالحاد في العالم العربي اثر فشل الثورات العربية التي تفجرت نهاية عام 2010 وبداية عام 2011 والهجمة المضادة التي قامت بها القوى الدينية، والجماعات المتطرفة، لكي تهيمن على الفضاء الاجتماعي.واذا كان التاريخ قد سجل ارتفاع وتيرة الالحاد اثر الثورة الفرنسية عام 1789 بسبب الموقف الذي اتخذته الجمهورية من الكنيسة والاكليريوس الكاثوليكي، فان تزايد حدة الالحاد في العالم العربي عقب الربيع العربي لا بد ان يعزى الى انتشار حالة الخيبات والضياع وفقدان الرجاء بين الشباب العربي، وهي المشاعر التي تؤثر بشكل مباشر في اتخاذ قرار الالحاد لأنها تنعكس على تصور المرء لمفهوم الإله بالصورة التي تشيعه الجماعات الدينية.(1)

واذا ما عدنا للحالة العراقية فانه بالرغم من غياب الدراسات والبحوث العلمية والميدانية والاحصاءات الدقيقة، فلا تبدو الحالة مختلفة، وخاصة في عزو اسباب الظاهرة الى حالات اليأس والقنوط التي اصابت العراقيين، وخاصة الشباب نتيجة لممارسات الجماعات الدينية السياسية التي تربعت على دست السلطة ومارست ابشع انواع الفساد بغية الاحتفاظ بها.وتسجل وقائع كثيرة وردت خلال السنوات الماضية عبر مختلف وسائل الاعلام الوطني والأجنبي وشبكات التواصل الاجتماعي والحالات العيانية المسجلة شيوع الالحاد في العراق بشكل لم يسبق له مثيل نتيجة لذلك.من العسير الوصول الى أرقام دقيقة عن عدد الملحدين في العراق لأسباب عديدة، لكن النشاطات التي يقوم بها اصحاب هذا الاتجاه، وبالذات على مواقع الاتصال الالكتروني، تكشف عن حجم ليس بالصغير، وخاصة في الأوساط الشبابية.وفي استفتاء اجراه موقع “اكا نيوز” المتوقف والذي كان يتخذ من اربيل مقرا له عام 2011 ونشره الباحث الامريكي “خوان كول” على مدونته واسعة الانتشار، اشار الى ان 32 بالمائة من العراقيين ابدوا شكوكا في وجود الخالق في حين ان 11 بالمائة لا يؤمنون بوجوده من الأساس.(2)

من البديهي ان هناك سببا آخر اساسي يرتبط بهذا الظاهرة، الا وهو العنف الذي مارسته الجماعات الاسلامية المتشددة والتنظيمات الارهابية، كالقاعدة وداعش وسلوكيات وممارسات التوحش الذي اظهرتها المنظمة الأخيرة، وهو ما دفع بعض الناس الى التشكيك في مبادئ الاسلام وقيمه الاساسية.غير ان هذا النوع من ردود الفعل يرتبط ايضا بالفساد الذي مارسته جماعات الحكم والذي ادى بدوره الى توفير حاضنة للارهاب.وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية قد اشارت في تقرير عن الظاهرة نشر عام 2008 الى ان بروز الالحاد في العراق يرجع غالبا الى ازدياد العنف مما يدعو الشباب العراقي الى التشكيك في المعتقدات الدينية التي تقف وراءه والتي يروج لها المتطرفون والارهابيون، لكنها نوهت ايضا، وفق شهادات من طلاب ومدرسي جامعات عراقية التقت بهم، الى ان التشكيك المتزايد بالقيادات الدينية التي تستخدم الدين في السياسة، اضافة الى فساد الجماعات الدينية الحاكمة، يشكلان عاملان آخران مهمان في تنامي التشكيك في المعتقدات الدينية او رفضها.(3)

من المؤكد ان هناك صعوبة في القبول بنتائج الاستفتاء المذكور لاسباب تتعلق بالجهة المستفتية وبالمنهجية التي لم يتم التأكد منها والاهم من ذلك من عينات المستفتين.كما قد يكون من الصعب تصديق وجود هذا العدد الكبير من الملحدين واللادينيين في العراق، ومن المحتمل ايضا ان هناك ميل لتوظيف هذه القضية اعلاميا من جهات عديدة داخلية وخارجية في معالجات سياسية، او قد يتعلق الأمر باستخدامها في مبررات طلب اللجؤ من بعض العراقيين الى الدول الغربية، الا ان الأمر يبقى مثيرا للاهتمام اولا على ضؤ مساهمات عدد كبير من الافراد العراقيين على شبكات التواصل الاجتماعي من الذين يدعون الالحاد او اللاادرية او المتشككين والتي تظهر وجودا نشطا لهم على مستوى التشبيك الجماعي، وثانيا ما تكشفه هذه الظاهرة من انعاكسات للممارسات السلبية واللاخلاقية للاحزاب والجماعات الدينية التي هيمنت على السلطة والتي تعتبر فعلا عاملا منفرا، وخاصة للشباب للابتعاد عن الدين.

وعموما، فان واقع الحال يشير الى تنامي التيارات العلمانية والمدنية التي ترفض الاسلام السياسي ومناهجه وممارساته، وهو رفض نابع من رد فعل تجاه ما يحصل من فوضى امنية واستعصاء سياسي وانهيار اقتصادي وغياب الخدمات وهيمنة سلطات متعددة على الفضائين السياسي والاجتماعي مع ضياع الأمل بالتغير والتقدم والارتقاء والعدالة بسبب تفشي الفساد وانتشار الرشوة والمحسوبية السياسية والطائفية.ان خير دليل على تنامي الابتعاد عن الجماعات الدينية هو حركة الاحتجاجات التي شهدها العراق خلال السنوات الاخيرة الموجهة اساسا ضد رموز الجماعات الاسلامية الحاكمة، وتناقص اعداد المشاركين في الانتخابات البرلمانية والمحلية  خلال السنين الآخيرة.(4)

وادراكا منها للمخاطر التي تشكلها هذه الظاهرة على نفوذها وخاصة في كشف زيف ادعائتها بتمثيلها للدين والدفاع عن اسسه الايمانية والاخلاقية فقد انبرت قيادات الجماعات الدينية السياسية المتسلطة الى التنديد واطلاق الوعيد ضد الملحدين وتمادوا في تهديداتهم ضد اللادينيين او العلمانيين، بل وشملت تلك التهديدات احيانا كل من يدعو للدولة المدنية والديممقراطية والحريات.وفي مسعى لخلط الأوراق ومحاربة التيارات السياسية التي تدعو الى تأسيس دولة مدنية في العراق فقد لجأت قيادات الجماعات الاسلامية السياسية الى تشويه صورة دعاة الدولة المدنية الذين تمكنوا من كسب تأييد وتعاطف اغلبية كبيرة من العراقيين المستائين من الفساد من خلال دمغهم بالالحاد واللادينية والعلمانية وغيرها من العبارات التي تستخدم عادة للتجريح وكيل الاتهامات الكيدية للخصوم.

ففي مقابلة تلفزيونية هاجم “علي الاديب” القيادي في حزب الدعوة من سماهم العلمانيين بانهم “عملاء فكريين لنظام او انظمة او منظمات فكرية معينة” وذهب الى ابعد من ذلك في ترديد الاتهامات بان العلمانيين “هم بالاساس معادين للاسلام والاديان”.وفي اشارة تتعلق بصلب الموضوع الذي يرتبط بالعلاقة بين تفشي الفساد والرفض الشعبي العارم الذي توجه التيارات المدنية اضاف الاديب المعروف بكونه احد صقور الحزب بان العلمانيين يحاولون استغلال زلات المجموعات الاسلامية التي تمسك بالسلطة لاثارة الرأي العام ضدهم.(5)

غير ان بعض قيادات الجماعات الحاكمة والمتنفذة اقرت بان الفساد الذي طال كل مناحي الدولة والمجتمع كان ايضا من عوامل ظهور الالحاد خلال هذه الفترة.ففي كلمة له في واحدة من الامسيات الرمضانية في ايار (مايو) 2017 هاجم رئيس “التحالف الوطني العراقي” “عمار الحكيم” شيوع ظاهرة الالحاد في المجتمع العراقي كما حرض على الملحدين بالضرب بيد من حديد، الا انه مع ذلك اقر بان شيوع ظاهرة الالحاد ترتبط بظاهرة الفساد في المجتمع “كمصداق من مصاديق الظلم، خاصة اذا ضربت الرشوة احد مفاصل القضء”. بل ان ممثل السيد السيستاني الشيخ “عبد المهدي الكربلائي” ذهب ابعد من ذلك حين ربط بين شيوع الالحاد وبين الفشل في الاداء الحكومي والتدهور الاقتصادي في البلد.(6)

وفي شهادة لافتة، على فشل حكم الجماعات الإسلامية لانها تأتي من أهل الدار، يشير الكاتب “غالب الشابندر” الذي كان احد المنخرطين في تيار الاسلامي السياسي العراقي لسنوات طويلة قبل انشقاقه ،الى ان “الاحباط وممارسات احزاب الاسلام

السياسي” تقف وراء انتشار الالحاد في العراق.ويظيف في تلك الشهادة التي لا تخلو من قسوة:”اصبح حكم  الكافر العادل افضل من حكم الأحزاب الاسلامية في العراق”.(7)

ان الخلط بين مفهومي الالحاد واللادينية والعلمانية والدعوة المدنية هو منهج انتقائي معروف لدى الجماعات الاسلامية المتشددة، وهدفه هو بث الخوف والرعب في صفوف معارضيهم من منقدي ممارساتهم المنافية للدين ورسالته الانسانية وقيمه العليا كما ينطوي ايضا على تحريض الشرائح الاجتماعية البسيطة، وذات الثقافة  المتدنية ضد المدنيين من خلال اتهامهم بالعلمانية او الالحاد.والأهم من كل ذلك فان ما تسعى اليه الجماعات المتسلطة هو تطويق الرفض الشعبي العارم لسياسات استخدام الدين، ليس فقط في السيطرة على الدولة والهيمنة على مقدرات المجتمع، وانما ايضا في استمرار سياسات النهب المنظم للثروات الوطنية.

ومع انها استمرت بالهجموم على التيارات المدنية ووصمها بالعلمانية وبالالحاد، الا ان الجماعات الدينية اضطرت الى ركوب الموجة المدنية والادعاء بتبني شعارتها الأساسية في المواطنة والدولة المدنية ومحاربة المحاصصة والفساد.ان جنوح هذه الجماعات الى التدليس والنفاق من خلال الادعاء بتأييدها للشعارات المدنية لم يأتي الا نتيجة الزخم الذي وفرته حركة القوى المدنية والاحتجاجات والمظاهرات التي نظمتها بدء من عام 2011.وفي الحقيقة لم تكن محاولات القوى الدينية للالتحاق بركب دعاة الدولة المدنية صادقة وحقيقية، بل كانت تكتيكات تمليها دوافع انتهازية ومحاولة ركوب الموجة، وخاصة بعد ثلاث سنوات من الحرب الضروس التي شنت على تنظيم داعش الارهابي والتي كشفت بدورها حجم الفساد الذي كان وراء المكاسب التي حققها التنظيم عام 2014، كما انها جاءت قبل عام من الانتخابات البرلمانية الحاسمة في ربيع عام 2018 التي اشارت التقديرات الى توفر الفرص لحركة التيار المدني بان يحقق نجاحات فيها.

ربما كانت قضية الالحاد في العراق مبالغ بها، او حتى مفتعلة، كما اشرنا، الا انها بالتأكيد كانت من العوامل التي كشفت عن جانب مهم في قضية الفساد الذي اصبحت عليه الجماعات القابضة على سدة الحكم والتي ساقت العراق بالنهاية الى ذلك الحضيض الذي اصبح عليه.وبقدر ما يتعلق الامر بموضوعة الدين الذي جعلته جنبا الى جنب السردية الطائفية التي اوصلتها الى كراسي السلطة، فقد اثبتت هذه الجماعات انها بممارساتها اللصوصية وجشعها لم تنزع عن العملية السياسية التي قادتها جوانبها الاخلاقية وموازين العدالة التي يجب ان تقوم عليها فقط ،بل انها اشاعت مناخا مشككا، او حتى معاديا، للدين الذي جاءت باسمه الى السلطة.(8)

قد لا يشكل الالحاد ظاهرة كبيرة في العراق لكن الاكيد ان منظومة الفساد المرتبطة بالتسلط باسم الدين والاستبداد السياسي ستفتح الطريق الى المزيد من الانهيارات النفسية والاجتماعية عند العراقيين والى غرس المزيد من بذور الشر في المجتمع العراقي وهي كلها عوامل تصب في مجرى عملية انهيار العراق وتفكيكه.

 

 

                        هوامش ومراجع ومصادر الفصل الخامس عشر

 

1-انظر،” في دوافع الالحاد، موقع الجزيرة” ، ميدان، 25 تموز 2017

استعراض لثلاثة كتب وهي:

“الإلحاد في الغرب”، رمسيس عوض

و”سيكولوجية الإلحاد” بول فيتز

و”الإلحاد وأسبابه: التاريخ الأسود للكنيسة”  زينب عبد العزيز

http://midan.aljazeera.net/intellect/sociology/2017/7/25/%D9%81%D9%8A-%D8%AF%D9%88%D8%A7%D9%81%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF

2-انظر:”موت الإله في العراق، 32% يعتقدون انه غير موجود و11% غير متأكدين” مدونة خوان كول، (بالانكليزية)، بلا تاريخ

 https://www.juancole.com/2014/02/death-iraqis-exists.html

3-انظر:”عراقيون:الإلحاد ينتشر بسبب الفساد الحكومي والموت المجاني”، موقع ايلاف،  12/8/2017

http://elaph.com/Web/News/2017/8/1162319.html

انظر كذلك:”العنف يجعل الشباب في العراق يشككون في رجال الدين، نيويورك تايمز، 4/3/2008

http://www.nytimes.com/2008/03/04/world/middleeast/04youth.htm

انظر ايضا:”الالحاد في العراق بين الواقع والمبالغة، عماد جاسم، طريق الشعب،5 تموز 2017

http://www.iraqicp.com/index.php/sections/2016-04-17-20-22-47/60689-2017-07-05-18-07-44

4- انظر:”المجتمع العراقي اسلامي وليس علمانيا”، علي الاديب، المسلة

http://almasalah.com/ar/News/110333/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A%D8%A8-%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%81%D8%B9-%D8%B9%D9%86-%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

انظر ايضا:”العلمانية دخيلة على العراقيين والشعب العراقي هو اصلا شعب اسلامي”، علي الاديب ، الحوار 8 آب 2017

http://ahewar.org/rate/ys.asp?yid=2766672

 5-انظر:”الحكيم يحذّر من شيوع الإلحاد في المجتمع العراقي، جريدة الصباح الجديد 30 آيار 2017

http://newsabah.com/newspaper/123513

6-انظر:”شبكة اخبار العراق، غالب الشابندر:زيادة نسبة الإلحاد في العراق نتيجة ظلم وفساد الأحزاب الإسلامية، موقع العراقية نيوز،  2 اذار 2017

http://aliraqnews.com/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%A8%D9%86%D8%AF%D8%B1%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D9%86%D8%B3%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

انظر ايضا: “ممثل السيستاني:من نتائج الأخطاء الحكومية انحراف الشباب وانتشار الإلحاد، موقع سومر نيوز، 29/12/2017

http://sumer.news/ar/news/24712/%D9%85%D9%85%D8%AB%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%85%D9%86-%D9%86%D8%AA%D8%A7%D8%A6%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%86%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF

7-“مستقبل العلمانية في العراق”، مركز الحريري لدراسات الشرق الاوسط، المجلس الاطلسي، واشنطن

http://www.achariricenter.org/future-of-secularism-in-iraq-ar/

8-انظر:”هل يستطيع العراق الانتقال الى ما بعد الطائفية، صلاح النصراوي ، الاهرام ويكلي، 3/8/2017

http://weekly.ahram.org.eg/News/22086.aspx

 

دولة علي بابا

 cover 5

(14)

                      … وحين يصبح الفساد في العراق قضية دولية

نهاية شهر أذار (مارس)  2016 وبينما كانت بغداد تعيش ساعات حرجة بانتظار ما سوف تسفر عنه محاولات اخراج سنياريو لانقاذ البلاد من الأزمة الوزارية الطاحنة جراء اخفاق حكومة “حيدر العبادي” في الاستجابة لدعوات الإصلاح التي اطلقها الحراك الشعبي الواسع ضد الفساد فوجئ العالم بنشر تحقيق صحفي استقصائي دولي عن وقائع الفساد في العراق، وخاصة في قطاع النفط.التحقيق الذي ظهر على موقع “هافغتن بوست” (The Huffington Post) الأمريكي ودورية العصر(The Age) الاسترالية سرعان ما  تناقلته الصحف العالمية باهتمام بالغ وتم اعادة نشره في وسائل اعلامية اخرى تحت عناوين مثيرة مثل: “اكبر فضيحة رشاوي عالمية في العراق”.

كان ابطال الفضيحة المعنية مسؤولين عراقيين كبار في الدولة وعلى رأسهم “حسين الشهرستاني” وزير التعليم العالي في حكومة العبادي ووزير النفط اثناء حصول وقائع دفع تلك الرشاوي وخليفته “عبد الكريم لعيبي” و”ضياء جعفر الموسوي” رئيس شركة نفط الجنوب والعديد من قيادات الوزارة ومسؤولي “شركة نفط الجنوب”.وملخص القضية التي اصبح الرأي العام العالمي والعراقي مطلع على تفاصيل كثيرة متعلقة بها ان شركة اقامها شخص من اصول ايرانية وولديه في “امارة موناكو” كواجهة لعمليات الصفقات المشبوهة عملت خلال سنوات طويلة في العراق كانت خلالها تدفع رشاوي على هيئة تحويلات مالية مباشرة، او شراء لشقق، او رحلات سياحية، وخدمات اخرى متنوعة، لمسؤولين في وزارة النفط لقاء تسهيلات للشركات النفطية الدولية العاملة في العراق، وخاصة للحصول على عقود الاستثمار والتشغيل في حقول النفط الكبرى التي ذهبت بدورها الى كارتيلات عالمية.

ومن خلال البريد الإلكتروني الذي تم اختراقه لشركة (Unaoil) وهي الوسيط في عمليات الرشى مقابل العقود بدأت تتضح صورة بشعة للشبكات العنكبوتية من كبار المسؤولين في الحكومة والقطاع النفطي العراقي الذين استطاعت شركات النفط اقامتها داخل العراق بهدف نهب الثروات الوطنية بواسطة مسؤولين ليسوا فقط من قادة الجماعات الحاكمة واتباعهم، وانما ايضا ممن ادعوا انتمائهم الى مدرسة آل البيت والى مشروع دولة العدل والحق الإلهية العلوية.

التقرير الصحفي متوفر الآن على مواقع الشبكة العنكبوتية، مما لا حاجة بي هنا الى اعادة سرد تفاصيله، وهو بالتأكيد نتيجة جهود استقصائية بحثية ممتازة استغرقت اشهرا طويلة، لكن ما لا يعرفه الكثيرون ان خروج هذا التقرير الى النور يعود بشكل ما الى مساهمات وجهود عراقية بذلت خلال السنوات الماضية لفضح الفساد والفاسدين في “دولة علي بابا” ومن بين ذلك المقالات والتحقيقات التي نشرتها انا شخصياً باللغة الانكليزية على مدار السنوات الماضية ضمن مشروعي لكشف فساد “دولة علي بابا” ورموزها.(1)

كنت مدركا بان نقل المعركة ضد فساد زمر الحكم في “دولة علي بابا” الى الاعلام الخارجي سيساعد على خلق رأي عام دولي ضاغط بامكانه ان يساند العراقيين في معركتهم ضد الفساد.كان الهدف هو دفع اجهزة الاعلام الدولي الى الاهتمام بقضية الفساد في العراق والعمل على كشف المزيد من الجوانب المتلعقة بارتباط الفاسدين في العراق بشبكات الفساد العالمية.وفي سبيل زيادة الاهتمام الدولي كان لابد من ربط الفساد ونتائجه بقضيتي فشل العملية السياسية واستمرار الارهاب، وحث الحكومات الأجنبية والمنظمات الدولية على التعامل مع الموضوع بجدية نظرا للتأثيرات الخطيرة للارهاب على المستوى العالمي.(2)

وجاء الكشف عما سمي بـ “اوراق بنما” عن الحسابات المصرفية في بنوك مناطق الملاذات الضريبية بعد ايام قليلة من فضيحة الرشاوي الكبرى لتكشف عن اوجه اخرى لفساد زمر “دولة علي بابا” حيث اتضح حسب صحيفة “الغارديان” ووكالات انباء عالمية ان احد مؤسسي هذه الدولة وواضعي ركائزها وهو “اياد علاوي” يمتلك حسابات عديدة  في تلك الملاذات استمر في الايداع فيها حتى عامي 2014 و2015 اي في الفترة التي كان يعمل فيها نائبا لرئيس الجمهورية.ولم يقتصر الأمر على هذه الفضيحة، بل تلاها بعد شهور الكشف عن حسابات علاوي في ملاذات ضريبية اخرى عبر التقرير الاستقصائي “اوراق الفردوس” حيث اتضح ان لعلاوي حسابات مسجلة في “برمودا” والتي اكد هو للمجموعة الصحفية التي كشفت عنها ان الأموال المسجلة فيها متأتية من استشارات “قانونية وأمنية” كان قد قدمها في فترة الثمانينات من القرن الماضي دون ان يفصح لمن كان قد قدم تلك الاستشارات المخابراتية، لكنه باقراره ذلك كان قد اكد ما كان متداولا منذ زمن طويل عن علاقاته المشبوهة بالاجهزة السرية في عدة دول عربية وأجنبية.(3)

ويعلم كل خبراء الاستثمار وكذلك الاجهزة التي تعمل في مكافحة الجرائم الاقتصادية ان الأموال والشركات المسجلة فى تلك الملاذات تتأتي، في اغلب الحالات، من طرق غير مشروعة كالفساد والرشاوي والعمولات غير القانونية وتجارة المخدرات والبشر والاسلحة، كما انها تستخدم لتنفيذ أنشطة غير شرعية كغسيل الأموال والتهرب من الضرائب، على سبيل المثال، بسبب غياب الرقابة الوطنية والدولية على تلك الحسابات والتحويلات المالية التي تجري عبر مافيات اجرامية متخصصة.

في رده على ما كشفته وثائق “اوراق بنما” التف علاوي، الذي يمتلك الجنسية البريطانية، ودار طويلا لكي يركز في جوابه على “ان القانون البريطاني يسمح بتشكيل شركات خارج المملكة المتحدة، وهو اجراء معمول به في القانون البريطاني”.واكد ان “موقفه الضريبي في بريطانيا سليم ونظامي وقانوني، كما انه ليس هناك اي تهرب ضريبي”.وبطبيعة الحال فان طبيبا ارسل للدراسة في بريطانيا في سبعينات القرن الماضي قبل ان ينشق ويبدأ رحلة تعاون مع اجهزة مخابرات اجنبية عديدة ومن ثم يلعب دورا بارزا في عملية اسقاط النظام السابق، لا يكشف عن مصادر ثرواته الباهظة وشركاته التي يدفع عنها الضرائب، كما انه لايدافع عن حاجته الى حسابات سرية في مصارف الملاذات الضريبية، كما يتفادى اي اشارة الى امكانية التعارض بين موقعه السياسي وعمله في مجالات البزنيس التي قد تخفى تفاصيلها على الشعب العراقي ولكنها لا يمكن ان تخفى على الاجهزة والمؤسسات الدولية.

وبالرغم من ان تلك قصة اخرى بابعاد وتفاصيل مختلفة عن قصص الرشاوي التي كشفها تحقيق “هافغتن بوست” و”العصر” الا انها تبقى من قصص الفساد الكبرى التي جرت في العراق رغم انها تكشف فقط عن جزئيات تتعلق بالمصب الذي تودع فيه اموال الفساد دون معرفة المنبع.لكن وفق المثال الذي توفره فضيحة شركة “اناويل” فلربما سنرى في وقت لاحق الكشف عن الكثير من تفاصيل المنبع الذي مكن مثل هذه النماذج في “دولة علي بابا” ان تكون امبراطوريات مالية واقتصادية تنتشر في العالم وتتولى في الوقت نفسه المواقع الحكومية والسياسية العليا وتتلاعب بمقدرات العراق.

ما تؤكده هذه التقارير وغيرها، من بين اشياء عديدة هو ان قدرة لصوص “دولة على بابا” في اخفاء الحقائق بشأن عمليات نهبهم للمال العام واوجه فسادهم المختلفة وتهربهم من المسؤولية اصبحت اضيق مما كانوا يعتقدون وان امكانية الكشف عن كل تفاصيل عمليات النهب والسرقات وطرق التصرف بالأموال اصبحت ممكنة لأسباب عديدة من بينها الامكانات التي توفرها الاجهزة الدولية المعنية بالشفافية ومحاربة الفساد والطرق الحديثة التي تتبعها الصحافة الاستقصائية للوصول اليهم.

الرسالة الضمنية التي ينطوي عليها الكشف عن هذه الوقائع هو ان الفاسدين قد يستطيعون من خلال السلطة والقوة الغاشمة التي بين ايدهم من اسكات اصوات العراقيين في الداخل وارهاب الصحفيين العراقيين الذين يسعون للتحقيق في قضايا الفساد (كما فعلوا طيلة هذه السنين) ولكنهم لن يستطيعوا ذلك في عالم اصبحت فيه هذه القضايا متشابكة مع بعضها وتخضع باستمرار لقوانين الشفافية والنزاهة والرقابة، سواء من قبل الحكومات او الهيئات الدولية، اومن قبل الصحافة المهتمة بنقل الحقائق للرأي العام الدولي.

من الطبيعي ان تثار أسئلة بخصوص الجهات التي تقف وراء تسريبات تتعلق بمعلومات سرية وفائقة الأهمية مثل هذه، وايضا التوقيتات التي جرت بها عمليات نشر هذه التقارير، والشخصيات العراقية التي جرى انتقائها من دون آخرين لكشفها، وهي بالتأكيد ترتبط بعمليات ابتزاز من قبل القوى والأجهزة التي يتعاملون معها والتي تعلم تفاصيل كل حساباتهم واستثماراتهم في العالم.الا ان ذلك لن يغير من حقيقة الموضوع شيئا باعتبار ان هؤلاء وغيرهم من مسؤولي “دولة علي بابا” اصبحوا معرضين للفضائح والكشف عن تفاصيل سرقاتهم واماكن ايوائها مهما طال الوقت او قصر.

لم تكن جميع التقارير التي نشرت عن فساد المسؤولين العراقيين في الخارج قد أتت عن طريق الصحافة الأجنبية، فبعض تلك التقارير جاءت من شخصيات عراقية بذلت جهدا خاصا لتقصي المعلومات عن مشاريع ومقاولات وردت الى اسماعهم عن شركات في دولهم مما اثارت شكوكهم فبادروا للعمل كصحفيين استقصائيين لمعرفة الحقيقة.ومن اشهر القضايا التي تم فضحها هو مانشره الوزير العراق الأسبق “جواد هاشم” عن شركة وهمية كندية منحت مشروعا للطاقة بملبغ  1.5 مليار دولار وما نشره المهندس “مثنى كبة” عن شركة وهمية في سويسرا منحت هي الاخرى عقدا لبناء محطات طاقة بمبلغ 6 مليار دولار.(4)

ولم تذهب جهود الشخصين العراقيين سدى فقد ادى الكشف عن الشركتين الوهميتين الى الغاء العقود المعنية على الرغم من ان ذلك لم يكن يعني امكانية الالتفاف على تلك القرارات وتوقيع عقود اخرى باسماء شركات وهمية غيرها.غير ان الفضيحة سلطت، من ناحية اخرى، الأنظار على الدور الذي يمكن ان تلعبه الجاليات العراقية في مكافحة الفساد في بلادها من خلال نشاطات مختلفة، وعن طريق استغلال حقوق المواطنة المكتسبة في بلدانها والحقوق الدستورية والقانونية للوصول الى المعلومات لمتابعة تفاصيل هذه القضايا بدءاً من تقصي الحقائق، ووصولا لملاحقاتها قانونيا في محاكم بلدانهم تلك.

وبهذا الصدد تتحمل الجاليات العراقية في الخارج مسؤولية كبيرة في مهمة تعزيز المقاومة ضد الفساد من خلال تنظيم نفسها في فعاليات، وبرامج، ومنظمات تضامنية مع الحراك الشعبي المناهض للفساد في الداخل.وتأتي على رأس اولويات عمل الجاليات العراقية في الخارج رصد الأموال المنهوبة وحركة نقل الأموال وتبيضها والتدقيق في العقود المزيفة الموقعة مع الشركات الوهمية وهي كلها ممارسات لعبت الدور الأبرز في عمليات الفساد خلال المرحلة السابقة.ان للجاليات العراقية في بعض دول المهجر فرصة كبيرة من خلال استغلال القوانين المحلية والدولية والثغرات القانوية لملاحقة الفاسدين اضافة الى الفرص المتوفرة لهم في الوصول الى المنظمات الوطنية والدولية المعنية والمحامين المعنيين بملاحقة الفساد.

من الضروري بها الصدد تشكيل منظمة وطنية من عراقيين في الداخل والخارج تقوم بتسجيل وتوثيق كل ما يتعلق بالنشاطات الاجرامية المتعلقة بالفساد لزمر عصابات “دولة علي بابا” والأموال المسجلة باسماء عوائلهم واقربائهم وكل من له علاقة بهم في دولهم، وغيرها، وانشاء ارشيف وطني تتحمل الأجيال العراقية القادمة مهمة متابعته مستقبلا وملاحقة الأموال المنهوبة واستعادتها.هناك تجارب معروفة في هذا المجال، ومنها تجارب الجماعات اليهودية في العالم التي نجحت من خلالها في ملاحقة واستعادة الأموال والثروات اليهودية بعد سنين وعقود طويلة من نهبها.وتأتي على رأس قائمة المهمات التي يجب ان تقوم بها جماعات عراقية متخصصة ومؤهلة الاتصال بالأمم المتحدة والهيئات الدولية المعنية بهدف تشكيل لجنة تقصي حقائق دولية بشأن الأموال العراقية المنهوبة اعمالا للقرارات الدولية التي اتخذها مجلس الامن منذ عام 1991 واثناء الغزو الامريكي والتي لا تنتهي  بالتقادم.

كان بامكان اي مواطن كندي من اصل عراقي، مثلا، ان يتابع الاتهامات الموجهة لـ”حسين الشهرستاني” سواء في قضية “اونياويل” او العقود الاخرى التي كان للشهرستاني ايضا ضلع فيها ويلجأ للقضاء هناك لاجراء التحقيقات اللازمة باعتبار الشهرستاني مواطنا كنديا ايضا.كما كان بامكان اي مواطن عراقي يتمتع بالجنسية البريطانية ان يطالب الجهات البريطانية بالتحقيق في ادعاءات “اوراق بنما” بشأن علاوي وآخرين من المسؤولين من مزدوجي الجنسية العراقية البريطانية الذين هربوا اموالهم الى بريطانيا.من الطبيعي ان تكون الدوافع التي حركت الفريق الاسترالي تتعلق بمشاركة شركة “لايتن” الاسترالية في تلك الوقائع وانتهاكها للقوانين في بلادها مثلما كانت “اوراق بنما” تمثل مسعى لكشف الحجم المهول من محاولات التهرب من دفع الضرائب على المستويات الوطنية والعالمية من قبل شخصيات كبيرة.الا ان المحاولتين تكشفان اهمية العمل الدؤوب على كشف قضايا الفساد في “دولة علي بابا” من قبل العراقيين بكل الطرق والوسائل الممكنة، ودون اية استهانة بما ينشر من معلومات، او شعور بالاحباط بعدم جدوى ذلك.ما يجب ان يدركه كل عراقي بان هناك دائما بعد دولي في عمليات الفساد ابتداء من الرشاوي الى العقود والمقاولات وانتهاءً بالمكان الذي ترسو فيه اموال الفساد، وهو عادة بنوك ومصارف خارجية، سواء اكانت في ملاذات ضريبية، او في دول او تبيضها على شكل استثمارات وعقارات ومن ثم اعادة تدويرها واستغلالها في مشاريع باسماء اصحابها او عوائلهم او شركائهم.

ان مهمة ملاحقة الأموال المنهوبة هذه بقدر ما هي نبيلة وتشكل مسؤولية وطنية واخلاقية وسياسية، فانها ليست بالمكلفة كثيرا ويستطيع ان ينهض بها مجموعة صغيرة من الشباب العراقيين المتواجدين في الدول الأوربية والولايات المتحدة والذين يحملون جنسيات هذه البلدان.ان كل ما يتطلبه الأمر هو توفر الارادة والحمية الوطنية والقليل من الجهد في العمل والتنظيم والاستعانة بالخبرات العالمية المتوفرة.ان العديد من العراقيين في الخارج يكتفون بالفرجة او بالتنفيس عن غضبهم من ممارسات الفساد عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومجالس النميمة والثرثرات الفارغة ولكنهم يتقاعسون عن القيام بعمل بناء في ملاحقة الفاسدين الذي يعيشون في اوساطهم في عقارات تم شراءها بالأموال العراقية المنهوبة ويقومون باستتثمارات ويفتحون حسابات مصرفية مكتنزة بتلك الأموال.

وفي لجة الغضب المتصاعد ضد حيتان “دولة علي بابا” اهتم العالم بقضية الفساد المستشري في العراق حيث شكلت تقارير ودراسات “منظمة الشفافية الدولية” و”الاكاديمة الدولية لمناهضة الفساد” وغيرهما بعض المصادر المهمة التي سلطت الأضواء على الفساد في العراق كقضية عالمية.كما تنبهت المنظمات الدولية المعنية وخاصة “منظمة الامم المتحدة” وهيئاتها المختلفة الى الحجم المريع للفساد في العراق واطلقت التحذيرات عن الأثار الخطيرة التي يمكن ان يتركها الفساد على مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.وكان اهم ما تم الانتباه اليه تأثير الفساد المباشر على سؤ الادارة والعجز عن اعادة بناء الدولة، والفشل في العملية السياسية، والأخطر من كل ذلك هو دور الفساد في استمرار الارهاب وتفاقم العنف المجتمعي.(5)

وشكلت الأزمة المالية التي تسبب بها تدهور اسعار النفط بعد عام 2012 فرصة لـ”الأمم المتحدة” ولـ”صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي” كي تتدخل في دعوة الحكومات العراقية الى مكافحة الفساد.ووفق اتفاق وقع مع “برنامج الأمم المتحدة الانمائي” عام 2016 وبعد ضغوط مارسها “صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي” لتضمين ذلك ضمن شروط المساعدات والقروض التي قدمت للعراق سواء لاعادة البناء او لتحسين ميزان المدفوعات، فقد تم انشاء آلية مشتركة بين الحكومة والبرنامج يقوم من خلالها خبراء دوليون في مكافحة الفساد بمساعدة “هيئة النزاهة” والجهاز القضائي في العراق في تدريب وتطوير مهارات المحقيقين العراقيين في قضايا الفساد وبالذات في طرق الكشف عن هذه القضايا والتحقيق فيها واحالتها الى المحاكم.(6)

كانت هناك امال كبيرة ان تقوم هذه الهيئات الدولية والامم المتحدة بالكشف عن نتائج عمل المحققين الدولين بعد انتهاء عملهم ربيع عام 2018 عملا بمبادئ الشفافية والنزاهة وامتثالا لمسؤوليتها امام الشعب العراقي والرأي العام الدولي الا انها لم تفعل علما انها تمكنت خلال فترة عملها من جمع بيانات ومعلومات في غاية الاهمية والدقة عن حجم الفساد في العراق والمتورطين فيه من الاطراف العراقية والاجنبية.ان عدم الاعلان عن نتائج عمل المحققين الدوليين لا من قبل برنامج الامم المتحدة الانمائي يفضح الاهداف الحقيقية من وراء الاتفاق الذي وقع في آب (اغسطس) 2016 في عدم وجود ارادة حقيقية ولا نية في مكافحة الفساد في العراق واجتثاثه من منبعه.

بعد عقد ونصف من الغزو الأمريكي لم يحقق التدخل الدولي، سواء من قبل “الأمم المتحدة” او من خلال البرامج المدعومة من بعض الحكومات، ومن بينها الولايات المتحدة، اي اختراق مهم يذكر في جهود مكافحة الفساد في العراق، سواء على صعيد دعم الحملات المحلية لوقف إستنزاف الفساد للمال العام ودعم برنامج وطني شامل لمواجهة الفساد، او على صعيد استرداد الأموال المنهوبة في الخارج، او جلب المدانين الهاربين لمحاسبتهم امام القضاء العراقي.فعلى الرغم من الإتفاقيات الدولية الخاصة بتبيض الأموال، وعمل المصارف المركزية في العالم في الرقابة، ودور المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع الدولي في تعزيز الشفافية ودور اجهزة الاعلام في كشف وملاحقة انواع الفساد المختلفة على الصعيد الدولي، الا ان جهود مكافحة الفساد في العراق لم تحظ الا بالقليل من الاهتمام، وكأن هناك اتفاق، او تفاهم، على السماح لهذه الشبكة العنكبوتية ان تعمل بحرية في الاطار الدولي المعولم.ومثلها مثل جهود “هيئة النزاهة” و”لجنة النزاهة البرلمانية” والقضاء فقد خلفت برامج المساعدة الدولية في مجال مكافحة الفساد الكثير من خيبات الأمل لدى المواطن العراقي الباحث عن لقمة عيشه وسط ركام الأزمات التي خلقها الفساد وعززت القناعة لديه بان الحلقات الخارجية للفساد والمستفيدة منه قد تكون اشد خطورة من الحلقات الداخلية التابعة.

ان ابرز مثال على تقاعس العالم على العمل بشكل جدي في مكافحة الفساد في العراق هو استمرار تهريب الاموال العراقية المنهوبة الى الخارج وانتهائها في بنوك دول الجوار والملاذات العالمية وفي استثمارات عقارية في مختلف انحاء العالم وفي عمليات اعادة تدويرها وتبيضها لاستثمارها في اقتصاد النهب داخل العراق وخارجه.ان نظرة سريعة على الارقام المتعلقة بالاستثمارات العراقية منذ عام 2003 في العالم وخاصة في دول الجوار تفصح عن حجم الفساد الذي ترعاه مافيات دولية واقليمية هي في حقيقة الامر شريكة لزمر الحكم في “دولة علي بابا” وضالعة في عملية الفرهود الأكبر لثورات العراق.

                    هوامش مراجع ومصادر الفصل الرابع عشر

 1-انظر:”كيف ظهرت اكبر فضيحة رشاوي عالمية في قطاع النفط في العراق”، تحقيق على موقع هافنغتين بوست الامريكي، 30/3/2016

http://www.huffingtonpost.com/entry/unaoil-bribe-scandal_us_56fc3e7de4b0a06d5804a532

2-انظر:”فساد هائل في العراق، صلاح النصراوي، الاهرام ويكلي، (بالانكليزية) 20/9/2012

https://sites.google.com/site/weeklyahramorgegissue1115/region/huge-corruption-in-iraq

انظر كذلك:”الكشف عن عقد مزيف اخر في العراق”، الاهرام اون لاين، (بالانكليزية) 15/12/2013

http://english.ahram.org.eg/NewsContent/2/8/89177/World/Region/Another-bogus-contract-in-Iraq-revealed-.aspx

3-انظر:”اوراق بنما كيف يخبء اغنياء العالم ومشاهيره اموالهم في الملاذات”، صحيفة الغاردين (بالانكليزية)، 3/4/2016

https://www.theguardian.com/news/2016/apr/03/the-panama-papers-how-the-worlds-rich-and-famous-hide-their-money-offshore

انظر كذلك:”تسمية نائب الرئيس اياد علاوي في اوراق بنما، موقع رادو (بالانكليزية ، 10/4/2016

http://www.rudaw.net/english/middleeast/iraq/10042016

انظر ايضا :”حان الوقت لتنظيف الملاذات الضريبية”، موقع منظمة الشفافية العالمية، 6/11/2017

https://www.transparency.org/news/feature/paradisepapers_time_to_clean_up_the_offshore_financial_havens

4-انظر:”فضح قضية فساد مزعومة في العراق”، تقرير صحفي في موقع بريس ريدر الكندي (بالانكليزية)،12/8/2012

https://www.pressreader.com/canada/vancouver-sun/20110812/285825780002620

انظر كذلك:”الكشف عن عقد مزيف اخر في العراق”، الاهرام اولاين (بالانكليزية) ،15/12/2013

http://english.ahram.org.eg/NewsContent/2/8/89177/World/Region/Another-bogus-contract-in-Iraq-revealed-.aspx

5-انظر:”دراسة للامم المتحدة تكشف عن التحديات التي يمثلها الفشاد وانعدام النزاهة في القطاع العام العراقي”، صندوق الامم المتحدة الانمائي (بالانكليزية) ،21/6/2013

https://www.unodc.org/unodc/en/frontpage/2013/June/un-study-underlines-corruption-and-integrity-challenges-among-the-public-sector-in-iraq.htm

6-انظر:”برنامج الامم المتحدة الانمائي فخور بمساعدة العراق في مكافحة الفساد، بيان مكتب البرناج في بغداد، 11/8/2017

http://www.iq.undp.org/content/iraq/en/home/presscenter/pressreleases/2016/08/11/undp-is-proud-to-support-the-fight-against-corruption.html

انظر كذلك:”هيئة النزاهة توضح اللبس بشأن الاستعانة بخبراء دوليين للتحقيق بقضايا الفساد” ،16/8/2016

http://www.alsumaria.tv/news/176829/%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B2%D8%A7%D9%87%D8%A9-%D8%AA%D9%88%D8%B6%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D8%B3-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A8/ar

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دولة علي بابا

 cover 5

 (12)

                                 التدليس الوجه الآخر للفساد 

كانت المخاوف من فرض نظام حكم ديني قائمة منذ اليوم الأول للغزو الامريكي للعراق على رغم كل الشعارات البراقة عن الديمقراطية والتعددية التي بشر بها المحتلون ومن اتوا بهم معهم من المعارضين لـ”صدام حسين” ونظامه.ففي اول خطاب له بعد عودته من ايران يوم 10 آيار (مايو) 2003 ابلغ “السيد محمد باقر الحكيم” زعيم “المجلس الأعلى للثورة الاسلامية”، وابرز شخصية في الحكم الجديد “ان مستقبل العراق رهن باتباع تعاليم الدين الاسلامي.” صحيح ان الحكيم اشار الى ان النظام الذي يتطلع اليه هو ان يكون “نظاما اسلاميا عصريا ينسجم مع أساليب هذا العصر والزمان” الا انه بالتالي وضع تصوره الأساس للدولة التي يراها، اي قائمة على تعاليم الاسلام، وهو ما تم تثبيته رسميا في الدستور بعد ذلك.(1)

 منذ استيلائهم على السلطة بعد الغزو الامريكي استخدم العديد من رموز “دولة علي بابا” وانصارهم مسألتين اثنتين حاولا من خلالهما نسج اسطورة خيالية تصاحب انتقالهم من المنفى الى الوطن، وتتيح لهم تأسيس شرعية اخلاقية وسياسية في الحكم.هاتان المسألتان تستحقان التوقف عندهما والنظر فيهما بامعان؛ الأولى هي الادعاء اللحوح، وبالذات من الجماعات الاسلامية، بالتدين والورع والفضيلة والخشية من الله، والثانية هي التشديد على انتمائهم الى ماض جهادي، او نضالي، تليد في  صفوف المعارضة العراقية التي عملت على اسقاط صدام.(2)

ولم يكن ذلك الأمر غريبا بطبيعة الحال، فاي جماعة جاءت بالطريقة ذاتها التي قدمت بها احزاب سلطة “دولة علي بابا”، اي محمولة على دبابات، او بطائرات الغزاة الأجانب، او في ظل احتلاله، وليس عن طريق يستند الى الشرعيتين الوطنية والديمقراطية، لابد ان تدرك حجم الورطة الاخلاقية والسياسية التي وقعت فيها، وبالتالي حاجتها الماسة الى اغطية شرعية مجتمعية تاريخية ووطنية يمكنها ان تبرر بهما أحقيتها في السلطة.وخلال سنوات ترسيخ حكم “دولة علي بابا” ظلت تلكما الاسطوانتان المشروختان؛ التدين، والماضي الجهادي، من بين الحجج التي ساقها ابطال مسرحية تحرير العراق من صدام دائما، وظلتا من الوسائل الدعائية التي استخدموها منذ اليوم الأول الذي خططوا له للاستيلاء على الدولة والمجتمع والسلطة والثروة في العراق بعد الغزو الامريكي، من اجل صناعة صورة ذهنية لدى البسطاء من العراقيين، وتسخيرها لتتنفيذ غايات الهيمنة على السلطة، ولتحقيق مآربهم الشخصية ومصالحهم السياسية، واجنداتهم الفؤية والمشروع الذي يحملونه.

الغريب ان هذا الاصرار اللجوج، والتكرار الممل، في طرح مسألتي التدين والجهاد في فترة عمل المعارضة ضد صدام المزعومتين ظل متواصلا في خطاب هذه الجماعات حتى بعد ان افتضح كذبهما وتكشف للعراقيين انهما مجرد شعارين من شعارات استراتيجة الهيمنة على الدولة واحتكار الحكم واقصاء الآخرين عنها.لم يتوقف أرباب هذه الدولة وحاشيتهم عن اختلاق تلك المزاعم وجعلها قاعدة تراتبية للسلطة يجلسون هم فوق هرمها حتى بعد ان تعالت صيحات غضب العراقيين ازاء ما وصل اليه بلدهم من فساد انتج كل ذلك الخراب والدمار، ووسط المخاطر التي بدأت تحيق به من كل حدب وصوب على يد نفس الزمر التي تدعي الطهارة الدينية والتاريخ النضالي.كان التبجح بالماضي الجهادي والالتزام الديني بالتأكيد ايضا جزءاً من استراتيجيات الدفاع الذاتي ازاء تلك الانتقادات واللوم الواسع الذي اصبحوا يتعرضون له بسبب الفشل المزري لمشروع العراق الجديد بعدما افتضاح الحجم الهائل للفساد وعمليات النهب التي قاموا بها، والانهيارت الأمنية الكبرى التي ادت الى سقوط نحو ثلث الاراضي العراقية بيد تنظيم داعش الارهابي عام 2014، والأهم من كل ذلك التهديدات المستمرة المحيطة بالعراق والتي اصبحت تنذر بنهايته كدولة بعد ان انهار وتشظى كمجتمع.

بداية لابد من القول ان هذا النوع من الخطاب المراوغ والمخاتل ليس جديدا في تاريخ الشعوب التي استلبت ثوراتها وحركات التغير والاصلاح فيها على يد مدعين وآفاقين ولصوص ثورات، فتاريخ البشرية حافل بهذه النماذج التي لجأت الى التزيف والكذب والدجل لسرقة التحولات السياسية الكبرى مستغلة ثغرات عديدة تحصل في مجرى هذه العمليات الانتقالية من خلال التضليل والخداع، وخاصة من خلال مداعبة عواطف العوام واستغلال الجهل والتراجع الثقافي، ورفع شعارات خلابة تستثير بها الغرائز والنزعات الكامنة في النفوس.

ان رموز سلطة “دولة علي بابا” الذين شروعوا بالعزف على نغمة التدين لا يخترعون هنا خطابا سلطويا جديدا بادعاء الطهورية والتضحية من اجل ترسيخ مفهموم ما يدعى بالشرعية التاريخية فتلك تكتيكات واستراتيجيات مارستها قبلهم حركات وقيادات ميكافيلية، او شعبوية، او وصولية، سجلها التاريخ الانساني في تجارب معروفة.غير ان ان كل ما في الأمر الآن وفي التجربة العراقية فان الطبقة القابضة على زمام السلطة تعيد انتاج ذلك بشكل كوميديا سوداء مغرقة في التفاهة، ولكنها ايضا مفعمة بالقدرة الكبيرة على التدمير.

ينطوي القول بالتدين على محاولة التبجح بان طهوريتهم وعفتهم وتقربهم الى الله يمنحهم ميزة استثنائية تعلو بهم فوق غير المتدينين والمؤمنين، وايضا العامة من الشعب، ليس فقط بهدف الاستحواذ على السلطة وقيادتها، بل ايضا في محاولة فرض هيمنتهم على الفضاء المجتمعي والتحكم في مقدرات البلاد والعباد معا.فطالما هم متدينون فهم سينطقون باسم الدين كما ينبغي اذن على الآخرين ليس فقط التنحي عن طريقهم ومحاولة منافستهم وان يدعوهم يفعلون ما يشاؤون، بل ان ينصاعوا لهم كلية باسم العلاقة التي يدعون امتلاكها، من خلال تدينهم، مع الله.

لا يحدد الدستور العراقي ولا القوانين على وجه التحديد ما الذي يقصده زبانية الحكم في “دولة علي بابا” حين يدعون التدين ويجعلون من ذلك الادعاء شرطا امام المواطنين، ليس فقط في المجال الاخلاقي، او ما يسمونه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ايضا في ممارسة العمل في الفضاء السياسي، او المجال العام، وحين يفاضلون به انفسهم ووزمرهم على الآخرين الذين هم من غير المتدينين، حسب وجهة نظرهم.وفي عراق “دولة علي بابا” الذي هيمن عليه الاسلام السياسي الشيعي، لم يعد ما يقصد بالتدين هو ممارسة العبادات الظاهرة كالصلاة والصوم وعدم حلق اللحية، وربما ايضا الالتزام بالتكليف الشرعي بتقليد المرجعية الدينية، وانما اصبح ذلك ميزان تحديد إلانتماء الى الوطن والى الجماعة والمعيار الذي يتم بموجبه مكافئة وثواب المواطنين، والأهم من كل ذلك، توظيفهم في اجهزة الدولة وترقيتهم ومكافئتم دون اعتبار للكفاءة، والمهارة، وشروط الوظيفة العامة من تساو الفرص والعدالة وغيرها.وعلى الرغم من ان فتاوى واجابات من رجال دين ومراجع للجماعات الدينية التي في السلطة روجت لمثل هذه الاساليب، الا ان الهيمنة على الفضاء الاجتماعي من قبل الاتجاه الاسلامي وتحكم الأحزاب الدينية بالحكومة، وعلى اجهزة الدولة المختلفة، كانت هي المدخل لكل ذلك عندما جعلت من الانتماء اليها، او الولاء لها، المعبر الرئيسي للتوظيف وللترقية في الخدمة العامة، في حين ظلت الرشاوي هي المعبر الآخر.(3)

ان العبادات والطقوس المصاحبة لها هي ممارسات يومية لملايين المؤمنين من العراقيين من مختلف الاديان والمذاهب الذين لا يرون فيها امتيازا سياسيا، او معنويا، او ماديا خاصا، بل تقربا خالصا لخالقهم والتزاما طوعيا بأهداب الدين.اما التشدق المفرط، كما هي الحالة عند افراد الطبقة الحاكمة، في “دولة علي بابا” فانه يأخذ ابعادا رمزية وسياسية، القصد من ورائها، واضح وهو الحصول على المزيد من الشرعية، وفي نفس الوقت حرمان خصومهم الافتراضيين، من غير المتدينين، من المساحات التي تتيحها فضاءات الدولة المدنية من المنافسة معهم في المجالات العامة كافة.(4)

بطبيعة الحال فان الدستور والقانون يبقيان حكما في تأكيدهما على مبدأ عدم التميز بين المواطنين على اساس ممارستهم الطقوسية، او ماضيهم السياسي، ولذلك فان وضع معيار التدين كشرط من شروط  الولاء او العمل في جهاز الدولة، او النشاط في الحقل العام، حتى لو كان امرا او قانونا غير مكتوب، هو أمر لا معنى له في عالم اليوم القائم على أساس ان سياسات الهوية تتعارض مع أخلاقيات السياسة التي تصر على ان مشروعية معايير العمل تكون على قاعدة الكفاءة ووفق أخلاقيات المهنة، وليس معايير الانتماء الهوياتي كشرط من شروط الأداء الوظيفي.

بالطبع هناك اتفاق بين المفكرين والفلاسفة بان السياسة بدون اخلاق تنحط بالمجتمع الى مستوى البهيمية والفوضى، وان على السياسي، او من يتولى السلطة، ان يتصرف بمبدأية ووفق قواعد الأخلاق والنزاهة التي يجب ان يتم تشريعها لكي تصبح قواعد للسلوك والالتزام والانضباط.وعبر التاريخ اثبتت الوقائع ان الدول والمجتمعات التي حققت نجاحا في مسيرة تقدمها هي تلك التي التزمت فيها نظمها وسياسيوها وشعبها بالمعايير الاخلاقية العامة، وبالنزاهة، وباساليب الادارة العلمية والالتزام بالمصلحة الوطنية، وليس باية دوافع دينية.

هناك اتفاق ايضا بين المشتغلين في المجالات الفلسفية والفكرية المختلفة بان الدين والاخلاق ليسا مترادفين بالمعنى السوسيلوجي، اي انهما لا يحملان المضامين السلوكية، او النماذج الاجتماعية ذاتها.وتشير المعاجم الفلسفية الى تعريفين مختلفين لكل من الدين والأخلاق ولا تقيم هذه التعريفات اي رابط مباشر بينهما.وبموجب هذه التعريفات فالأخلاق لا تقوم على الدين على الرغم من الاقرار بان الجانب الاخلاقي الذي يقوم عليه الدين هو من المسلمات التي لا تحتاج لاقامة الدليل عليها.وبالاضافة الى ذلك فان الدراسات في الحقلين تحدد منظومات قيم مختلفة لكل من الدين والاخلاق، مثلما تحدد لكل منهما خارطة طريق او مرشد للعمل مختلف عن الآخر.(5)

ومع هذا فالأكيد ان الأخلاق (الوازع الأخلاقي) نزلت منزلة سامية في المنظومة القيمية الاسلامية وكانت صفات مثل العدالة والانصاف والصدق والاحسان والخير ركائز فطرية اساسية وحيوية جامعة في البعدين الديني والاخلاقي. بل ان التشيع ذهب ابعد من ذلك فانزلها منزلة النبوة والامامة اللذين جعلهما معصومين، ليس بالمستوى التبليغي الإلهي فقط، وانما على المستوى الانساني، اي العصمة من الذنوب والمعاصي.واذا كان  اصل العصمة، كما يرى الشريف المرتضى هي المنع، “حين يقال اذا عصمت فلانا من السؤ اذا منعت حلوله به” فان العصمة هي الخصلة التي يتصف بها كل من يراد تحصينه من الخطأ ووسمه بالفضيلة وبالأخلاق العالية وهي تنطبق على  الفرد مثلما تنطبق على الجماعة.(6) وكما دلت التجربة المريرة لـ”دولة علي بابا” فلا يبدو ان زعماءها كانوا يدركون المعنى الحقيقي للعصمة عند الشيعة، كتوجيه وأمر للمكلفين انفسهم بنبذ المعاصي، وعلى رأسها الفساد وسرقة المال العام.

ما يعنينا هنا هو التأكيد بان التجارب التي خاضتها البشرية والتي انشأت من خلالها مجتمعات عادلة ومتطورة قد اثبتت ان بامكان منظومات القيم الدينية ان تتعايش في المجال السياسي العام مع القيم العلمانية مثل التنوير، والانسانية، وحرية الفكر والمعتقد، وغيرها، وضمن اطار التقاليد الاخلاقية الواسعة.فالنظر في تجارب العديد من البلدان يثبت ان هناك العديد من منظومات القيم الدينية باختلاف الديانات تحدد الصواب من الخطأ وفق الشرائع التي اختطتها الكتب المقدسة لديها او التقاليد او قراءات رجال الدين بما يتناسق مع المبادئ الكونية الشمولية، كالمساواة والعدالة والحرية.

صحيح ان الفلاسفة والمفكرين منذ الأغريق ربطوا بين الاخلاق والسياسة باعتبار الأولى وصفا لطبيعة الحياة الخيرة للفرد، في حين ان الثانية تصف الحياة الخيرة للجماعات، الا ان ما تؤكده التجربة الانسانية العميقة الجذور ان التدين على الرغم من القيم الروحية العليا التي يستهدف ترسيخها في البشر كقيم الحق والخير والجمال، الا انه في الواقع المادي لا يعتير معيارا او ميزة في الحقل السياسي القائم اساسا على المنافسة والصراع والتوازنات والمساومات والتي تخضع جميعها لطرق ضبط ومنهجيات عمل وقوانين خارج السياق الديني الاخلاقي، مما يجعل الادعاء بالتدين في ممارسة العمل السياسي نوعا من الاستغلال السيء للدين وللنفاق والدجل المبتذل.

اما من ناحية السلوك الفعلي فليس هناك ما يثبت ان المتدينين هم اكثر التزاما بمعايير الحق والعدالة والصواب والخطأ والفضيلة والمنفعة والحقوق اكثر من غير المتدينين على الرغم من الالتزامات الأخلاقية والاعتبارات التي تضعها بعض الاديان على منتسبيها.وفي اخلاقيات العناية فان هناك بالتأكيد الكثير من الأدلة والشواهد اليومية في التجربة الإنسانية ما يشير الى وجود درجة عالية من الكرم والأريحية يبديها غير المتدينين، بدءاً من مساهماتهم السخية في الجمعيات الخيرية، وانتهاء بالتنازل عن مقعد لعاجز او كبير السن في حافلة.فالسياسيون المتدينون العراقيون ليسوا اكثر كرما وحاتمية من اشخاص مثل “بيل غيتس” و”ليوناردو دي كابريو” و”انجيلينا جولي” المعروفين بتبرعاتهم السخية، او تطوعهم في العمل العام من أجل الخير.

فعلى ارض الواقع فان نظرة فاحصة لما يجري في العراق توضح عجز دعاة التدين الذين يتصدرون النشاط السياسي، او العمل العام، في اقامة المؤسسات التي تعني بالفقراء والأيتام والأرامل على مستوى واسع يتناسب مع حجم المآسي التي تتعرض لها هذه الشرائح الاجتماعية والتي هي ضحايا السياسات المتبعة، من ناحية، وحجم الموارد المالية التي اصبحت بيدهم نتيجة الفساد واستغلال المال العام، من ناحية ثانية.ان ما هو متوفر من ادلة ومؤشرات يدل على العكس من ذلك تماما وهو السعي للحصول على موارد الدولة لتغطية نشاطات تحت لافتات العمل الخيري، او التطوعي، او للنقابات ومنظمات المجتمع المدني، في حين انها تذهب مع الأسف الى جيوب القائمين عليها، او لكي توضع في خدمة مصالحهم ونشطاتهم السياسية، او الفؤية.لقد بلغ عدد المنظمات والجمعيات التي تستفيد من المنح الحكومية من “مكتب مساعدة المنظمات غير الحكومية” المرتبط بالأمانة العامة لمجلس الوزراء اكثر من 1000 هيئة يتبع معظمها الجماعات السياسية الحاكمة او من يدين لها بالولاء مما حول العديد منها الى بؤر فساد وافساد داخل المجتمع العراقي.(7)

ان مسؤلية دعاة التدين عن المصائب التي حلت بالعراق منذ 2003 كاملة الأركان، ذلك انهم سعوا للهيمنة على السلطة من خلال جماعاتهم، واحزابهم، وعملوا، ولا يزالون، على ابعاد كل من لا يتفق مع هوسهم بذريعة التدين تلك.فسواء تعلق الأمر بفشل بناء الدولة، وعدم الكفاءة، والعجز، وانتشار الفساد بكل انواعه، او في استمرار الارهاب والمخاطر المحيطة بالعراق نتيجة لذلك، فانهم بالتأكد يتحملون المسؤولية الأولى في ما يجري.ولا تقف اسباب ذلك في كون دعاة التدين الممسكون بزمام الحكم في العراق هم الأكثر فسادا والأكثر ايغالا في سرقة المال العام، او في التستر على هذه الجرائم وايجاد الذرئع، لها وانما ايضا في احتكارهم  للسلطة وللمجال السياسي العام، واستبعادهم لكل العقول النيرة والخبرات والمهارات الوطنية والخيرة بدعاوي افضلية المتدينيين على غيرهم في الوظيفة العامة.

وليس الهدف من الإدعاء بالتدين لدى هذه الزمر هو مجرد استخدام الدين كغطاء يخفون وراءه اطماعئهم الدنيوية، او محاولة التأكيد على علاقة اخلاقية لا اساس لها بين التدين والسياسة، ولكن الأهم من ذلك اشاعة ثقافة استسلام يتم تعميمها في المجتمع تتيح لهم هيمنة مطلقة ودائمة على السلطة والفضاء الاجتماعي.ان الامر يتعدى ذلك ايضا الى محاولة اقامة نظام ثيوقراطي يحكم باسم الله ويرفض اي نوع من الممارسات الديمقراطية، وهو ما يجعل التحدث عن التدين كشرط من شروط ممارسة السياسة والعمل العام مقدمة للاستيلاء الكامل على الدولة، واقامة مشروعهم المذكور.

وفي مسعاهم هذا يبقى جوهر عملية منح صكوك العفة، والفضيلة، وغايتها الأساسية هو استلاب الخصوم السياسيين او المعارضين والمنتقدين من غير المتدينين والعلمانيين، او حتى من بين المتدينيين الرافضين للحكم الثيوقراطي من حقهم في النقد، او من المشاركة  في العمل العام، او في الوظيفة العمومية، واقصائهم من خلال دمغمهم بشتى انواع التهم، ومن بينها دعم الارهاب، او العمالة لأطراف خارجية، او حتى بالفسق والفجور، كما حصل في موضوع الهجوم على مقر “اتحاد الادباء والكتاب العراقيين” والبيانات والمواقف التي خرجت بعد ذلك تتهم ليس القائمين على المقر فقط، بل جموع الادباء بتشجيع تناول الخمور.(8)

فتحت ذريعة التدين ومحاربة العلمانيين وعزلهم يجري بناء ثقافة معادية للمثقفين والمفكرين تضاف الى كل سياسات الهيمنة والاستحواذ الأخرى الهادفة الى عدم تشجيع التفكير النقدي والبناء وهو ما يؤدي بالتالي الى جمود عقلي وسيادة ثقافة اتكالية لا تشجع المبادرات ولا شأن لها بالذكاء او الابداع او التأملات الواعية التي تستهدف ايجاد حلول بارعة للمشكلات التي يعاني منها العراقيون.ان هذا النوع من السياسات العدوانية الحقت اشد الضرر بالمجتمع وعملية تطوره ذلك لانها لم تستهدف فقط تعميم ثقافة الاقصاء والعزل والتهميش، وانما ايضا اشاعة وعي زائف يحمل في احشائه بذور الفتنة وفي جوانبه شحنات الانفجار.

ان التدين شيء فطري عند العراقيين مثل الكثير من الشعوب، ولكن محاولة جعله شرطا من شروط التمتع بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو بعيد عن الدين قبل ان يكون اجحاف بحقوق المواطنة وما شرعه الدستور من التزامات وواجبات على الدولة.صحيح ان المؤمنين على يقين ان للعبادت ثواب وأجر عند الله يوم الحساب، ولكن الميزان الحقيقي للعمل العام هو المواطنة والانتماء والمعيار الأساس هو الشخص نفسه، واخلاقه، وعمله، وسلوكه، وواجباته نحو الوطن، وليس اشتراطات يضعها الحاكمون باسم الله للاندماج في الجسم السياسي وفقا لرؤاهم ومرجعياتهم الفكرية والسياسية.

اما الادعاء الآخر الذي استخدمه الكثير ممن تولى زمام الامور في “دولة علي بابا” وهو التاريخ الجهادي والنضالي فهو لتعظيم الذات من خلال التبجح بماضي سياسي وطني مزعوم.فخلال السنوات التي اعقبت الغزو برزت الشخصيات، او الجماعات التي تصدرت المشهد، للحديث عن تاريخ جهادي يبدأ من النضال ضد نظام صدام في الداخل، ثم الهروب الى خارج العراق، وبعدها يسطرون حكايات وروايات عن سلسلة من المغامرات الجهادية التي قاموا بها في المنفى لاسقاطه.قد تختلف تفاصيل المشهد بين شخصية واخرى حسب الظروف ودرجة تضخم الأنا التي بلغتها في العهد الجديد، الا انها تبقى جميعها روايات تفتقد للدقة وتعوزها المصداقية، وكثيرا ما تبدو قصصا خيالية او مجرد تدليس محض على التاريخ.

هناك الآلاف من القصص التي رواها رفاق سابقون وشهود وباحثون في السير عن الكثير من شخوص “دولة علي بابا” ملئت اوراق الكتب والصحف وصفحات المواقع على الإنترنيت والتي تروي بالشهادات حكايات عن ماض شديد التواضع، ليس عن خلفيات اجتماعية او طبقية، بل عن التجارب والخبرات السياسية والحياتية لهؤلاء، واحيانا عن فضائح يندى لها الجبين حاولوا طمسها بادعاءات جوفاء عن بطولات وصولات في النضال ضد نظام.ويأتي بوح الإسلاميين السابقين “سليم الحسني” و”غالب الشابندر” عن رفاقهم في الأحزاب الدينية مثالا على تلك الشهادات بالغة الأهمية في الكشف ليس فقط عن خلفيات هؤلاء الأشخاص وخططهم ونواياهم، بل عن تاريخ مرحلة تولوا فيها المسؤولية وستصوغ فيها لاحقا قدر العراق ومستقبله.(9)

ويوفر الباحث “عادل رؤوف”، وهو اسلامي آخر عاش مرحلة العمل المعارض ووثق تاريخه، في سلسلة من كتبه وخاصة كتابه “عراق بلا قيادة” معلومات هائلة عن القيادات الاسلامية التي عاشت في المنفى مستله من تجاربه الشخصية ومن وثائق وشهادات معاصرة وهي لاغنى عنها لتكوين صورة عن ماضي الأشخاص والجماعات التي حملتها رياح الاحتلال البغيضة للتربع على كراسي الحكم في دولة ما بعد صدام، فاستباحته خلافا لكل القيم الدينية والاخلاقية والنضالية.(10)

ما يجري من خلال التبجح بالموروث الجهادي والنضالي هو عملية سرد لنسخة مختلفة من التاريخ النضالي للشعب العراقي وللحركات والشخصيات الوطنية التي قارعت دكتاتورية صدام لعقود طويلة ووفق حس وطني واجندة عراقية.وما يقوم به هؤلاء هو تقديم عرض مغاير لذلك التاريخ في محاولة لاعادة كتابته وفق هواهم، وبالذات لطمس التضحيات الكبيرة التي قدمها العراقيون جميعا في صمودهم، او في نضالهم ضد نظام صدام لصالح قصص خرافية متهافته عن مجاهدين ومناضلين كان ثمرة جهادهم الأوحد هو القفز الى السلطة من فوق دبابات الاحتلال الاجنبي التي اسقطت ذلك الصنم.

من السهولة ان تنجح زمر “دولة علي بابا” بتمرير الروايات والقصص التي ينسجونها عن بطولاتهم الوهمية الى جمهور ممن لا يعرف الكثير عن تلك الفترة وما جرى فيها وخلالها، الا ان من الصعوبة ان تمر مرور الكرام على اولئك الشهود الأحياء الذين عاصروا تلك المرحلة وعاشوا تفاصيلها ودونوها.ما يستهدفونه هو استلاب التاريخ، والذاكرة الثقافية العراقية، ومحاولة كتابة تاريخ مغاير لمرحلة مهمة في تاريخ العراق، مستغلين الفوضى والالتباس لسرد رواية يضعون انفسهم فيها في ادوار البطولة متجاهلين الأبطال الحقيقين، او يضعونهم موضع الكومبارس.ان الهدف هنا ليس فقط مجرد تجريف تاريخ راسخ واحداث قطيعة معرفية واعادة تشكيل المشهد العراقي برمته، بل ايضا تكريس احتكار السلطة والهيمنة على الثروة الوطنية، من خلال محاولة فرض شرعية حكم لا مسوغ دستوري او قانوني او سياسي او اخلاقي لها، مثلما تفتقد للدليل التاريخي الملموس.فادعاءات السجل النضالي الذي يتشدق به القابضون على زمام السلطة والتي يرددونها بطريقة ممجوجة ايضا كوسيلة لاثبات احقيتهم بالسلطة، وبالاستئثار بها، ولجم اي انتقاد ممكن لممارساتهم غايتها تكريس الأوهام بشأن امتلاكهم لشرعية تاريخية مقابل شرعية انجاز حقيقية لم يحصلوا عليها، او يتمكنوا من تحقيقها.

ومثلما مارسوا غواية التدين ليمنحو انفسهم امتيازات رسالية، فان احد اسباب لجوئهم الى تاريخ جهادي ونضالي مبالغ به، او موهوم، هو محاولة بائسة لتوجيه تاريخ النضال الذي قام به الشعب العراقي وقواه وشخصياته الوطنية خلال عقود طويلة ضد دكتاتورية صدام الى حيث يمكنهم البقاء في السلطة اطول فترة ممكنة، وذلك بالعمل على إقصاء الأخرين.وسيمضون بعيدا الى اكثر من ذلك حين يدعون ان الشعب قد انتخبهم لانه اولاهم ثقته من خلال صناديق الاقتراع استنادا لسرديات تمزج هذه المرة بشعارات الديمقراطية التي لقنها لهم المحتلون الأمريكيون مع ادعاءات التدين تلك والروايات المفبركة عن تاريخ جهاد وهمي اخترعوه.

لكن بالتأكيد ان الشعب العراقي ليس جماعة من المغفلين والبلهاء الذين يمكن ان تنطلي عليهم كل هذه الادعاءات والأكاذيب والتكتيكات السياسية القذرة للوصول للسطة والبقاء على كراسيها اطول فترة ممكنة.فالعراقيون يعرفون اليوم تمام المعرفة ان مسؤولية تدمير بلادهم تقع بالأساس على عاتق هذه الطغمة العاجزة والفاشلة وغير الكفوءة التي انشغلت بالفساد والنهب وليس ببناء دولة ادعت انها جاءت لتحريرها من قبضة طاغية.ما تؤشر اليه مسألة التبجح بالتدين والماضي الجهادي والنضالي هو ليس فقط الانحدار الاخلاقي من خلال محاولة التدليس والافتراء على الدين والتاريخ وعلى العراقيين، او اعتبار ذلك مجرد عارض مرضي لفئة دوغمائية او انتهازية تسعى للوصول الى السلطة، والاحتفاظ بها، بل هو مفهوم سياسي قائم على الخداع يحمل في داخله بذور الفناء للعراق كدولة وكمجتمع ،بعد ان اوصلوه الى هذا الحد المدمر بفضل فسادهم وعجزهم وسؤ ادارتهم للبلد. 

لم يكن القادمون من حاضنات المعارضة لصدام هم وحدهم الذين روجوا لماض زائف بغية الظهور بأشكال جديدة تتناسب مع المرحلة، فقد التحق بهم الكثيرون من زبانية صدام وفلوله الذين خضعوا ايضا لعمليات تجميل للماضي وتبيض السمعة من اجل الانظمام لجوقة “دولة علي بابا” والاستمتاع بما توفره من مناصب وثروات ومزايا وحماية.اذ على الرغم من قوانين اجتثاث البعث وحل الجيش والأجهزة الأمنية وغيرها من مؤسسات صدام القمعية فان اعدادا لا تحصى من منتسبيها ومن اعضائها التحقوا باجهزة الدولة الجديدة والعديد منهم في مناصب عليا.كان الأمر سيظل مفهوما ومقبولاً لو جرى في اطار مصالحة وطنية تتحقق فيها مبادئ الحقيقة والعدالة والمساءلة، ولكن الأمر كما هو دائما في “دولة علي بابا” تم ضمن صفقات واتفاقات، سواء فردية، او في إطار نظام المحاصصة، الذي اصبح قانون الدولة الأساس.

وفي الواقع فان التطبيق العشوائي لقانون اجتثاث البعث والاستثناءات الممنوحة التي بقيت محصورة بيد قادة الجماعات المتنفذة كانت تهدف اساسا لتوثيق العلاقة بين المجموعتين لا على اساس نبذ الصراعات  السياسية والمجتمعية وتحقيق المصالحة الوطنية في اطار توافقي جديد، ولكن لخلق شراكة قائمة على الفساد وتقاسم الغنائم كثمن لاستقرار لم يتحقق اطلاقا.ان معظم أزلام النظام السابق الذين شاركوا في السلطة الجديدة اختاروا ان يلفقوا لهم ماض جديد ينأون بواسطته عن الويلات والفضاعات التي شاركوا باقترافها، او شجعوا عليها، او صمتوا عنها، وهم بذلك لم يفلتوا من المحاسبة عن تلك الجرائم ولا اعتذروا عنها مثلما لم يطلبوا الصفح، لكنهم طرحوا انفسهم كضحايا مطالبين بالمساواة مع الضحايا الفعليين لنظامهم.

ومرة اخرى فقد كانت تلك الشراكة بين “المجاهدين المتدينيين” ومضطهديهم السابقين دليلا اضافيا على تهافت الإدعاءات بالتدين والخلفية الجهادية ومروقا عن كل القيم الدينية والاخلاقية التي تدعوا للمحاسبة والعقاب.ان خطورة ما جرى بهذا الشأن يتجاوز شراكة الفساد والتي وسعت من حجم ممارسات نهب المال العام والثروة الوطنية الى الفشل في تحقيق مصالحة وطنية حقيقية وانهاء الصراع الأهلي وتحقيق الأمن والاستقرار وبالتالي اعادة بناء الدولة.فما حصل لم يكن انهاء للاقصاء والتميز والتهميش الذي ظلت تشتكي منه فئات داخل المجتمع العراقي، بل كان تقاسما وظيفيا ومصلحيا على طريقة اللصوص والمافيات.(11)

واليوم وبفضل هذه الممارسات ونتائجها المروعة اصبح بالامكان تسجيل هذه المرحلة تاريخيا باعتبارها امتدادا طبيعيا لمنهج “دولة علي بابا” الذي يجمع الى الفساد الحيلة والكذب والإفتراءات والخداع والتدليس كقاعدة للحكم وتكريسها بالنهاية كفلسفة واسلوب لادارة السلطة.غير ان ما لايدركه هؤلاء هو ان تاريخا حقيقيا عن الزمن العراقي الأغبر الذي عشناه سوف يكتب بعيدا تماما عن تلك السرديات البائسة وعن ذلك التاريخ الملفق الذي حاولت ان تسوقه زمر رثة بلا أخلاق، او ذمة، او ضمير.

                     هوامش مراجع ومصادر الفصل الثاني عشر

 1-انظر:”الحكيم يعلن رفضه لأي حكومة تفرض على العراق من الخارج”، موقع بي بي سي العربي، 10/5/2003

http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_3016000/3016027.stm

2-هناك نماذج لا تحصى لهذا النوع من الخطاب، لكن:

انظر:”شھید المحراب آیة الله العظمى السید محمد باقر نجل الإمام الحكیم”، موقع مركز آل الحكیم الوثائقي، بلا تاريخ

http://www.alhakeem-iraq.net/print.php?id=96

انظرايضا:”اياد علاوي يكشف تفاصيل عن محاولة اغتياله بعهد صدام حسين”، موقع سي ان ان عربي، 19/2/2017

https://arabic.cnn.com/middleeast/2017/02/19/ayad-allawi-assassination-attempt

3-انظر:”الازمة الطائفية في العراق، ارث من الاقصاء”، مؤسسة كارنيجي، دراسة، (بالانكليزية) نيسان 2014

http://carnegie-mec.org/2014/04/23/ar-pub-55405

 3-انظر:”الازمة الطائفية في العراق، ارث من الاقصاء”، مؤسسة كارنيجي،دراسة، نيسان 2014

http://carnegie-mec.org/2014/04/23/ar-pub-55405

 4-انظر:”شواهد على أصولية دينية عراقية وتقاعس القوى المدنية”، موقع ايلاف، 29/1/2016

http://elaph.com/Web/News/2016/1/1069436.html

5-انظر:”دوركهايم، اميل، علم اجتماع وفلسفة، ترجمة د. حسن انيس القاهرة، الدار الانجلو مصرية 1966

6-انظر:”اشكالية منزلة الأخلاق في المدونة الاصولية”، حمادي ذويب، مجلة تبين، المركز العربي  للابحاث ودراسات السياسات، عدد 22 2017

7-انظر:”دائرة المنظمات غير الحكومية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء اصدار أكثر من 1050 شهادة تسجيل لمنظمات المجتمع المدن، موقع مجلس الوزراء،بلا تاريخ

http://www.ngoao.gov.iq/ArticleShow.aspx?ID=74

انظر ايضا:”منظمات المجتمع المدني في العراق: بُؤرُ فساد وسياحة”، موقع ايلاف، 17/1/2015

http://elaph.com/Web/opinion/2015/1/974658.html

انظر ايضا:”لا تهملوا فساد النقابات والمنظّمات” ..!، عدنان حسين، موقع صحيفة المدى، 10/10/201

7http://www.almadapaper.net/ar/news/536557/%D9%84%D8%

A7-%D8%AA%D9%87%D9%85%D9%84%D9%88%D8%A7-%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%

85%D8%A7%D8%AA#.Wdu_Quwo44g.facebook

8-انظر:”مجلس بغداد يؤكد استمرار حملة اغلاق النوادي والملاهي الليلية”، موقع جريدة المدى، 17/8/2017

http://www.almadapaper.net/ar/news/534777/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D9%8A%D8%A4%D9%83%D8%AF-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%AD%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%A7

9-انظر:”اياد علاوي من جاسوس صدام الى رجل الامريكان في العراق” ج1، فيديو على موقع يوتيوب،بلا تاريخ

https://www.youtube.com/watch?v=YWmMPAPxzvQ

انظر كذلك:موقعي سليم الحسني وغالب الشابندر على الفيسبوك والمئات من المدونات التي نشراها في مواقع اخرى عن تاريخ رفاقهم في حزب الدعوة وفي الجماعات الدينية

https://www.facebook.com/dailyiraq/

https://www.facebook.com/%D8%BA%D8%A7%D9%84%D8%A8-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%A8%D9%86%D8%AF%D8%B1-403114893104943/

10-انظر:”عراق بلا قيادة” ،عادل رؤوف، المركز العراقي للاعلام والدراسات، دمشق، الطبعة الاولى 2002

11-انظر:”البحث عن العدالة في فترة ما بعد الصراع في العراق”، مجلة بروكلين للقانون الدولي، دانا هوليود، 2007 (بالانكليزية)

http://brooklynworks.brooklaw.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1221&context=bjil

 

 

 

دولة علي بابا

cover 5

(11)

                            والآن يبيعون العراق بعد ان نهبوه

كما كان متوقعا فان نتائج عمليات النهب المنظمة لأموال الدولة العراقية وثرواتها الطبيعية التي مارستها الطغم التي استولت على الحكم منذ عام 2003 وسؤ ادارتها وتخبطها ادت في نهاية المطاف الى استنزاف الموارد التي تتأتي من بيع النفط ووضعت العراق على حافة هاوية اقتصادية سحيقة.لقد ادت الأزمة المالية التي جاءت على ضوء انخفاض اسعار النفط بنحو 50 بالمائة عام 2014 والاخفاق في توفير المصادر المالية لموزانتي الدولة التشغيلية والاستثمارية لأعوام 2015 و2016 و2017 و 2018 الى ان يوضع العراق على حافة الافلاس المالي بسبب تضخم العجز في الميزانية واتساع الهوة بين الموارد والنفقات وبالتالي زيادة الديون.

ولم يكن السبب الرئيسي للأزمة تدهور اسعار النفط وتكاليف الحرب على تنظيم داعش الارهابي بين عامي 2014 و2017، كما ظلت ابواق الحكومة تكرر، بل استمرار نهب وسرقة ثروات البلد والفساد بأنواعه المستحكم في ادارة الدولة، والفشل في وضع خطط مالية واقتصادية سليمة تأخذ بنظر الاعتبار كل ما يتعلق بالسياسات النفطية، والعوامل التي تتحكم في السوق الدولية، والتذبذبات المتوقعة في الاسعار التي هي من بديهيات التخطيط  في الاقتصاديات الريعية.ما حدث هو ان حصيلة عقد ونصف من استنزاف الموارد النفطية التي تجاوزت ثلاثة ارباع تروليون دولار، كما ذكرت تقارير عديدة، ذهب أغلبها الى الهدر والى جيوب الفاسدين دون ان تقوم الحكومات المتعاقبة باية احتياطات او استعدادات حقيقية لمواجهة هذه الاحتمالات التي يدركها اي بقال يدير محل بقالة صغير، وليس حكومة مسؤولة عن دولة وعن حياة اكثر من 35 مليون من البشر.

كان واضحا ان الاجراءات التي اعلن عنها لتخفيف العجز من خلال التقشف وتقليص النفقات وزيادة الموارد الضريبية وغيرها لن تنفع في مواجهة الانفاق المتزايد، وخاصة الذي استجد بسبب الحرب على داعش من أسلحة وعتاد، وكذلك نفقات الحشد الشعبي والنازحين، وغير ذلك من متطلبات مواجهة استمرار حالة عدم الاستقرار والتدهور الأمني.لم تكن في الخزينة من موارد كافية، ولا لدى الحكومة من وسائل توفير، او تدبير للأموال، بعد ان ابتلع الفساد وسؤ الادارة كل موارد السنوات الماضية مما ادى بعد بضعة شهور الى مواجهة أزمة مالية حقيقية وصلت الى تأخير موازنات المحافظات والميزانية العامة بكل ما يعنيه ذلك من وقف عمليات التنمية والاستثمار، بل تعرضت حتى رواتب الموظفين والجنود الى التأخير ومن احتمالات تقليصها، او حتى توقفها.

ما واجهه العراق في الفترة التي اعقبت انهيار اسعار النفط وتقلص الموارد هو السؤال:كيف ستستطيع حكومة مفلسة ان تواجه نفقاتها التشغيلية والاستثمارية حين يصل عجز الميزانية الى نحو 20 بالمائة كما سجلته موازنة عام 2015، ثم يرتفع بعد ذلك الى اكثر من 30 بالمائة قبل نهاية العام المالي نفسه ويظل في حدود مماثلة في الأعوام التالية.(1)

كان من المأمول ان تلجأ الحكومة الى اجراءات لايقاف الفساد واستنزاف موراد الدولة مثلما تكثف من نشاطها لاسترداد الأموال المنهوبة في الداخل والخارج.كان من المتوقع ان تتخلي عن الاعتماد الكلي على الاقتصاد الريعي وتقوم بضخ الدماء في القطاعات الاقتصادية والخدمية الانتاجية بغية وقف او الحد من الاستيراد من الخارج الذي يستنزف العملية الصعبة.كان من المتوقع ايضا ان تضع الحكومة سياسات مالية رشيدة بهدف وقف الهدر لتوفير موارد اضافة.لكن ما تفتقت عنه عبقرية الحكومة ووزير ماليتها انذاك “هوشيار زيباري” ومستشاريها الإقتصاديين يومئذ هو اللجؤ الى سلسلة من الاجراءات المالية والنقدية الاستثنائية التي طالما كانت هناك خشية من ان يدفع اليها العراق دفعا بسبب عملية التدمير المنظم للاقتصاد وسياسات غض النظر عن الفساد وتشجيعه.

كان الخيار الاسهل الذي لجأت اليه الحكومة هو الاقتراض من الخارج لسد العجز وتمويل بعض القطاعات الرئيسية كالنفط وشراء الاسلحة.وكان معروفا منذ البداية ان هذه الاجراءات رغم خطورة ما يترتب عليها من نتائج، وعلى رأسها رهن ثروات العراق الى المصالح الأجنبية وعملائها المحليين، لن تكون الحل لاي من المشكلات الاقتصادية العويصة التي كان يواجهها العراق بقدر ما ستزيد من الطين بلة.في شهر نيسان عام 2015 اعلن زيباري وفي سلسلة من التصريحات المفاجئة التي اطلقها من واشنطن ومن الكويت عن سلسة الاجراءات التي يقترحها لمعالجة الازمة التي وصفها بانها “مشكلة جدية في التدفقات المالية” ( a serious cash flow problem.) متجنبا تسميتها بمخاطر الافلاس.(2)

في الأشهر اللاحقة اجرى زيباري مفاوضات مكثفة في واشنطن مع “صندوق النقد الدولي” بشأن قروض جديدة اضافة الى اللجؤ الى حقوق السحب الخاصة في الصندوق، وهي الائتمانات الطارئة التي توفر للدول الأعضاء لمواجهة أعباء العجز في الموازنة.كما كشف زيباري النقاب بان الاتفاقات مع الصندوق تتضمن قيام العراق باصدار سندات حكومية دولارية تطرح في الخارج وفي الداخل ببلايين الدولارات.ورغم ان كل ذلك يأتي في اطار مواجهة تبعات فساد القائمين على “دولة علي بابا” والتي خلفها على الأوضاع المالية والاقتصادية، الا ان النشاط الحثيث لزيباري في اغراق العراق بالديون كان ينطوي على دلالات اخرى للمهمة التي اخذها زيباري على عاتقه منذ تولى وزارة الخارجية، وهي الدفع بالعراق للسير في طريق الخراب والتشظي، خدمة للمشروع الكردي بقيام دولة كردية على انقاض العراق المدمر.(3)

وفي نفس السياق بدأت الحكومة اتصالاتها مع “البنك الدولي” للحصول على قروض ومساعدات بغية دعم قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها في مواجهة اعباء الديون.ولم تكن نتيجة الاتفاق مع البنك هي المزيد من الأعباء المالية فقط وانما ايضا السماح للبنك بالهيمنة على سياسات العراق الإقتصادية والمالية وادارتها بطريقته وفق شروطه المعهودة في رفع الدعم وفرض ضرائب وروسوم جديدة وخدمة السياسات اللبرالية الاقتصادية الجديدة التي عادة ما تهدف لخدمة الاستثمارات الأجنبية والمحلية التابعة لها هلى حساب افقار وتجويع الطبقات الأوسع في المجتمع.(4)

 ولكن القادم كان اسؤ بكثير اذ تم الاتفاق مع “البنك الدولي” ومع “صندوق النقد الدولي” على الاشراف على اعداد وتنفيذ الميزانية وفقا لشروط حددها الاثنان تتعارض مع السيادة العراقية وحق البرلمان في ان يحدد تفاصيل الميزانية.كما تم تكليف البنك من قبل الدول المعنية بادارة ملف اعادة الاعمار في المدن المدمرة بعد تحريرها من داعش بالعمل ايضا مع “برنامج الامم المتحدة الانمائي” وبذريعة الفساد المستشري في الاجهزة الحكومية العراقية، مما ادى الى تعزيز دور الدول الكبرى المتنفذة في الوضع العراقي، وبكل ما يعنيه ذلك من تدخلات وتأثيرات ونزع للسيادة العراقية.(5)

الا ان من بين اكثر الاجراءات المثيرة للجدل التي قال زيباري ان الحكومة كانت تفكر فيها هي بيع جزء من احتياطات البلد النفطية الهائلة للشركات الراغبة وكذلك اعادة النظر بعقود الخدمة التي وقعتها الحكومات العراقية مع الشركات الأجنبية لاستخراج النفط.(6) ومما كشفه زيباري ايضا خطط للحكومة لبيع اصول المئات من الشركات التابعة للدولة من موروثات القطاع العام في عهد نظام صدام والتي حولتها سلطة الاحتلال الى ادارة التمويل الذاتي، او حصص الدولة ضمن شركات القطاع المختلط والتي ادت سياسات الاهمال والتدمير المخطط خلال الفترة التي اعقبت الغزو الى تعطل الانتاج فيها.ولان غالبية هذه المصانع معطلة وغير صالحة للانتاج بدون استثمارات كبيرة فقد اصبح من المؤكد ان التخلي عنها سيؤدي ليس فقط الى تبديد اموال الدولة وثرواتها، وانما ايضا تعرض حياة ومستقبل مئات الالاف من العوائل من العاملين فيها للضياع  وستضطر الى الانظام الى طوابير الفقراء والجياع التي صنعها الفساد والفشل.

ادى طرد زيباري من الحكومة بعد استجوابه من قبل البرلمان واتهامه بالفساد اثناء عمله كوزير للمالية الى توقف الحديث العلني عن تلك الخطوات رغم عدم اعلان الحكومة عما اذا كانت تلك هي مجرد اجتهادات للوزير المقال ام انها من بين الاجراءات التي فكرت بها ايضا.اما الخطوة التي لم يجر الكلام بشأنها علنا كثيرا فهي اللجوء الى الإحتياطي من النقد الاجنبي المتوفر لدى البنك المركزي والذي تشير ارقام البنك نفسه المنشورة على صفحته على الانترتيت ببدء تأكله منذ عام 2014 حيث بدأ المؤشر بالهبوط من نحو 100 مليار دولار الى نحو 49 مليار دولار عام 2017، اي انه فقد  خلال ثلاثة اعوام نحو ثلث موجوداته من العملات الاجنبية.(7)

ولم يقتصر اللجوء الكثيف الى السحب من الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي في توجيه ضاربة قاتلة للدينار العراقي بكل ما يعنيه ذلك من انخفاض في اسعار صرف العملة الوطنية، وارتفاع التضخم، واسعار السلع المستوردة، بل وجه ضربات مباشرة الى الاقتصاد العراقي برمته نظرا لخليط الضغوطات التي مارسها انخفاض قيمة الدينار على التحويلات الخارجية وانعكاسات ذلك على قوى السوق وخاصة عمليات الاستيراد والخدمات والاختلالات الهيكلية التي احدثها.

مالذي يعنيه كل هذا؟اولا لا بد من التذكير بان العراق كان اساسا مثقلا بالديون التي تراكمت عليه منذ العهد البائد والتي بلغت في نيسان 2003 ما يقارب 140 مليار دولار من ضمنها ديون دول الخليج العربي.وكان العراق قد تمكن عبر مفاوضات شاقة وطويلة مع “صندوق النقد الدولي” و “مجموعة نادي باريس” من إطفاء نحو 80 بالمائة منها في حين لم يتم اطفاء بعض القروض وتم ربطها بتنفيذ مشاريع في العراق، في حين بقيت ديون دول الخليج وتعويضات حرب الكويت بانتظار تسديدها.

غير ان العراق سرعان ما بدأ يغرق بالديون الخارجية نتيجة للفساد والسياسات الرعناء التي اتبعتها زمر الحكم في كل المجالات المالية والنقدية والادارة الاقتصادية.فمنذ عام 2006 بدأت تتراكم الديون الخارجية على الرغم من الايرادات العالية من تصدير النفط حيث ربطت الحكومات المتعاقبة منذ 2003 نفسها بقروض جديدة مع الكثير من الدول ومنها الولايات المتحدة وبريطانيا والمانيا وفرنسا واليابان وغيرها بهدف استخدامها في مشاريع متوسطة المدى في قطاعات الموانئ ومشاريع المياه والطاقة وكذلك لاغراض التسلح.

ونتيجة لذلك سرعان ما وصل الدين الخارجي العراقي الى حوالي 45 مليار دولار في 2010  ثم بدأ رحلة صعوده الى بلغ نحو 100 مليار دولار نهاية عام 2016 ثم الى 120 مليار دولار نهاية عام 2017 وهو ما يمثل نحو 64 بالمائة من الناتج القومي الاجمالي للعراق، وهي نسبة عالية جدا بكل المقاييس.(8)

ان ما انتجته سياسات النمو السرطاني في الحصول على القروض، وما ستنتجه لاحقا، هي كوارث حقيقية لا يمكن تخيل مداها وتبعاتها ليس فقط على الاقتصاد العراقي، وانما على مسقبل العراق برمته ابتداء من رهن الاقتصاد والثروة الوطنية بالمؤسسات وارادات الدول الاجنبية وانتهاء بتأثيرات ذلك على السيادة الوطنية واستقلال القرار الوطني.ففي الحقيقة فان الاقتراض في العراق لم يكن لسد العجز في ميزان المدفوعات او توفير تكاليف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل كان بالأساس تغطية لنفقات الفساد والنهم في سرقة المال العام.ان نتائج الاقتراض لم تكن فقط تحويل الطبقة الوسطى العراقية الى كبش فداء لفساد الحاكمين وزيادة افقار الطبقات الفقيرة وانما تمهيد الطريق لكي تدفع الإجيال القادمة من العراقيين ثمن الفساد مثلما دفعه اباؤهم واجدادهم من قبل.

لقد انتظم كل ذلك التخبط في السياسات النقدية والمالية وادارة الاحتياطي الاجنبي وللانظمة المصرفية التي اتبعتها عصابات “دولة علي بابا” مع محاولات التدمير المتعمد للاقتصاد الوطني ولجهود التنمية من خلال النفاذ الى مكامن موارد النفط بغية استنزافها.كانت احدى اهم الوسائل لذلك هي مزادات العملة التي يقيمها “البنك المركزي العراقي” والتي ابتكرتها سلطة الاحتلال الامريكي، واستمرت عليها الحكومات المتعاقبة.وعلى مدار السنوات الطويلة تلك اصبحت منافذ المزاد التي افتتحها البنك بهدف توفير الدولار لتغطية قوائم الاستيرادات من السلع والحاجات الأساسية منفذا لواحدة من اكبر قنوات الفساد في العراق التي خرجت من خلالها بلايين الدولارات المتأتية من تصدير النفط لكي تصب في جيوب والحسابات المصرفية للجماعات المتنفذة واعوانهم ومحاسيبهم في الخارج.(9)

وفي شهادة نادرة من داخل أجهزة دولة الفساد كشف رئيس “ديوان الرقابة المالية” السابق و”محافظ البنك المركزي العراقي” السابق “عبد الباسط تركي” يوم 1 آيار (مايو) 2015 في مقابلة مع تلفزيون البغدادية بان معظم هذه البنوك هي واجهات، او مجرد محلات صرافة، يمتلكها سياسيون ورجال اعمال فاسدون مقربون منهم هدفهم مجتمعين هو الحصول على الأموال بمختلف الطرق وتهربيها للخارج.وكشف تركي، الذي أقر بانه لم يستطع اتخاذ اي اجراء للحد من هذه الجريمة، انه خلال فترة رئاسته للبنك المركزي من 2011 الى 2015 هرب نحو 12 مليار دولار من الاحتياطي العراقي عن طريق مستندات ووثائق وهمية.(10)

وطبعا لا يصح القول هنا بانه “ولا ينبئك مثل خبير” اكثر مما يصح عن “احمد الجلبي” الذي طالما طالته الاتهامات بالفساد منذ كان مديرا لـ”بنك البتراء” في الأردن في اعوام الثمانينات من القرن الماضي.فشهاداته المثيرة عن الفساد التي ادلى بها قبل موته الغامض في تشرين الأول (اكتوبر) 2015 تكشف تفاصيل مذهلة عن نشاطات هذه البنوك في مجال تحويل العملات الأجنبية الى خارج العراق بعد الحصول عليها من خلال مزاد الدولار الذي يقيمه البنك المركزي.وفي واحدة من تدويناته ذكر الجلبي، ممستخدما وثائق بحوزته بصفته رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب، ان تاجرا واحدا فقط قام بتحويل 1.2 مليار دولار الى شركة صرافة في دولة الإمارات العربية المتحدة خلال فترة عام واحد فقط.وفي مقابلات وتصريحات عديدة قدم الجلبي تفاصيل وافية عن عمليات بيع العملة من قبل البنك المركزي والتي وصلت مجموعها، خلال عهد “نوري المالكي” بين عام 2006 و2014 نحو 312 مليار دولار ذهب اكثر من ستة بلايين دولار منها الى مصرف واحد هو “بنك الهدى” المقرب من مجموعة المالكي الذي حولها بدوره الى فروع للصرافة تتبع له في الأردن.(11)

لقد كان معروفا لدى العديد من الاقتصاديين والمتابعين منذ البداية ان العراق سيصل حتما الى هذه المنحدر الخطير من التدهور الاقتصادي والانهيار المالي بسبب السياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة على مدار السنيين الماضية وبسبب فسادها ونهبها للثروات الوطنية.الأمر الأسوء هو ان تبعات كل ذلك ستستمر سنوات ان لم يكن عقودا طويلة.فوفقا لمنظمة الأوبك ليس هناك امكانية لعودة اسعار النفط الى سابق عهدها او حتى الى مستوى 100 دولار ربما حتى عام 2025 في حين ان تقديرات وتوقعات مبنية على اساس ازدياد اللجؤ الى استخدام السيارات الكهربائية والالكترونية  في الدول الغربية ومنع استخدام الوقود خلال السنوات القادمة ستؤدي الى ضربات قاصمة للدول المصدرة للبترول، مما يعني ان امام العراقيين الكثير والكثير من السنين العجاف الاخرى.(12)

لا تبدو ان هناك حلول سهلة وميسرة للازمة المالية المستعصية في العراق والتي ستبقى دائرة ويتم ترحيلها من حكومة الى حكومة.ما هو مطروح من اجتهادات تتماشى مع توجهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كاعادة النظر بالرواتب وبالدعم الحكومي للسلع والخدمات وزيادة الضرائب والرسوم، كلها حلول تأتي على حساب مصلحة المواطن وتتجاهل الاسباب والعلل الاساسية وعلى رأسها الفساد ونهب المال العام  والهدر وسؤ الادارة الاقتصادية وتعطل عجلة الانتاج.ان حكومات قائمة على المحاصصة في نهب الثروة الوطنية وسرقة موارد البلد لا يمكنها ابدا حل المعضلات الاقتصادية ومعالجة الازمات المالية لان زمر الحكم تدرك انها غير مستعدة على تحمل تكلفة الاصلاح الاداري والاقتصادي، وعلى رأس ذلك وقف الفساد.

وبطبيعة الحال فان الاخفاق في ادارة الازمة المالية ستترك اثارا خطيرة على الأوضاع السياسية والأمنية المتردية، وخاصة في ما يتعلق بالحرب على الارهاب وعلى منظومة المحاصصة الإثنو-طائفية التي تتحكم في ادارة حكم العراق، وعلى مستقبل العلاقة بين الجماعات المتصارعة على اقتسام السلطة والثروة.ان افلاس الخزينة العراقية، او التهديد بأزمة مالية طاحنة، سيشعل المزيد من النار في الصراعات العراقية الحالية، بل ربما تتعدى شراراتها الى دول الجوار، ويكفي ان نتذكر هنا احتلال صدام للكويت عام 1990 انه كان بذريعة تجويع العراق وتركيعه، وقصة “قطع الاعناق ولا قطع الارزاق” لا يزال يتذكرها معاصرو تلك الفترة جيدا.اليس من الطبيعي بعد كل ذلك ان تثار شكوك جدية عما اذا كان هناك من دوافع وحسابات واجندات، قد لا تكون خافية عن كثيرين، وراء المضي وراء هذه الحلول المدمرة التي لن تزيد فقط من تفاقم الأوضاع المالية والاقتصادية برمتها، بل ستدفع بالعراق الى السقوط في مهاوي الافلاس والخراب مما سيسهل بالتالي من عملية تقسيمه.هل من الغرابة بعد ذلك ان نرى ان اولئك الذين ساهموا في عمليات الفساد والسرقات والنهب هم انفسهم الذين يقومون الآن على بيع إقتصاده وثرواته الطبيعية بعدما افقروه واذلوه وتركوه لتنهش به قطعان الارهاب.

                          هوامش ومراجع ومصادر الفصل الحادي

 

1-انظر:” 26.6 مليار دولار العجز التقديري للموازنة العراقية في 2017″، موقع روداو الاخباري، 25/8/2016

http://www.rudaw.net/arabic/business/250820161

2-انظر:”وزير المالية العراقي:مفاوضات مع صندوق النقد الدولي ولكن لا قرار بعد”، وكالة انباء رويترز( بالانكليزية) ،7/4/2015

http://www.reuters.com/article/iraq-imf/iraq-finance-minister-in-discussions-with-imf-no-decision-on-aid-request-idUSL6N0X42CA20150407

3-انظر:”زيباري: العراق يبحث مع بنوك إصدارا محتملا لسندات بقيمة 6 مليارات دولار”، 3/3/2015

http://www.rudaw.net/NewsDetails.aspx?pageid=109777

انظر ايضا :”صندوق النقد الدولي ينقذ العراق، ليس تماما”، صلاح نصراوي، صحيفة الاهرام ويكلي، (بالانكليزية) 6/10/2016

http://weekly.ahram.org.eg/News/17483.aspx

4-انظر: “مستشار العبادي يكشف عن شروط البنك الدولي لاقراض العراق” 25/12/2015

https://www.iraqpressagency.com/?p=176781&lang=ar

5-انظر:”البنك الدولي يربط دعمه للعراق بالشروع في المصالحة الوطنية”، موقع أن ار تي، بلا تاريخ  

http://www.nrttv.com/Ar/Detail.aspx?Jimare=40278

انظر ايضا:”نائب: صندوق النقد أبدى ملاحظات وتحفظات على موازنة عام 2018″ ، موقع اس.ان. جي  الاخبار ي، 26/123/2017

http://sngiq.net/wordpress/?p=105243

6-انظر:”زيباري:العراق يخطط بيع احتياطاته النفطية وحقول الانتاج الجديدة”، وكالة انباء رويترز (بالانكليزية)، 25/3/2015

http://www.reuters.com/article/2015/03/25/us-iraq-economy-zebari-idUSKBN0ML20M20150325

7-انظر:”رسم بياني لمؤشرات اكثر من عشر سنوات”، موقع البنك المركزي العراقي، بيانات واحصاءات

http://cbiraq.org/SeriesChart.aspx?TseriesID=341

انظر ايضا:”احتياطي العراق من العملة الصعبة يبلغ 49 مليار دولار، موقع السومرية، 19/2/2017

http://www.alsumaria.tv/news/195636/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%D9%8A-%D8%AD%D8%AC%D9%85-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B7%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B9%D8%A8%D8%A9/ar

8-انظر:”موقع تريدنغ ايكونمست المتخصص  بالتقارير الاقتصادية

http://www.tradingeconomics.com/iraq/government-debt-to-gdp

انظر كذلك :”اتجاه برلماني عراقي لإقناع الحكومة بتغيير آليات صرف القروض الأجنبية” جريدة الحياة، 3/10/2017

http://www.alhayat.com/Articles/24435766

انظرايضا:” نائبة تكشف حجم ديون العراق”، موقع روسيا اليوم، 5/7/2017

https://arabic.rt.com/business/887002-%D9%86%D8%A7%D8%A6%D8%A8%D8%A9-%D8%AA%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%AD%D8%AC%D9%85-%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

انظر ايضا: “ديون العراق بلغت 120 مليار دولار.. والفساد في مقدمة الأسباب”

موقع راداو، 15/8/2017

9-انظر:”استنزاف خزين العراق من الدولار بسبب الفساد في مزاد العملة، موقع ان ار تي الاخباري ،بلا تاريخ

http://www.nrttv.com/Ar/Detail.aspx?Jimare=35077

10-انظر:مقابلة مع عبد الباسط تركي على قناة البغدادية على يوتيوب

ttps://www.youtube.com/watch?v=hsZXHdCt4MU

11-انظر: وثائق بيع العملة تفجر معركة حتمية على الفساد في العراق،جريدة العرب،18/11/2015

http://www.alarab.co.uk/?id=66599

12-انظر:اوبك ترى ان اسعار النفط ستصل الى 100 دولار العقد القادم،ولستريت جورنال، 12/5/2015

https://www.wsj.com/articles/opec-sees-oil-price-below-100-a-barrel-in-the-next-decade-1431347035

انظر ايضا:”زيادة استخدام السيارات الالكترونية يتحدى عطش العالم للنفط، جريدة الفاينانشال تايمز، 8/8/2017

https://www.ft.com/content/3946f7f2-782a-11e7-a3e8-60495fe6ca71