دولة علي بابا

 cover 5

 (12)

                                 التدليس الوجه الآخر للفساد 

كانت المخاوف من فرض نظام حكم ديني قائمة منذ اليوم الأول للغزو الامريكي للعراق على رغم كل الشعارات البراقة عن الديمقراطية والتعددية التي بشر بها المحتلون ومن اتوا بهم معهم من المعارضين لـ”صدام حسين” ونظامه.ففي اول خطاب له بعد عودته من ايران يوم 10 آيار (مايو) 2003 ابلغ “السيد محمد باقر الحكيم” زعيم “المجلس الأعلى للثورة الاسلامية”، وابرز شخصية في الحكم الجديد “ان مستقبل العراق رهن باتباع تعاليم الدين الاسلامي.” صحيح ان الحكيم اشار الى ان النظام الذي يتطلع اليه هو ان يكون “نظاما اسلاميا عصريا ينسجم مع أساليب هذا العصر والزمان” الا انه بالتالي وضع تصوره الأساس للدولة التي يراها، اي قائمة على تعاليم الاسلام، وهو ما تم تثبيته رسميا في الدستور بعد ذلك.(1)

 منذ استيلائهم على السلطة بعد الغزو الامريكي استخدم العديد من رموز “دولة علي بابا” وانصارهم مسألتين اثنتين حاولا من خلالهما نسج اسطورة خيالية تصاحب انتقالهم من المنفى الى الوطن، وتتيح لهم تأسيس شرعية اخلاقية وسياسية في الحكم.هاتان المسألتان تستحقان التوقف عندهما والنظر فيهما بامعان؛ الأولى هي الادعاء اللحوح، وبالذات من الجماعات الاسلامية، بالتدين والورع والفضيلة والخشية من الله، والثانية هي التشديد على انتمائهم الى ماض جهادي، او نضالي، تليد في  صفوف المعارضة العراقية التي عملت على اسقاط صدام.(2)

ولم يكن ذلك الأمر غريبا بطبيعة الحال، فاي جماعة جاءت بالطريقة ذاتها التي قدمت بها احزاب سلطة “دولة علي بابا”، اي محمولة على دبابات، او بطائرات الغزاة الأجانب، او في ظل احتلاله، وليس عن طريق يستند الى الشرعيتين الوطنية والديمقراطية، لابد ان تدرك حجم الورطة الاخلاقية والسياسية التي وقعت فيها، وبالتالي حاجتها الماسة الى اغطية شرعية مجتمعية تاريخية ووطنية يمكنها ان تبرر بهما أحقيتها في السلطة.وخلال سنوات ترسيخ حكم “دولة علي بابا” ظلت تلكما الاسطوانتان المشروختان؛ التدين، والماضي الجهادي، من بين الحجج التي ساقها ابطال مسرحية تحرير العراق من صدام دائما، وظلتا من الوسائل الدعائية التي استخدموها منذ اليوم الأول الذي خططوا له للاستيلاء على الدولة والمجتمع والسلطة والثروة في العراق بعد الغزو الامريكي، من اجل صناعة صورة ذهنية لدى البسطاء من العراقيين، وتسخيرها لتتنفيذ غايات الهيمنة على السلطة، ولتحقيق مآربهم الشخصية ومصالحهم السياسية، واجنداتهم الفؤية والمشروع الذي يحملونه.

الغريب ان هذا الاصرار اللجوج، والتكرار الممل، في طرح مسألتي التدين والجهاد في فترة عمل المعارضة ضد صدام المزعومتين ظل متواصلا في خطاب هذه الجماعات حتى بعد ان افتضح كذبهما وتكشف للعراقيين انهما مجرد شعارين من شعارات استراتيجة الهيمنة على الدولة واحتكار الحكم واقصاء الآخرين عنها.لم يتوقف أرباب هذه الدولة وحاشيتهم عن اختلاق تلك المزاعم وجعلها قاعدة تراتبية للسلطة يجلسون هم فوق هرمها حتى بعد ان تعالت صيحات غضب العراقيين ازاء ما وصل اليه بلدهم من فساد انتج كل ذلك الخراب والدمار، ووسط المخاطر التي بدأت تحيق به من كل حدب وصوب على يد نفس الزمر التي تدعي الطهارة الدينية والتاريخ النضالي.كان التبجح بالماضي الجهادي والالتزام الديني بالتأكيد ايضا جزءاً من استراتيجيات الدفاع الذاتي ازاء تلك الانتقادات واللوم الواسع الذي اصبحوا يتعرضون له بسبب الفشل المزري لمشروع العراق الجديد بعدما افتضاح الحجم الهائل للفساد وعمليات النهب التي قاموا بها، والانهيارت الأمنية الكبرى التي ادت الى سقوط نحو ثلث الاراضي العراقية بيد تنظيم داعش الارهابي عام 2014، والأهم من كل ذلك التهديدات المستمرة المحيطة بالعراق والتي اصبحت تنذر بنهايته كدولة بعد ان انهار وتشظى كمجتمع.

بداية لابد من القول ان هذا النوع من الخطاب المراوغ والمخاتل ليس جديدا في تاريخ الشعوب التي استلبت ثوراتها وحركات التغير والاصلاح فيها على يد مدعين وآفاقين ولصوص ثورات، فتاريخ البشرية حافل بهذه النماذج التي لجأت الى التزيف والكذب والدجل لسرقة التحولات السياسية الكبرى مستغلة ثغرات عديدة تحصل في مجرى هذه العمليات الانتقالية من خلال التضليل والخداع، وخاصة من خلال مداعبة عواطف العوام واستغلال الجهل والتراجع الثقافي، ورفع شعارات خلابة تستثير بها الغرائز والنزعات الكامنة في النفوس.

ان رموز سلطة “دولة علي بابا” الذين شروعوا بالعزف على نغمة التدين لا يخترعون هنا خطابا سلطويا جديدا بادعاء الطهورية والتضحية من اجل ترسيخ مفهموم ما يدعى بالشرعية التاريخية فتلك تكتيكات واستراتيجيات مارستها قبلهم حركات وقيادات ميكافيلية، او شعبوية، او وصولية، سجلها التاريخ الانساني في تجارب معروفة.غير ان ان كل ما في الأمر الآن وفي التجربة العراقية فان الطبقة القابضة على زمام السلطة تعيد انتاج ذلك بشكل كوميديا سوداء مغرقة في التفاهة، ولكنها ايضا مفعمة بالقدرة الكبيرة على التدمير.

ينطوي القول بالتدين على محاولة التبجح بان طهوريتهم وعفتهم وتقربهم الى الله يمنحهم ميزة استثنائية تعلو بهم فوق غير المتدينين والمؤمنين، وايضا العامة من الشعب، ليس فقط بهدف الاستحواذ على السلطة وقيادتها، بل ايضا في محاولة فرض هيمنتهم على الفضاء المجتمعي والتحكم في مقدرات البلاد والعباد معا.فطالما هم متدينون فهم سينطقون باسم الدين كما ينبغي اذن على الآخرين ليس فقط التنحي عن طريقهم ومحاولة منافستهم وان يدعوهم يفعلون ما يشاؤون، بل ان ينصاعوا لهم كلية باسم العلاقة التي يدعون امتلاكها، من خلال تدينهم، مع الله.

لا يحدد الدستور العراقي ولا القوانين على وجه التحديد ما الذي يقصده زبانية الحكم في “دولة علي بابا” حين يدعون التدين ويجعلون من ذلك الادعاء شرطا امام المواطنين، ليس فقط في المجال الاخلاقي، او ما يسمونه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ايضا في ممارسة العمل في الفضاء السياسي، او المجال العام، وحين يفاضلون به انفسهم ووزمرهم على الآخرين الذين هم من غير المتدينين، حسب وجهة نظرهم.وفي عراق “دولة علي بابا” الذي هيمن عليه الاسلام السياسي الشيعي، لم يعد ما يقصد بالتدين هو ممارسة العبادات الظاهرة كالصلاة والصوم وعدم حلق اللحية، وربما ايضا الالتزام بالتكليف الشرعي بتقليد المرجعية الدينية، وانما اصبح ذلك ميزان تحديد إلانتماء الى الوطن والى الجماعة والمعيار الذي يتم بموجبه مكافئة وثواب المواطنين، والأهم من كل ذلك، توظيفهم في اجهزة الدولة وترقيتهم ومكافئتم دون اعتبار للكفاءة، والمهارة، وشروط الوظيفة العامة من تساو الفرص والعدالة وغيرها.وعلى الرغم من ان فتاوى واجابات من رجال دين ومراجع للجماعات الدينية التي في السلطة روجت لمثل هذه الاساليب، الا ان الهيمنة على الفضاء الاجتماعي من قبل الاتجاه الاسلامي وتحكم الأحزاب الدينية بالحكومة، وعلى اجهزة الدولة المختلفة، كانت هي المدخل لكل ذلك عندما جعلت من الانتماء اليها، او الولاء لها، المعبر الرئيسي للتوظيف وللترقية في الخدمة العامة، في حين ظلت الرشاوي هي المعبر الآخر.(3)

ان العبادات والطقوس المصاحبة لها هي ممارسات يومية لملايين المؤمنين من العراقيين من مختلف الاديان والمذاهب الذين لا يرون فيها امتيازا سياسيا، او معنويا، او ماديا خاصا، بل تقربا خالصا لخالقهم والتزاما طوعيا بأهداب الدين.اما التشدق المفرط، كما هي الحالة عند افراد الطبقة الحاكمة، في “دولة علي بابا” فانه يأخذ ابعادا رمزية وسياسية، القصد من ورائها، واضح وهو الحصول على المزيد من الشرعية، وفي نفس الوقت حرمان خصومهم الافتراضيين، من غير المتدينين، من المساحات التي تتيحها فضاءات الدولة المدنية من المنافسة معهم في المجالات العامة كافة.(4)

بطبيعة الحال فان الدستور والقانون يبقيان حكما في تأكيدهما على مبدأ عدم التميز بين المواطنين على اساس ممارستهم الطقوسية، او ماضيهم السياسي، ولذلك فان وضع معيار التدين كشرط من شروط  الولاء او العمل في جهاز الدولة، او النشاط في الحقل العام، حتى لو كان امرا او قانونا غير مكتوب، هو أمر لا معنى له في عالم اليوم القائم على أساس ان سياسات الهوية تتعارض مع أخلاقيات السياسة التي تصر على ان مشروعية معايير العمل تكون على قاعدة الكفاءة ووفق أخلاقيات المهنة، وليس معايير الانتماء الهوياتي كشرط من شروط الأداء الوظيفي.

بالطبع هناك اتفاق بين المفكرين والفلاسفة بان السياسة بدون اخلاق تنحط بالمجتمع الى مستوى البهيمية والفوضى، وان على السياسي، او من يتولى السلطة، ان يتصرف بمبدأية ووفق قواعد الأخلاق والنزاهة التي يجب ان يتم تشريعها لكي تصبح قواعد للسلوك والالتزام والانضباط.وعبر التاريخ اثبتت الوقائع ان الدول والمجتمعات التي حققت نجاحا في مسيرة تقدمها هي تلك التي التزمت فيها نظمها وسياسيوها وشعبها بالمعايير الاخلاقية العامة، وبالنزاهة، وباساليب الادارة العلمية والالتزام بالمصلحة الوطنية، وليس باية دوافع دينية.

هناك اتفاق ايضا بين المشتغلين في المجالات الفلسفية والفكرية المختلفة بان الدين والاخلاق ليسا مترادفين بالمعنى السوسيلوجي، اي انهما لا يحملان المضامين السلوكية، او النماذج الاجتماعية ذاتها.وتشير المعاجم الفلسفية الى تعريفين مختلفين لكل من الدين والأخلاق ولا تقيم هذه التعريفات اي رابط مباشر بينهما.وبموجب هذه التعريفات فالأخلاق لا تقوم على الدين على الرغم من الاقرار بان الجانب الاخلاقي الذي يقوم عليه الدين هو من المسلمات التي لا تحتاج لاقامة الدليل عليها.وبالاضافة الى ذلك فان الدراسات في الحقلين تحدد منظومات قيم مختلفة لكل من الدين والاخلاق، مثلما تحدد لكل منهما خارطة طريق او مرشد للعمل مختلف عن الآخر.(5)

ومع هذا فالأكيد ان الأخلاق (الوازع الأخلاقي) نزلت منزلة سامية في المنظومة القيمية الاسلامية وكانت صفات مثل العدالة والانصاف والصدق والاحسان والخير ركائز فطرية اساسية وحيوية جامعة في البعدين الديني والاخلاقي. بل ان التشيع ذهب ابعد من ذلك فانزلها منزلة النبوة والامامة اللذين جعلهما معصومين، ليس بالمستوى التبليغي الإلهي فقط، وانما على المستوى الانساني، اي العصمة من الذنوب والمعاصي.واذا كان  اصل العصمة، كما يرى الشريف المرتضى هي المنع، “حين يقال اذا عصمت فلانا من السؤ اذا منعت حلوله به” فان العصمة هي الخصلة التي يتصف بها كل من يراد تحصينه من الخطأ ووسمه بالفضيلة وبالأخلاق العالية وهي تنطبق على  الفرد مثلما تنطبق على الجماعة.(6) وكما دلت التجربة المريرة لـ”دولة علي بابا” فلا يبدو ان زعماءها كانوا يدركون المعنى الحقيقي للعصمة عند الشيعة، كتوجيه وأمر للمكلفين انفسهم بنبذ المعاصي، وعلى رأسها الفساد وسرقة المال العام.

ما يعنينا هنا هو التأكيد بان التجارب التي خاضتها البشرية والتي انشأت من خلالها مجتمعات عادلة ومتطورة قد اثبتت ان بامكان منظومات القيم الدينية ان تتعايش في المجال السياسي العام مع القيم العلمانية مثل التنوير، والانسانية، وحرية الفكر والمعتقد، وغيرها، وضمن اطار التقاليد الاخلاقية الواسعة.فالنظر في تجارب العديد من البلدان يثبت ان هناك العديد من منظومات القيم الدينية باختلاف الديانات تحدد الصواب من الخطأ وفق الشرائع التي اختطتها الكتب المقدسة لديها او التقاليد او قراءات رجال الدين بما يتناسق مع المبادئ الكونية الشمولية، كالمساواة والعدالة والحرية.

صحيح ان الفلاسفة والمفكرين منذ الأغريق ربطوا بين الاخلاق والسياسة باعتبار الأولى وصفا لطبيعة الحياة الخيرة للفرد، في حين ان الثانية تصف الحياة الخيرة للجماعات، الا ان ما تؤكده التجربة الانسانية العميقة الجذور ان التدين على الرغم من القيم الروحية العليا التي يستهدف ترسيخها في البشر كقيم الحق والخير والجمال، الا انه في الواقع المادي لا يعتير معيارا او ميزة في الحقل السياسي القائم اساسا على المنافسة والصراع والتوازنات والمساومات والتي تخضع جميعها لطرق ضبط ومنهجيات عمل وقوانين خارج السياق الديني الاخلاقي، مما يجعل الادعاء بالتدين في ممارسة العمل السياسي نوعا من الاستغلال السيء للدين وللنفاق والدجل المبتذل.

اما من ناحية السلوك الفعلي فليس هناك ما يثبت ان المتدينين هم اكثر التزاما بمعايير الحق والعدالة والصواب والخطأ والفضيلة والمنفعة والحقوق اكثر من غير المتدينين على الرغم من الالتزامات الأخلاقية والاعتبارات التي تضعها بعض الاديان على منتسبيها.وفي اخلاقيات العناية فان هناك بالتأكيد الكثير من الأدلة والشواهد اليومية في التجربة الإنسانية ما يشير الى وجود درجة عالية من الكرم والأريحية يبديها غير المتدينين، بدءاً من مساهماتهم السخية في الجمعيات الخيرية، وانتهاء بالتنازل عن مقعد لعاجز او كبير السن في حافلة.فالسياسيون المتدينون العراقيون ليسوا اكثر كرما وحاتمية من اشخاص مثل “بيل غيتس” و”ليوناردو دي كابريو” و”انجيلينا جولي” المعروفين بتبرعاتهم السخية، او تطوعهم في العمل العام من أجل الخير.

فعلى ارض الواقع فان نظرة فاحصة لما يجري في العراق توضح عجز دعاة التدين الذين يتصدرون النشاط السياسي، او العمل العام، في اقامة المؤسسات التي تعني بالفقراء والأيتام والأرامل على مستوى واسع يتناسب مع حجم المآسي التي تتعرض لها هذه الشرائح الاجتماعية والتي هي ضحايا السياسات المتبعة، من ناحية، وحجم الموارد المالية التي اصبحت بيدهم نتيجة الفساد واستغلال المال العام، من ناحية ثانية.ان ما هو متوفر من ادلة ومؤشرات يدل على العكس من ذلك تماما وهو السعي للحصول على موارد الدولة لتغطية نشاطات تحت لافتات العمل الخيري، او التطوعي، او للنقابات ومنظمات المجتمع المدني، في حين انها تذهب مع الأسف الى جيوب القائمين عليها، او لكي توضع في خدمة مصالحهم ونشطاتهم السياسية، او الفؤية.لقد بلغ عدد المنظمات والجمعيات التي تستفيد من المنح الحكومية من “مكتب مساعدة المنظمات غير الحكومية” المرتبط بالأمانة العامة لمجلس الوزراء اكثر من 1000 هيئة يتبع معظمها الجماعات السياسية الحاكمة او من يدين لها بالولاء مما حول العديد منها الى بؤر فساد وافساد داخل المجتمع العراقي.(7)

ان مسؤلية دعاة التدين عن المصائب التي حلت بالعراق منذ 2003 كاملة الأركان، ذلك انهم سعوا للهيمنة على السلطة من خلال جماعاتهم، واحزابهم، وعملوا، ولا يزالون، على ابعاد كل من لا يتفق مع هوسهم بذريعة التدين تلك.فسواء تعلق الأمر بفشل بناء الدولة، وعدم الكفاءة، والعجز، وانتشار الفساد بكل انواعه، او في استمرار الارهاب والمخاطر المحيطة بالعراق نتيجة لذلك، فانهم بالتأكد يتحملون المسؤولية الأولى في ما يجري.ولا تقف اسباب ذلك في كون دعاة التدين الممسكون بزمام الحكم في العراق هم الأكثر فسادا والأكثر ايغالا في سرقة المال العام، او في التستر على هذه الجرائم وايجاد الذرئع، لها وانما ايضا في احتكارهم  للسلطة وللمجال السياسي العام، واستبعادهم لكل العقول النيرة والخبرات والمهارات الوطنية والخيرة بدعاوي افضلية المتدينيين على غيرهم في الوظيفة العامة.

وليس الهدف من الإدعاء بالتدين لدى هذه الزمر هو مجرد استخدام الدين كغطاء يخفون وراءه اطماعئهم الدنيوية، او محاولة التأكيد على علاقة اخلاقية لا اساس لها بين التدين والسياسة، ولكن الأهم من ذلك اشاعة ثقافة استسلام يتم تعميمها في المجتمع تتيح لهم هيمنة مطلقة ودائمة على السلطة والفضاء الاجتماعي.ان الامر يتعدى ذلك ايضا الى محاولة اقامة نظام ثيوقراطي يحكم باسم الله ويرفض اي نوع من الممارسات الديمقراطية، وهو ما يجعل التحدث عن التدين كشرط من شروط ممارسة السياسة والعمل العام مقدمة للاستيلاء الكامل على الدولة، واقامة مشروعهم المذكور.

وفي مسعاهم هذا يبقى جوهر عملية منح صكوك العفة، والفضيلة، وغايتها الأساسية هو استلاب الخصوم السياسيين او المعارضين والمنتقدين من غير المتدينين والعلمانيين، او حتى من بين المتدينيين الرافضين للحكم الثيوقراطي من حقهم في النقد، او من المشاركة  في العمل العام، او في الوظيفة العمومية، واقصائهم من خلال دمغمهم بشتى انواع التهم، ومن بينها دعم الارهاب، او العمالة لأطراف خارجية، او حتى بالفسق والفجور، كما حصل في موضوع الهجوم على مقر “اتحاد الادباء والكتاب العراقيين” والبيانات والمواقف التي خرجت بعد ذلك تتهم ليس القائمين على المقر فقط، بل جموع الادباء بتشجيع تناول الخمور.(8)

فتحت ذريعة التدين ومحاربة العلمانيين وعزلهم يجري بناء ثقافة معادية للمثقفين والمفكرين تضاف الى كل سياسات الهيمنة والاستحواذ الأخرى الهادفة الى عدم تشجيع التفكير النقدي والبناء وهو ما يؤدي بالتالي الى جمود عقلي وسيادة ثقافة اتكالية لا تشجع المبادرات ولا شأن لها بالذكاء او الابداع او التأملات الواعية التي تستهدف ايجاد حلول بارعة للمشكلات التي يعاني منها العراقيون.ان هذا النوع من السياسات العدوانية الحقت اشد الضرر بالمجتمع وعملية تطوره ذلك لانها لم تستهدف فقط تعميم ثقافة الاقصاء والعزل والتهميش، وانما ايضا اشاعة وعي زائف يحمل في احشائه بذور الفتنة وفي جوانبه شحنات الانفجار.

ان التدين شيء فطري عند العراقيين مثل الكثير من الشعوب، ولكن محاولة جعله شرطا من شروط التمتع بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو بعيد عن الدين قبل ان يكون اجحاف بحقوق المواطنة وما شرعه الدستور من التزامات وواجبات على الدولة.صحيح ان المؤمنين على يقين ان للعبادت ثواب وأجر عند الله يوم الحساب، ولكن الميزان الحقيقي للعمل العام هو المواطنة والانتماء والمعيار الأساس هو الشخص نفسه، واخلاقه، وعمله، وسلوكه، وواجباته نحو الوطن، وليس اشتراطات يضعها الحاكمون باسم الله للاندماج في الجسم السياسي وفقا لرؤاهم ومرجعياتهم الفكرية والسياسية.

اما الادعاء الآخر الذي استخدمه الكثير ممن تولى زمام الامور في “دولة علي بابا” وهو التاريخ الجهادي والنضالي فهو لتعظيم الذات من خلال التبجح بماضي سياسي وطني مزعوم.فخلال السنوات التي اعقبت الغزو برزت الشخصيات، او الجماعات التي تصدرت المشهد، للحديث عن تاريخ جهادي يبدأ من النضال ضد نظام صدام في الداخل، ثم الهروب الى خارج العراق، وبعدها يسطرون حكايات وروايات عن سلسلة من المغامرات الجهادية التي قاموا بها في المنفى لاسقاطه.قد تختلف تفاصيل المشهد بين شخصية واخرى حسب الظروف ودرجة تضخم الأنا التي بلغتها في العهد الجديد، الا انها تبقى جميعها روايات تفتقد للدقة وتعوزها المصداقية، وكثيرا ما تبدو قصصا خيالية او مجرد تدليس محض على التاريخ.

هناك الآلاف من القصص التي رواها رفاق سابقون وشهود وباحثون في السير عن الكثير من شخوص “دولة علي بابا” ملئت اوراق الكتب والصحف وصفحات المواقع على الإنترنيت والتي تروي بالشهادات حكايات عن ماض شديد التواضع، ليس عن خلفيات اجتماعية او طبقية، بل عن التجارب والخبرات السياسية والحياتية لهؤلاء، واحيانا عن فضائح يندى لها الجبين حاولوا طمسها بادعاءات جوفاء عن بطولات وصولات في النضال ضد نظام.ويأتي بوح الإسلاميين السابقين “سليم الحسني” و”غالب الشابندر” عن رفاقهم في الأحزاب الدينية مثالا على تلك الشهادات بالغة الأهمية في الكشف ليس فقط عن خلفيات هؤلاء الأشخاص وخططهم ونواياهم، بل عن تاريخ مرحلة تولوا فيها المسؤولية وستصوغ فيها لاحقا قدر العراق ومستقبله.(9)

ويوفر الباحث “عادل رؤوف”، وهو اسلامي آخر عاش مرحلة العمل المعارض ووثق تاريخه، في سلسلة من كتبه وخاصة كتابه “عراق بلا قيادة” معلومات هائلة عن القيادات الاسلامية التي عاشت في المنفى مستله من تجاربه الشخصية ومن وثائق وشهادات معاصرة وهي لاغنى عنها لتكوين صورة عن ماضي الأشخاص والجماعات التي حملتها رياح الاحتلال البغيضة للتربع على كراسي الحكم في دولة ما بعد صدام، فاستباحته خلافا لكل القيم الدينية والاخلاقية والنضالية.(10)

ما يجري من خلال التبجح بالموروث الجهادي والنضالي هو عملية سرد لنسخة مختلفة من التاريخ النضالي للشعب العراقي وللحركات والشخصيات الوطنية التي قارعت دكتاتورية صدام لعقود طويلة ووفق حس وطني واجندة عراقية.وما يقوم به هؤلاء هو تقديم عرض مغاير لذلك التاريخ في محاولة لاعادة كتابته وفق هواهم، وبالذات لطمس التضحيات الكبيرة التي قدمها العراقيون جميعا في صمودهم، او في نضالهم ضد نظام صدام لصالح قصص خرافية متهافته عن مجاهدين ومناضلين كان ثمرة جهادهم الأوحد هو القفز الى السلطة من فوق دبابات الاحتلال الاجنبي التي اسقطت ذلك الصنم.

من السهولة ان تنجح زمر “دولة علي بابا” بتمرير الروايات والقصص التي ينسجونها عن بطولاتهم الوهمية الى جمهور ممن لا يعرف الكثير عن تلك الفترة وما جرى فيها وخلالها، الا ان من الصعوبة ان تمر مرور الكرام على اولئك الشهود الأحياء الذين عاصروا تلك المرحلة وعاشوا تفاصيلها ودونوها.ما يستهدفونه هو استلاب التاريخ، والذاكرة الثقافية العراقية، ومحاولة كتابة تاريخ مغاير لمرحلة مهمة في تاريخ العراق، مستغلين الفوضى والالتباس لسرد رواية يضعون انفسهم فيها في ادوار البطولة متجاهلين الأبطال الحقيقين، او يضعونهم موضع الكومبارس.ان الهدف هنا ليس فقط مجرد تجريف تاريخ راسخ واحداث قطيعة معرفية واعادة تشكيل المشهد العراقي برمته، بل ايضا تكريس احتكار السلطة والهيمنة على الثروة الوطنية، من خلال محاولة فرض شرعية حكم لا مسوغ دستوري او قانوني او سياسي او اخلاقي لها، مثلما تفتقد للدليل التاريخي الملموس.فادعاءات السجل النضالي الذي يتشدق به القابضون على زمام السلطة والتي يرددونها بطريقة ممجوجة ايضا كوسيلة لاثبات احقيتهم بالسلطة، وبالاستئثار بها، ولجم اي انتقاد ممكن لممارساتهم غايتها تكريس الأوهام بشأن امتلاكهم لشرعية تاريخية مقابل شرعية انجاز حقيقية لم يحصلوا عليها، او يتمكنوا من تحقيقها.

ومثلما مارسوا غواية التدين ليمنحو انفسهم امتيازات رسالية، فان احد اسباب لجوئهم الى تاريخ جهادي ونضالي مبالغ به، او موهوم، هو محاولة بائسة لتوجيه تاريخ النضال الذي قام به الشعب العراقي وقواه وشخصياته الوطنية خلال عقود طويلة ضد دكتاتورية صدام الى حيث يمكنهم البقاء في السلطة اطول فترة ممكنة، وذلك بالعمل على إقصاء الأخرين.وسيمضون بعيدا الى اكثر من ذلك حين يدعون ان الشعب قد انتخبهم لانه اولاهم ثقته من خلال صناديق الاقتراع استنادا لسرديات تمزج هذه المرة بشعارات الديمقراطية التي لقنها لهم المحتلون الأمريكيون مع ادعاءات التدين تلك والروايات المفبركة عن تاريخ جهاد وهمي اخترعوه.

لكن بالتأكيد ان الشعب العراقي ليس جماعة من المغفلين والبلهاء الذين يمكن ان تنطلي عليهم كل هذه الادعاءات والأكاذيب والتكتيكات السياسية القذرة للوصول للسطة والبقاء على كراسيها اطول فترة ممكنة.فالعراقيون يعرفون اليوم تمام المعرفة ان مسؤولية تدمير بلادهم تقع بالأساس على عاتق هذه الطغمة العاجزة والفاشلة وغير الكفوءة التي انشغلت بالفساد والنهب وليس ببناء دولة ادعت انها جاءت لتحريرها من قبضة طاغية.ما تؤشر اليه مسألة التبجح بالتدين والماضي الجهادي والنضالي هو ليس فقط الانحدار الاخلاقي من خلال محاولة التدليس والافتراء على الدين والتاريخ وعلى العراقيين، او اعتبار ذلك مجرد عارض مرضي لفئة دوغمائية او انتهازية تسعى للوصول الى السلطة، والاحتفاظ بها، بل هو مفهوم سياسي قائم على الخداع يحمل في داخله بذور الفناء للعراق كدولة وكمجتمع ،بعد ان اوصلوه الى هذا الحد المدمر بفضل فسادهم وعجزهم وسؤ ادارتهم للبلد. 

لم يكن القادمون من حاضنات المعارضة لصدام هم وحدهم الذين روجوا لماض زائف بغية الظهور بأشكال جديدة تتناسب مع المرحلة، فقد التحق بهم الكثيرون من زبانية صدام وفلوله الذين خضعوا ايضا لعمليات تجميل للماضي وتبيض السمعة من اجل الانظمام لجوقة “دولة علي بابا” والاستمتاع بما توفره من مناصب وثروات ومزايا وحماية.اذ على الرغم من قوانين اجتثاث البعث وحل الجيش والأجهزة الأمنية وغيرها من مؤسسات صدام القمعية فان اعدادا لا تحصى من منتسبيها ومن اعضائها التحقوا باجهزة الدولة الجديدة والعديد منهم في مناصب عليا.كان الأمر سيظل مفهوما ومقبولاً لو جرى في اطار مصالحة وطنية تتحقق فيها مبادئ الحقيقة والعدالة والمساءلة، ولكن الأمر كما هو دائما في “دولة علي بابا” تم ضمن صفقات واتفاقات، سواء فردية، او في إطار نظام المحاصصة، الذي اصبح قانون الدولة الأساس.

وفي الواقع فان التطبيق العشوائي لقانون اجتثاث البعث والاستثناءات الممنوحة التي بقيت محصورة بيد قادة الجماعات المتنفذة كانت تهدف اساسا لتوثيق العلاقة بين المجموعتين لا على اساس نبذ الصراعات  السياسية والمجتمعية وتحقيق المصالحة الوطنية في اطار توافقي جديد، ولكن لخلق شراكة قائمة على الفساد وتقاسم الغنائم كثمن لاستقرار لم يتحقق اطلاقا.ان معظم أزلام النظام السابق الذين شاركوا في السلطة الجديدة اختاروا ان يلفقوا لهم ماض جديد ينأون بواسطته عن الويلات والفضاعات التي شاركوا باقترافها، او شجعوا عليها، او صمتوا عنها، وهم بذلك لم يفلتوا من المحاسبة عن تلك الجرائم ولا اعتذروا عنها مثلما لم يطلبوا الصفح، لكنهم طرحوا انفسهم كضحايا مطالبين بالمساواة مع الضحايا الفعليين لنظامهم.

ومرة اخرى فقد كانت تلك الشراكة بين “المجاهدين المتدينيين” ومضطهديهم السابقين دليلا اضافيا على تهافت الإدعاءات بالتدين والخلفية الجهادية ومروقا عن كل القيم الدينية والاخلاقية التي تدعوا للمحاسبة والعقاب.ان خطورة ما جرى بهذا الشأن يتجاوز شراكة الفساد والتي وسعت من حجم ممارسات نهب المال العام والثروة الوطنية الى الفشل في تحقيق مصالحة وطنية حقيقية وانهاء الصراع الأهلي وتحقيق الأمن والاستقرار وبالتالي اعادة بناء الدولة.فما حصل لم يكن انهاء للاقصاء والتميز والتهميش الذي ظلت تشتكي منه فئات داخل المجتمع العراقي، بل كان تقاسما وظيفيا ومصلحيا على طريقة اللصوص والمافيات.(11)

واليوم وبفضل هذه الممارسات ونتائجها المروعة اصبح بالامكان تسجيل هذه المرحلة تاريخيا باعتبارها امتدادا طبيعيا لمنهج “دولة علي بابا” الذي يجمع الى الفساد الحيلة والكذب والإفتراءات والخداع والتدليس كقاعدة للحكم وتكريسها بالنهاية كفلسفة واسلوب لادارة السلطة.غير ان ما لايدركه هؤلاء هو ان تاريخا حقيقيا عن الزمن العراقي الأغبر الذي عشناه سوف يكتب بعيدا تماما عن تلك السرديات البائسة وعن ذلك التاريخ الملفق الذي حاولت ان تسوقه زمر رثة بلا أخلاق، او ذمة، او ضمير.

                     هوامش مراجع ومصادر الفصل الثاني عشر

 1-انظر:”الحكيم يعلن رفضه لأي حكومة تفرض على العراق من الخارج”، موقع بي بي سي العربي، 10/5/2003

http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_3016000/3016027.stm

2-هناك نماذج لا تحصى لهذا النوع من الخطاب، لكن:

انظر:”شھید المحراب آیة الله العظمى السید محمد باقر نجل الإمام الحكیم”، موقع مركز آل الحكیم الوثائقي، بلا تاريخ

http://www.alhakeem-iraq.net/print.php?id=96

انظرايضا:”اياد علاوي يكشف تفاصيل عن محاولة اغتياله بعهد صدام حسين”، موقع سي ان ان عربي، 19/2/2017

https://arabic.cnn.com/middleeast/2017/02/19/ayad-allawi-assassination-attempt

3-انظر:”الازمة الطائفية في العراق، ارث من الاقصاء”، مؤسسة كارنيجي، دراسة، (بالانكليزية) نيسان 2014

http://carnegie-mec.org/2014/04/23/ar-pub-55405

 3-انظر:”الازمة الطائفية في العراق، ارث من الاقصاء”، مؤسسة كارنيجي،دراسة، نيسان 2014

http://carnegie-mec.org/2014/04/23/ar-pub-55405

 4-انظر:”شواهد على أصولية دينية عراقية وتقاعس القوى المدنية”، موقع ايلاف، 29/1/2016

http://elaph.com/Web/News/2016/1/1069436.html

5-انظر:”دوركهايم، اميل، علم اجتماع وفلسفة، ترجمة د. حسن انيس القاهرة، الدار الانجلو مصرية 1966

6-انظر:”اشكالية منزلة الأخلاق في المدونة الاصولية”، حمادي ذويب، مجلة تبين، المركز العربي  للابحاث ودراسات السياسات، عدد 22 2017

7-انظر:”دائرة المنظمات غير الحكومية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء اصدار أكثر من 1050 شهادة تسجيل لمنظمات المجتمع المدن، موقع مجلس الوزراء،بلا تاريخ

http://www.ngoao.gov.iq/ArticleShow.aspx?ID=74

انظر ايضا:”منظمات المجتمع المدني في العراق: بُؤرُ فساد وسياحة”، موقع ايلاف، 17/1/2015

http://elaph.com/Web/opinion/2015/1/974658.html

انظر ايضا:”لا تهملوا فساد النقابات والمنظّمات” ..!، عدنان حسين، موقع صحيفة المدى، 10/10/201

7http://www.almadapaper.net/ar/news/536557/%D9%84%D8%

A7-%D8%AA%D9%87%D9%85%D9%84%D9%88%D8%A7-%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%

85%D8%A7%D8%AA#.Wdu_Quwo44g.facebook

8-انظر:”مجلس بغداد يؤكد استمرار حملة اغلاق النوادي والملاهي الليلية”، موقع جريدة المدى، 17/8/2017

http://www.almadapaper.net/ar/news/534777/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D9%8A%D8%A4%D9%83%D8%AF-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%AD%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%A7

9-انظر:”اياد علاوي من جاسوس صدام الى رجل الامريكان في العراق” ج1، فيديو على موقع يوتيوب،بلا تاريخ

https://www.youtube.com/watch?v=YWmMPAPxzvQ

انظر كذلك:موقعي سليم الحسني وغالب الشابندر على الفيسبوك والمئات من المدونات التي نشراها في مواقع اخرى عن تاريخ رفاقهم في حزب الدعوة وفي الجماعات الدينية

https://www.facebook.com/dailyiraq/

https://www.facebook.com/%D8%BA%D8%A7%D9%84%D8%A8-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%A8%D9%86%D8%AF%D8%B1-403114893104943/

10-انظر:”عراق بلا قيادة” ،عادل رؤوف، المركز العراقي للاعلام والدراسات، دمشق، الطبعة الاولى 2002

11-انظر:”البحث عن العدالة في فترة ما بعد الصراع في العراق”، مجلة بروكلين للقانون الدولي، دانا هوليود، 2007 (بالانكليزية)

http://brooklynworks.brooklaw.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1221&context=bjil

 

 

 

دولة علي بابا

cover 5

(11)

                            والآن يبيعون العراق بعد ان نهبوه

كما كان متوقعا فان نتائج عمليات النهب المنظمة لأموال الدولة العراقية وثرواتها الطبيعية التي مارستها الطغم التي استولت على الحكم منذ عام 2003 وسؤ ادارتها وتخبطها ادت في نهاية المطاف الى استنزاف الموارد التي تتأتي من بيع النفط ووضعت العراق على حافة هاوية اقتصادية سحيقة.لقد ادت الأزمة المالية التي جاءت على ضوء انخفاض اسعار النفط بنحو 50 بالمائة عام 2014 والاخفاق في توفير المصادر المالية لموزانتي الدولة التشغيلية والاستثمارية لأعوام 2015 و2016 و2017 و 2018 الى ان يوضع العراق على حافة الافلاس المالي بسبب تضخم العجز في الميزانية واتساع الهوة بين الموارد والنفقات وبالتالي زيادة الديون.

ولم يكن السبب الرئيسي للأزمة تدهور اسعار النفط وتكاليف الحرب على تنظيم داعش الارهابي بين عامي 2014 و2017، كما ظلت ابواق الحكومة تكرر، بل استمرار نهب وسرقة ثروات البلد والفساد بأنواعه المستحكم في ادارة الدولة، والفشل في وضع خطط مالية واقتصادية سليمة تأخذ بنظر الاعتبار كل ما يتعلق بالسياسات النفطية، والعوامل التي تتحكم في السوق الدولية، والتذبذبات المتوقعة في الاسعار التي هي من بديهيات التخطيط  في الاقتصاديات الريعية.ما حدث هو ان حصيلة عقد ونصف من استنزاف الموارد النفطية التي تجاوزت ثلاثة ارباع تروليون دولار، كما ذكرت تقارير عديدة، ذهب أغلبها الى الهدر والى جيوب الفاسدين دون ان تقوم الحكومات المتعاقبة باية احتياطات او استعدادات حقيقية لمواجهة هذه الاحتمالات التي يدركها اي بقال يدير محل بقالة صغير، وليس حكومة مسؤولة عن دولة وعن حياة اكثر من 35 مليون من البشر.

كان واضحا ان الاجراءات التي اعلن عنها لتخفيف العجز من خلال التقشف وتقليص النفقات وزيادة الموارد الضريبية وغيرها لن تنفع في مواجهة الانفاق المتزايد، وخاصة الذي استجد بسبب الحرب على داعش من أسلحة وعتاد، وكذلك نفقات الحشد الشعبي والنازحين، وغير ذلك من متطلبات مواجهة استمرار حالة عدم الاستقرار والتدهور الأمني.لم تكن في الخزينة من موارد كافية، ولا لدى الحكومة من وسائل توفير، او تدبير للأموال، بعد ان ابتلع الفساد وسؤ الادارة كل موارد السنوات الماضية مما ادى بعد بضعة شهور الى مواجهة أزمة مالية حقيقية وصلت الى تأخير موازنات المحافظات والميزانية العامة بكل ما يعنيه ذلك من وقف عمليات التنمية والاستثمار، بل تعرضت حتى رواتب الموظفين والجنود الى التأخير ومن احتمالات تقليصها، او حتى توقفها.

ما واجهه العراق في الفترة التي اعقبت انهيار اسعار النفط وتقلص الموارد هو السؤال:كيف ستستطيع حكومة مفلسة ان تواجه نفقاتها التشغيلية والاستثمارية حين يصل عجز الميزانية الى نحو 20 بالمائة كما سجلته موازنة عام 2015، ثم يرتفع بعد ذلك الى اكثر من 30 بالمائة قبل نهاية العام المالي نفسه ويظل في حدود مماثلة في الأعوام التالية.(1)

كان من المأمول ان تلجأ الحكومة الى اجراءات لايقاف الفساد واستنزاف موراد الدولة مثلما تكثف من نشاطها لاسترداد الأموال المنهوبة في الداخل والخارج.كان من المتوقع ان تتخلي عن الاعتماد الكلي على الاقتصاد الريعي وتقوم بضخ الدماء في القطاعات الاقتصادية والخدمية الانتاجية بغية وقف او الحد من الاستيراد من الخارج الذي يستنزف العملية الصعبة.كان من المتوقع ايضا ان تضع الحكومة سياسات مالية رشيدة بهدف وقف الهدر لتوفير موارد اضافة.لكن ما تفتقت عنه عبقرية الحكومة ووزير ماليتها انذاك “هوشيار زيباري” ومستشاريها الإقتصاديين يومئذ هو اللجؤ الى سلسلة من الاجراءات المالية والنقدية الاستثنائية التي طالما كانت هناك خشية من ان يدفع اليها العراق دفعا بسبب عملية التدمير المنظم للاقتصاد وسياسات غض النظر عن الفساد وتشجيعه.

كان الخيار الاسهل الذي لجأت اليه الحكومة هو الاقتراض من الخارج لسد العجز وتمويل بعض القطاعات الرئيسية كالنفط وشراء الاسلحة.وكان معروفا منذ البداية ان هذه الاجراءات رغم خطورة ما يترتب عليها من نتائج، وعلى رأسها رهن ثروات العراق الى المصالح الأجنبية وعملائها المحليين، لن تكون الحل لاي من المشكلات الاقتصادية العويصة التي كان يواجهها العراق بقدر ما ستزيد من الطين بلة.في شهر نيسان عام 2015 اعلن زيباري وفي سلسلة من التصريحات المفاجئة التي اطلقها من واشنطن ومن الكويت عن سلسة الاجراءات التي يقترحها لمعالجة الازمة التي وصفها بانها “مشكلة جدية في التدفقات المالية” ( a serious cash flow problem.) متجنبا تسميتها بمخاطر الافلاس.(2)

في الأشهر اللاحقة اجرى زيباري مفاوضات مكثفة في واشنطن مع “صندوق النقد الدولي” بشأن قروض جديدة اضافة الى اللجؤ الى حقوق السحب الخاصة في الصندوق، وهي الائتمانات الطارئة التي توفر للدول الأعضاء لمواجهة أعباء العجز في الموازنة.كما كشف زيباري النقاب بان الاتفاقات مع الصندوق تتضمن قيام العراق باصدار سندات حكومية دولارية تطرح في الخارج وفي الداخل ببلايين الدولارات.ورغم ان كل ذلك يأتي في اطار مواجهة تبعات فساد القائمين على “دولة علي بابا” والتي خلفها على الأوضاع المالية والاقتصادية، الا ان النشاط الحثيث لزيباري في اغراق العراق بالديون كان ينطوي على دلالات اخرى للمهمة التي اخذها زيباري على عاتقه منذ تولى وزارة الخارجية، وهي الدفع بالعراق للسير في طريق الخراب والتشظي، خدمة للمشروع الكردي بقيام دولة كردية على انقاض العراق المدمر.(3)

وفي نفس السياق بدأت الحكومة اتصالاتها مع “البنك الدولي” للحصول على قروض ومساعدات بغية دعم قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها في مواجهة اعباء الديون.ولم تكن نتيجة الاتفاق مع البنك هي المزيد من الأعباء المالية فقط وانما ايضا السماح للبنك بالهيمنة على سياسات العراق الإقتصادية والمالية وادارتها بطريقته وفق شروطه المعهودة في رفع الدعم وفرض ضرائب وروسوم جديدة وخدمة السياسات اللبرالية الاقتصادية الجديدة التي عادة ما تهدف لخدمة الاستثمارات الأجنبية والمحلية التابعة لها هلى حساب افقار وتجويع الطبقات الأوسع في المجتمع.(4)

 ولكن القادم كان اسؤ بكثير اذ تم الاتفاق مع “البنك الدولي” ومع “صندوق النقد الدولي” على الاشراف على اعداد وتنفيذ الميزانية وفقا لشروط حددها الاثنان تتعارض مع السيادة العراقية وحق البرلمان في ان يحدد تفاصيل الميزانية.كما تم تكليف البنك من قبل الدول المعنية بادارة ملف اعادة الاعمار في المدن المدمرة بعد تحريرها من داعش بالعمل ايضا مع “برنامج الامم المتحدة الانمائي” وبذريعة الفساد المستشري في الاجهزة الحكومية العراقية، مما ادى الى تعزيز دور الدول الكبرى المتنفذة في الوضع العراقي، وبكل ما يعنيه ذلك من تدخلات وتأثيرات ونزع للسيادة العراقية.(5)

الا ان من بين اكثر الاجراءات المثيرة للجدل التي قال زيباري ان الحكومة كانت تفكر فيها هي بيع جزء من احتياطات البلد النفطية الهائلة للشركات الراغبة وكذلك اعادة النظر بعقود الخدمة التي وقعتها الحكومات العراقية مع الشركات الأجنبية لاستخراج النفط.(6) ومما كشفه زيباري ايضا خطط للحكومة لبيع اصول المئات من الشركات التابعة للدولة من موروثات القطاع العام في عهد نظام صدام والتي حولتها سلطة الاحتلال الى ادارة التمويل الذاتي، او حصص الدولة ضمن شركات القطاع المختلط والتي ادت سياسات الاهمال والتدمير المخطط خلال الفترة التي اعقبت الغزو الى تعطل الانتاج فيها.ولان غالبية هذه المصانع معطلة وغير صالحة للانتاج بدون استثمارات كبيرة فقد اصبح من المؤكد ان التخلي عنها سيؤدي ليس فقط الى تبديد اموال الدولة وثرواتها، وانما ايضا تعرض حياة ومستقبل مئات الالاف من العوائل من العاملين فيها للضياع  وستضطر الى الانظام الى طوابير الفقراء والجياع التي صنعها الفساد والفشل.

ادى طرد زيباري من الحكومة بعد استجوابه من قبل البرلمان واتهامه بالفساد اثناء عمله كوزير للمالية الى توقف الحديث العلني عن تلك الخطوات رغم عدم اعلان الحكومة عما اذا كانت تلك هي مجرد اجتهادات للوزير المقال ام انها من بين الاجراءات التي فكرت بها ايضا.اما الخطوة التي لم يجر الكلام بشأنها علنا كثيرا فهي اللجوء الى الإحتياطي من النقد الاجنبي المتوفر لدى البنك المركزي والذي تشير ارقام البنك نفسه المنشورة على صفحته على الانترتيت ببدء تأكله منذ عام 2014 حيث بدأ المؤشر بالهبوط من نحو 100 مليار دولار الى نحو 49 مليار دولار عام 2017، اي انه فقد  خلال ثلاثة اعوام نحو ثلث موجوداته من العملات الاجنبية.(7)

ولم يقتصر اللجوء الكثيف الى السحب من الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي في توجيه ضاربة قاتلة للدينار العراقي بكل ما يعنيه ذلك من انخفاض في اسعار صرف العملة الوطنية، وارتفاع التضخم، واسعار السلع المستوردة، بل وجه ضربات مباشرة الى الاقتصاد العراقي برمته نظرا لخليط الضغوطات التي مارسها انخفاض قيمة الدينار على التحويلات الخارجية وانعكاسات ذلك على قوى السوق وخاصة عمليات الاستيراد والخدمات والاختلالات الهيكلية التي احدثها.

مالذي يعنيه كل هذا؟اولا لا بد من التذكير بان العراق كان اساسا مثقلا بالديون التي تراكمت عليه منذ العهد البائد والتي بلغت في نيسان 2003 ما يقارب 140 مليار دولار من ضمنها ديون دول الخليج العربي.وكان العراق قد تمكن عبر مفاوضات شاقة وطويلة مع “صندوق النقد الدولي” و “مجموعة نادي باريس” من إطفاء نحو 80 بالمائة منها في حين لم يتم اطفاء بعض القروض وتم ربطها بتنفيذ مشاريع في العراق، في حين بقيت ديون دول الخليج وتعويضات حرب الكويت بانتظار تسديدها.

غير ان العراق سرعان ما بدأ يغرق بالديون الخارجية نتيجة للفساد والسياسات الرعناء التي اتبعتها زمر الحكم في كل المجالات المالية والنقدية والادارة الاقتصادية.فمنذ عام 2006 بدأت تتراكم الديون الخارجية على الرغم من الايرادات العالية من تصدير النفط حيث ربطت الحكومات المتعاقبة منذ 2003 نفسها بقروض جديدة مع الكثير من الدول ومنها الولايات المتحدة وبريطانيا والمانيا وفرنسا واليابان وغيرها بهدف استخدامها في مشاريع متوسطة المدى في قطاعات الموانئ ومشاريع المياه والطاقة وكذلك لاغراض التسلح.

ونتيجة لذلك سرعان ما وصل الدين الخارجي العراقي الى حوالي 45 مليار دولار في 2010  ثم بدأ رحلة صعوده الى بلغ نحو 100 مليار دولار نهاية عام 2016 ثم الى 120 مليار دولار نهاية عام 2017 وهو ما يمثل نحو 64 بالمائة من الناتج القومي الاجمالي للعراق، وهي نسبة عالية جدا بكل المقاييس.(8)

ان ما انتجته سياسات النمو السرطاني في الحصول على القروض، وما ستنتجه لاحقا، هي كوارث حقيقية لا يمكن تخيل مداها وتبعاتها ليس فقط على الاقتصاد العراقي، وانما على مسقبل العراق برمته ابتداء من رهن الاقتصاد والثروة الوطنية بالمؤسسات وارادات الدول الاجنبية وانتهاء بتأثيرات ذلك على السيادة الوطنية واستقلال القرار الوطني.ففي الحقيقة فان الاقتراض في العراق لم يكن لسد العجز في ميزان المدفوعات او توفير تكاليف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل كان بالأساس تغطية لنفقات الفساد والنهم في سرقة المال العام.ان نتائج الاقتراض لم تكن فقط تحويل الطبقة الوسطى العراقية الى كبش فداء لفساد الحاكمين وزيادة افقار الطبقات الفقيرة وانما تمهيد الطريق لكي تدفع الإجيال القادمة من العراقيين ثمن الفساد مثلما دفعه اباؤهم واجدادهم من قبل.

لقد انتظم كل ذلك التخبط في السياسات النقدية والمالية وادارة الاحتياطي الاجنبي وللانظمة المصرفية التي اتبعتها عصابات “دولة علي بابا” مع محاولات التدمير المتعمد للاقتصاد الوطني ولجهود التنمية من خلال النفاذ الى مكامن موارد النفط بغية استنزافها.كانت احدى اهم الوسائل لذلك هي مزادات العملة التي يقيمها “البنك المركزي العراقي” والتي ابتكرتها سلطة الاحتلال الامريكي، واستمرت عليها الحكومات المتعاقبة.وعلى مدار السنوات الطويلة تلك اصبحت منافذ المزاد التي افتتحها البنك بهدف توفير الدولار لتغطية قوائم الاستيرادات من السلع والحاجات الأساسية منفذا لواحدة من اكبر قنوات الفساد في العراق التي خرجت من خلالها بلايين الدولارات المتأتية من تصدير النفط لكي تصب في جيوب والحسابات المصرفية للجماعات المتنفذة واعوانهم ومحاسيبهم في الخارج.(9)

وفي شهادة نادرة من داخل أجهزة دولة الفساد كشف رئيس “ديوان الرقابة المالية” السابق و”محافظ البنك المركزي العراقي” السابق “عبد الباسط تركي” يوم 1 آيار (مايو) 2015 في مقابلة مع تلفزيون البغدادية بان معظم هذه البنوك هي واجهات، او مجرد محلات صرافة، يمتلكها سياسيون ورجال اعمال فاسدون مقربون منهم هدفهم مجتمعين هو الحصول على الأموال بمختلف الطرق وتهربيها للخارج.وكشف تركي، الذي أقر بانه لم يستطع اتخاذ اي اجراء للحد من هذه الجريمة، انه خلال فترة رئاسته للبنك المركزي من 2011 الى 2015 هرب نحو 12 مليار دولار من الاحتياطي العراقي عن طريق مستندات ووثائق وهمية.(10)

وطبعا لا يصح القول هنا بانه “ولا ينبئك مثل خبير” اكثر مما يصح عن “احمد الجلبي” الذي طالما طالته الاتهامات بالفساد منذ كان مديرا لـ”بنك البتراء” في الأردن في اعوام الثمانينات من القرن الماضي.فشهاداته المثيرة عن الفساد التي ادلى بها قبل موته الغامض في تشرين الأول (اكتوبر) 2015 تكشف تفاصيل مذهلة عن نشاطات هذه البنوك في مجال تحويل العملات الأجنبية الى خارج العراق بعد الحصول عليها من خلال مزاد الدولار الذي يقيمه البنك المركزي.وفي واحدة من تدويناته ذكر الجلبي، ممستخدما وثائق بحوزته بصفته رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب، ان تاجرا واحدا فقط قام بتحويل 1.2 مليار دولار الى شركة صرافة في دولة الإمارات العربية المتحدة خلال فترة عام واحد فقط.وفي مقابلات وتصريحات عديدة قدم الجلبي تفاصيل وافية عن عمليات بيع العملة من قبل البنك المركزي والتي وصلت مجموعها، خلال عهد “نوري المالكي” بين عام 2006 و2014 نحو 312 مليار دولار ذهب اكثر من ستة بلايين دولار منها الى مصرف واحد هو “بنك الهدى” المقرب من مجموعة المالكي الذي حولها بدوره الى فروع للصرافة تتبع له في الأردن.(11)

لقد كان معروفا لدى العديد من الاقتصاديين والمتابعين منذ البداية ان العراق سيصل حتما الى هذه المنحدر الخطير من التدهور الاقتصادي والانهيار المالي بسبب السياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة على مدار السنيين الماضية وبسبب فسادها ونهبها للثروات الوطنية.الأمر الأسوء هو ان تبعات كل ذلك ستستمر سنوات ان لم يكن عقودا طويلة.فوفقا لمنظمة الأوبك ليس هناك امكانية لعودة اسعار النفط الى سابق عهدها او حتى الى مستوى 100 دولار ربما حتى عام 2025 في حين ان تقديرات وتوقعات مبنية على اساس ازدياد اللجؤ الى استخدام السيارات الكهربائية والالكترونية  في الدول الغربية ومنع استخدام الوقود خلال السنوات القادمة ستؤدي الى ضربات قاصمة للدول المصدرة للبترول، مما يعني ان امام العراقيين الكثير والكثير من السنين العجاف الاخرى.(12)

لا تبدو ان هناك حلول سهلة وميسرة للازمة المالية المستعصية في العراق والتي ستبقى دائرة ويتم ترحيلها من حكومة الى حكومة.ما هو مطروح من اجتهادات تتماشى مع توجهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كاعادة النظر بالرواتب وبالدعم الحكومي للسلع والخدمات وزيادة الضرائب والرسوم، كلها حلول تأتي على حساب مصلحة المواطن وتتجاهل الاسباب والعلل الاساسية وعلى رأسها الفساد ونهب المال العام  والهدر وسؤ الادارة الاقتصادية وتعطل عجلة الانتاج.ان حكومات قائمة على المحاصصة في نهب الثروة الوطنية وسرقة موارد البلد لا يمكنها ابدا حل المعضلات الاقتصادية ومعالجة الازمات المالية لان زمر الحكم تدرك انها غير مستعدة على تحمل تكلفة الاصلاح الاداري والاقتصادي، وعلى رأس ذلك وقف الفساد.

وبطبيعة الحال فان الاخفاق في ادارة الازمة المالية ستترك اثارا خطيرة على الأوضاع السياسية والأمنية المتردية، وخاصة في ما يتعلق بالحرب على الارهاب وعلى منظومة المحاصصة الإثنو-طائفية التي تتحكم في ادارة حكم العراق، وعلى مستقبل العلاقة بين الجماعات المتصارعة على اقتسام السلطة والثروة.ان افلاس الخزينة العراقية، او التهديد بأزمة مالية طاحنة، سيشعل المزيد من النار في الصراعات العراقية الحالية، بل ربما تتعدى شراراتها الى دول الجوار، ويكفي ان نتذكر هنا احتلال صدام للكويت عام 1990 انه كان بذريعة تجويع العراق وتركيعه، وقصة “قطع الاعناق ولا قطع الارزاق” لا يزال يتذكرها معاصرو تلك الفترة جيدا.اليس من الطبيعي بعد كل ذلك ان تثار شكوك جدية عما اذا كان هناك من دوافع وحسابات واجندات، قد لا تكون خافية عن كثيرين، وراء المضي وراء هذه الحلول المدمرة التي لن تزيد فقط من تفاقم الأوضاع المالية والاقتصادية برمتها، بل ستدفع بالعراق الى السقوط في مهاوي الافلاس والخراب مما سيسهل بالتالي من عملية تقسيمه.هل من الغرابة بعد ذلك ان نرى ان اولئك الذين ساهموا في عمليات الفساد والسرقات والنهب هم انفسهم الذين يقومون الآن على بيع إقتصاده وثرواته الطبيعية بعدما افقروه واذلوه وتركوه لتنهش به قطعان الارهاب.

                          هوامش ومراجع ومصادر الفصل الحادي

 

1-انظر:” 26.6 مليار دولار العجز التقديري للموازنة العراقية في 2017″، موقع روداو الاخباري، 25/8/2016

http://www.rudaw.net/arabic/business/250820161

2-انظر:”وزير المالية العراقي:مفاوضات مع صندوق النقد الدولي ولكن لا قرار بعد”، وكالة انباء رويترز( بالانكليزية) ،7/4/2015

http://www.reuters.com/article/iraq-imf/iraq-finance-minister-in-discussions-with-imf-no-decision-on-aid-request-idUSL6N0X42CA20150407

3-انظر:”زيباري: العراق يبحث مع بنوك إصدارا محتملا لسندات بقيمة 6 مليارات دولار”، 3/3/2015

http://www.rudaw.net/NewsDetails.aspx?pageid=109777

انظر ايضا :”صندوق النقد الدولي ينقذ العراق، ليس تماما”، صلاح نصراوي، صحيفة الاهرام ويكلي، (بالانكليزية) 6/10/2016

http://weekly.ahram.org.eg/News/17483.aspx

4-انظر: “مستشار العبادي يكشف عن شروط البنك الدولي لاقراض العراق” 25/12/2015

https://www.iraqpressagency.com/?p=176781&lang=ar

5-انظر:”البنك الدولي يربط دعمه للعراق بالشروع في المصالحة الوطنية”، موقع أن ار تي، بلا تاريخ  

http://www.nrttv.com/Ar/Detail.aspx?Jimare=40278

انظر ايضا:”نائب: صندوق النقد أبدى ملاحظات وتحفظات على موازنة عام 2018″ ، موقع اس.ان. جي  الاخبار ي، 26/123/2017

http://sngiq.net/wordpress/?p=105243

6-انظر:”زيباري:العراق يخطط بيع احتياطاته النفطية وحقول الانتاج الجديدة”، وكالة انباء رويترز (بالانكليزية)، 25/3/2015

http://www.reuters.com/article/2015/03/25/us-iraq-economy-zebari-idUSKBN0ML20M20150325

7-انظر:”رسم بياني لمؤشرات اكثر من عشر سنوات”، موقع البنك المركزي العراقي، بيانات واحصاءات

http://cbiraq.org/SeriesChart.aspx?TseriesID=341

انظر ايضا:”احتياطي العراق من العملة الصعبة يبلغ 49 مليار دولار، موقع السومرية، 19/2/2017

http://www.alsumaria.tv/news/195636/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%D9%8A-%D8%AD%D8%AC%D9%85-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B7%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B9%D8%A8%D8%A9/ar

8-انظر:”موقع تريدنغ ايكونمست المتخصص  بالتقارير الاقتصادية

http://www.tradingeconomics.com/iraq/government-debt-to-gdp

انظر كذلك :”اتجاه برلماني عراقي لإقناع الحكومة بتغيير آليات صرف القروض الأجنبية” جريدة الحياة، 3/10/2017

http://www.alhayat.com/Articles/24435766

انظرايضا:” نائبة تكشف حجم ديون العراق”، موقع روسيا اليوم، 5/7/2017

https://arabic.rt.com/business/887002-%D9%86%D8%A7%D8%A6%D8%A8%D8%A9-%D8%AA%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%AD%D8%AC%D9%85-%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

انظر ايضا: “ديون العراق بلغت 120 مليار دولار.. والفساد في مقدمة الأسباب”

موقع راداو، 15/8/2017

9-انظر:”استنزاف خزين العراق من الدولار بسبب الفساد في مزاد العملة، موقع ان ار تي الاخباري ،بلا تاريخ

http://www.nrttv.com/Ar/Detail.aspx?Jimare=35077

10-انظر:مقابلة مع عبد الباسط تركي على قناة البغدادية على يوتيوب

ttps://www.youtube.com/watch?v=hsZXHdCt4MU

11-انظر: وثائق بيع العملة تفجر معركة حتمية على الفساد في العراق،جريدة العرب،18/11/2015

http://www.alarab.co.uk/?id=66599

12-انظر:اوبك ترى ان اسعار النفط ستصل الى 100 دولار العقد القادم،ولستريت جورنال، 12/5/2015

https://www.wsj.com/articles/opec-sees-oil-price-below-100-a-barrel-in-the-next-decade-1431347035

انظر ايضا:”زيادة استخدام السيارات الالكترونية يتحدى عطش العالم للنفط، جريدة الفاينانشال تايمز، 8/8/2017

https://www.ft.com/content/3946f7f2-782a-11e7-a3e8-60495fe6ca71

دولة علي بابا

cover 5 

10)

                 شدوا الأحزمة على بطون العراقيين وارخوها عن بطونهم

 لاشيء يمكنه ان يوضح بشكل جلي ويكشف عن مدى تمادي الزمر التي تمكنت من رقاب العراقيين من خلال سياسات النهب المنظم واللصوصية اكثر من الاساليب التي لجؤا اليها في التعامل مع موازنة الدولة المالية السنوية خلال عقد ونصف من عمر الحكومات التي تسلموا ادارتها بعد عام 2003.ان تحليل نصوص قوانين الموازنة السنوية خلال هذه الفترة ومتابعة الطريقة التي تم من خلالها اعدادها واقرارها وتنفيذها يكشف عن منهجية متعمدة في نهب المال العام وفي تخريب أية محاولة لاعادة بناء الدولة العراقية والتعامل مع الحكم باعتباره مجرد وسيلة من وسائل الهيمنة والاستئثار بالموارد والثروات كأسلاب حرب وليست كثروة وطنية.

تقول ادبيات المالية العامة بان الموازنة المالية هي الخطة التنظيمية للدولة التي تتضمن تقديرات بالواردات التي من المتوقع أن تحصل عليها الدولة، من جهة، والنفقات المترتبة عن التزاماتها السنوية في تشغيل مفاصلها المختلفة، اضافة الى المشاريع الاستثمارية التي يتم تدويرها من عام الى آخر، من جهة ثانية.ان اصل المالية العامة هو ما كانت تجبيه الدولة القديمة من أموال من الرعايا من ضرائب ورسوم بالطريقة والكمية التي يحددها حكامها، لكنها اصبحت في دولة المواطنين في العصور الحديثة اداة من ادوات الحكم التي تخضع للمساءلة من قبل المحكوم وفق العقد الاجتماعي الذي اصبحت تحدده القواعد الديمقراطية التي يخضع اليها الحاكم.

ان فلسفة الموازنة السنوية في الدولة الحديثة ترتكز الى كونها الفرصة التي تتاح للمواطنيين عبر ممثليهم الذين انتخبوهم في المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بمصيرهم والتي تتخذها اجهزة الدولة، وخاصة في ما يتعلق بطريقة ادارة المالية العامة ومصادر الثروات.والموازنة هي بالتالي اداة من ادوات ممارسة السلطة، وفي نفس الوقت مراقبة تلك الممارسة عبر تحديد الأهداف والمهمات والبرامج المطلوبة خلال عام واحد يدعى بالسنة المالية.وجوهر عملية اعداد الموازنة هو العمل بروح الجماعة والتعددية والتوازن والشفافية والنزاهة مثلما يتظمن الاعداد والتنفيذ الناجح لها التواصل مع المواطنين والمشاركة المجتمعية والالتزام العالي بتحقيق اقصى درجات الفاعلية لبنودها والبحث عن حلول خلاقة للمشكلات التي تواجه تطبيقها، وكل ذلك بهدف خدمة الخطة التنموية والعمل على تحسين نوعية الحياة لجموع المواطنيين بالموارد المتوفرة وبكلفة معقولة.

فهل كانت كل هذه المبادئ هي ايضا فلسفة الجماعات السياسية التي تمكنت من الوصول الى الحكم منذ عام 2003 في العراق، ام ان الموزانات التي اعدت منذ ذلك الحين كانت مجرد غطاء تشريعي وفرته لنفسها من خلال البرلمان الذي تهيمن عليه كي تمضي في عمليات النهب والسلب المنظمة التي جرت منذ ذلك الحين والتي اوصلت البلد الى كل هذا الخراب وحولته بالتالي الى مغارة لصوص “علي بابا” الجدد؟

تعود بداية مشكلة موازنة الدولة الى فترة الاحتلال الامريكي حيث كانت عملية تنظيم الشؤون المالية خلال السنوات الأولى من الاحتلال مضطربة بسبب الاندماج الذي حصل في موارد الموازنة بين الأموال التي كانت تضخ من الجانب الامريكي، في ما دعى حينها باموال “برنامج اعادة الاعمار”، وبين الأموال العراقية المتحصلة من بيع النفط عبر الصندوق الخاص الذي وضع تحت اشراف “مجلس الامن الدولي” بسبب استمرار بقاء العراق حيئنذ تحت بنود الفصل السابع لـ”ميثاق الامم المتحدة” بموجب القرارات الأممية التي اتخذت اثر غزو الكويت عام 1990.

شهدت تلك الفترة خروقات مهولة سجلتها تقارير “مكتب المحاسبة الحكومية الامريكي” ومنظمات دولية اضافة الى  مارصده الاعلام الدولي ضاعت من جرائها مليارات من الدولارات نتيجة الفساد والهدر وعمليات نهب الأموال التي جرت في ظل ادارة الاحتلال، او ما كان يسمى بـ”سلطة الائتلاف المؤقتة”.وتحفل تلك التقارير بالكثير من المعلومات عن ضياع تلك المليارات من الدولارات خلال تلك الفترة، والتي لم يجر التحقق بشكل جدي من كيفية ضياعها، ولا عمن يقف خلف ذلك، ولا الى الجهات التي تسربت اليها.فعلى مدى السنوات الماضية تواصلت التقارير بشأن البحث عن مصير مليارات الدولارات التي خصصت للاعمار والتي وصلت بعض الأرقام التي نشرت بشأنها الى حوالي 88 مليار دولار ولكن لم يتم ابدا الافصاح عن القنوات التي تسربت اليها ومن هم المستفيدون من ذلك.ومن المرات القليلة التي تمت الاشارة فيها الى السرقات التي جرت في “صندوق الامم المتحدة للاموال العراقية” هو ما ذكر عن قيام “لجنة النزاهة البرلمانية” بالطلب الى “الامم المتحدة” بالتدقيق في ضياع نحو سبعة عشر مليار دولار من تلك الأموال خلال فترة عمل “سلطة الائتلاف الموقتة” والتي كانت تتمتع بحق مطلق، ودون اية رقابة، في الحصول على حصة العراق من الاموال والتصرف بها.(1)

 اضافة الى ذلك فقد سجلت الفترة الممتدة من الغزو عام 2003 حتى عام 2007، اي مع البدء بوضع موازنة لاول حكومة منتخبة، غيابا كاملا للاحصاءات والمعلومات الحقيقية عن كميات النفط المصدرة والأموال المتحصلة من التصدير، حيث تشير التقارير الصادرة عن مختلف الجهات الى ارقام متضاربة مما يكشف عن فوضى عارمة في عمليات بيع النفط وفي عمليات الرصد والتحقق من الكميات المصدرة ومن الأموال المتحصلة من التصدير وطرق توزيعها وصرفها.لقد كان شائعا حينها ان حقول النفط وموانئ التصدير تعمل دون عددادات يمكنها ان تسجل كميات النفط المنتجة والمصدرة.لقد استمر هذا الوضع اي عدم وجود رقابة وشفافية على تصدير النفط حتى النهاية بشهادة منظمة “مبادرة الشفافية العالمية في الصناعات الاستخراجية” التي اصدرت تقريرا في شهر تشرين الاول (اكتوبر) 2017 اشارت فيه الى استمرار عدم ايفاء العراق بالتزاماته بالافصاح الدقيق عن صادراته النفطية والذي قررت بناء عليه تعليق عضوية العراق في المنظمة، وهي ضربة ساحقة لمصداقية الحكومة العراقية في عالم الاعمال الدولي.(2)

والحاصل، هو ان هذه الممارسات التي جرت بمباركة وتشجيع، وربما تخطيط امريكي ايضا، هي التي ارست حجر الاساس لكل ما جرى في العراق بعد ذلك من ممارسات في الاستهانة بعمليات وضع الخطط المالية والمتابعة والمراقبة والتدقيق في عمليات التصرف في الثروة النفطية والاموال المتحصلة من الضرائب والرسوم مما فتح ابواب الفساد على مصراعيها.وعندما كانت روائح الفساد قد بدأت تزكم الأنوف وشرعت الصحافة العالمية في فضح الكثير من قصص السرقات والهدر حاولت الادارة الأمريكية ان تتظاهر بانها تفعل شيئا لمعالجتها فاوكلت عام 2007 الى “الوكالة الأمريكية للتنمية” تدريب نحو 500 موظف عراقي على عمليات ادارة ومتابعة تنفيذ الموازنة المالية، غير ان الوقت كان قد فات حينها واصبح العراق غارقا حتى قمة رأسه في الفساد بكل انواعه.

 وعلى الرغم من شحة التفاصيل وغياب التقارير الموثقة والدراسات عن موزانات العراق المالية خلال هذه الفترة بسبب تقاعس الاجهزة المعنية كـ”مجلس النواب” و”ديوان الرقابة المالية و”هيئة النزاهة” في توفيرها الا ان الصورة الكلية التي توفرها التقارير المختلفة تشي بفلتان وتخبط رافق كل مراحل تشريع الموازنات من اعداد الخطط مرورا بمراحل التنفيذ وحتى المتابعة.واذا كان ذلك للوهلة الأولى يعطي انطباعا عن حجم الفوضى والعشوائية السائدة في محاولات بناء الدولة الا ان التعمق في دراسة الظاهرة المستمرة طيلة كل تلك السنوات اصبح يدل على عمل ممنهج ومتعمد يهدف الى تدمير الدولة من خلال نهبها واشاعة ثقافة الفساد وممارساته في مفاصلها المختلفة، كل ذلك تحت غطاء القانون والتشريعات البرلمانية.

وكما هو متوقع، فلا توجد ارقام كلية عن مجموع الايرادات النفطية منذ الغزو الامريكي وحتى اللحظة، الا انه حسب ما هو متداول من معلومات وما وفرته الموازنات المالية منذ عام 2003 من مؤشرات فان هناك حوالي 800 مليار دولار سجلت كايرادات رسميا حتى عام 2016، وهي اموال بامكان اي انسان، وليس باحث متخصص، ان يخمن انها كانت ستحول العراق الى مصاف دول متقدمة في المنطقة من حيث التنمية والعمران والتطور في المجالات المختلفة.اما اذا كنا قد اضفنا الى ذلك المليارات التي ذهبت دون حسابات، او متابعة، من خلال نهب النفط وبيعه بصورة غير مشروعة، او من خلال الصفقات السرية وعمليات تبيض الأموال وطرق الفساد الأخرى فقد كان بامكان العراق ان يتحول من خلالها الى مرتبة الدول المتقدمة عالميا.لكن ما وصلنا اليه على ارض الواقع بعد كل هذه السنين هو ان العراق وبعد اكثر من عقد من الزمان يقبع الان في اسفل قوائم معظم المؤشرات الاقتصادية والتنموية الدولية في حين ان مجرد نظرة سريعة الى شوارع المدن العراقية كافية لكي تكشف عن واقع شديد البؤس والتخلف والانحدار.

ان هذه الصورة البائسة التي تتجلى فيها “دولة علي بابا” من خلال الميزانية تبدأ من طريقة صرف الايرادات في باب الميزانية التشغيلية حيث يظهر منذ البداية مفهوم الدولة كبقرة سائبة حلوب، او ان تجري عملية نهب موارد الدولة وتوزيعها كغنائم واسلاب، وكأن القائمين عليها يعتبرونها عدوا يبنغي استنزافه حتى آخر قطرة دم في عروقه، وليس وطناً مدمراً يبنغي اعادة اعماره.هكذا بدأت مليارات الدولارات تصرف على بيروقراطية تم بناؤها من خلال توظيف مئات الألوف من الاشخاص لاسباب سياسية وطائفية لا علاقة لها بالحاجات الأساسية لجهاز الدولة ومن خلال وزارات وهيئات وصناديق تم انشاؤها لضخ المليارات من الدولارات الى جيوب مستفيدين من الأزلام والمنتفعين تحت ذرائع التعويضات المختلفة.وما الهيئات التي انشأت لتعويض المهاجرين وذوي الشهداء والمساجين السياسيين وتعويضات المادة 140 في الدستور الخاصة بالأراضي المتنازع عليها الا ابوابا من ابواب الفساد والنهب التي تسلل منها مئات الآلاف، بل ربما الملايين ممن لا يستحقون تلك التعويضات وعلى حساب الضحايا الحقيقيين الذين استبعدوا منها.

وخلال كل هذه الاعوام لم تتقدم الحكومة بتقارير الحسابات الختامية للسنة المالية المنصرمة للبرلمان لمناقشتها واقراها كما ينص على ذلك الدستور العراقي، وكما هو متبع في كل دول العالم، كممارسة رقابية ديمقراطية من قبل البرلمان على عمل الادارة الحكومية وطرق تصرفها بالمال العام.لقد حرم العراقيون طيلة هذه السنوات من الاطلاع والتعرف على تفاصيل صرف الميزانية العامة ومجريات الانفاق العام التي اوكلت للحكومة ومن مراقبة الاداء الحكومي، ولكن الأهم من ذلك انهم عجزوا عن ان يضعوا حدا لعمليات النهب المستمرة لموارد البلاد.(3)

ما يلفت النظر في هذا الاطار ان رئيس الوزراء الثاني “حيدر العبادي” كان رئيسا لللجنة المالية في البرلمان خلال الدورة السابقة على انتخابه مما يعني انه كان يتحمل مسؤولية كبيرة في هذا المجال وعدم قيامه بمحاسبة الحكومة السابقة عن عدم تقديمها الحسابات الختامية للموازات السابقة مما اثار أسئلة كثيرة عن مدى جدية التزاماته تجاه اعداد وتنفيد ومتابعة موازنات حكومته خلال السنين المالية لعهده وفق السياقات المعهود دوليا وتقديم حسابات المراجعة بصورة شفافة.

وتلخص ميزانية عام 2015 والتي اقرت في 29 كانون الثاني (يناير) 2015 اي في السنة الاولى لحكمه المعضلة الاساسية التي واجهت العراق في قضية ادارة موارده المالية حيث كشفت جهود اعداد الموازنة عن حقيقة الأوضاع المزرية التي عليها الوضع المالي للعراق رغم كل المليارت التي حصل عليها خلال السنين السابقة.ما اتضح من اعداد موازنة التقشف تلك والتي جاءت بعد الانهيار الكبير في اسعار النفط ان العراق  يقف عاريا تماما من اية استعدادات وضمانات تمكنه من مواجهة تقلبات السوق النفطية وحماية شعبه من الانعكاسات السلبية لانخفاض الاسعار وذلك بسبب طبيعة الاقتصاد الريعي الذي اقامه القائمون على الحكم وعدم بنائهم لقاعدة اقتصادية منتجة ومتينة وغياب الاحتياطي المالي اللازم والصناديق السيادية، مثلما تفعل باقي الدول النفطية.

واذا كانت تلك هي عين الكارثة الكبرى فان ما كشفت عنه النقاشات والجهود التي صاحبت اعداد موازنات السنين التالية التي تأخر اقرارها اشهرا عن موعدها الدستوري هو الغياب التام للخبرة والكفاءة الاقتصادية في اعداد الموازنة، وخاصة ما اتضح جليا من الطريقة التي اتبعت في حساب اسعار البرميل الواحد من النفط، مما كشف عدم كفاءة وزارتي النفط والمالية في تقديم تقديرات وتصورات واقعية عن دور النفط في موارد الموازنة.ونتيجة لذلك فقد استعيض عن الاساليب المنهجية في تخطيط الموازنة باساليب الفهلوة والترقيع اضافة الى سيادة السياسات التي تتعامل مع الموازنة من منطق المحاصصة الاثنو-طائفية في تقسيم الموارد وليس على اساس المصالح العليا للبلد وهو ما دلت عليه التفاهمات التي تمت بشأن صادرات النفط مع اقليم كردستان.

ما نتج عن ذلك هو العجز الذي ظلت تكشف عنه الموازنات تلك الذي بلغ أكثر من 20 بالمائة واضطرار الحكومة ليس الى تقليص الميزانيتين التشغيلية والاستثمارية فقط بل اللجؤ الى سياسات شد الأحزمة والى سلسلة اجراءات مالية حساسة شملت اللجوء الى احتياطي “البنك المركزي العراقي” واصدار سندات حكومية والاقتراض من البنوك المحلية والدولية وغير ذلك من الوسائل بهدف سد العجز وتوفير الأموال اللازمة لادارة عجلة الدولة.واذا ما ظلت تأثيرات كل تلك الاجراءات على المواطن العراقي العادي ومستوى معيشته خلال تلك الفترة ملمومسة، فان نتائجها على المدى البعيد ستكون كارثية.

ومع ان “البنك الدولي” و”صندوق النقد الدولي” كانا من الجهات التي روجت لخرافة انعكاس ارتفاع مؤشرات الناتج القومي الايجابية على التنمية، الا انهما اقرا من خلال تقاريرهما الدورية بالحالة المزرية للاقتصاد العراقي نتيجة الاداء الحكومي خلال العشرية الماضي وطالبا بالاصلاحات الهيكلية المالية والنقدية اللازمة لوقف تدهور الاقتصاد العراقي وخاصة ازالة الأسباب التي ادت الى ظاهرة الفقر في بلد هو واحد من اغنى بلدان العالم بثرواته الطبيعية.ففي احدى تقاريرها تلخص “مجموعة البنك الدولي” ما وصل اليه العراق عام 2012 من حالة مزرية حيث يعيش نحو 20 في المائة من السكان فيه بمستوى تحت خط الفقر.وكشف التقرير الذي اعتبر اول تحليل معمق للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في العراق منذ  الاحتلال ان الفئات الأكثر ثراء من السكان حصدت النسبة الأكبر من المكاسب على حساب الأغلبية من العراقيين التي ظلت مستوياتها المعيشية تترواح بين الاكتفاء وبين الفقر او حتى الوقوع تحت مستوى خط الفقر.وليست الفئات الثرية هنا بطبيعة الحال سوى جماعات “دولة علي بابا” وحلفائهم من الطبقة الطفيلية التي تكونت من خلال الإعتياش على الفساد وليست الفئات التي كسبت اموالها عن طريق النشاطات الاقتصادية الطبيعية والقانونية المعروفة.

ما يدعم نتائج هذا التقرير وما يؤكد على استمرار حالة التدهور المعيشي هو ما جاء في تصنيف العراق في المرتبة الـ87 عالمياً في مؤشر الجوع العالمي لعام 2017  ليتقدم بذلك العراق على العديد من البلدان المعروفة عالميا بارتفاع مؤشرات الفقر نظرا لأسباب تتعلق بانعدام، او شحة الموارد.ولكي تتضح صورة موقع العراق في هذا المؤشر فانه يعني بتصنيف البلدان على اربعة مرتكزات اساسية هي: نقص التغذية، ووفيات الاطفال، وهزال الاطفال، وتقزمهم.(4)

هناك تقارير اخرى عديدة صدرت عن المؤسسات الدولية خلال الفترة المدروسة تشير الى ان هناك ارث صعب من الفساد وسؤ الادارة والهشاشة والضعف المؤسسي في العراق مما يجعل الاقتصاد العراقي يواجه تحديات هائلة على المدى البعيد قد تستغرق وقتاً طويلاً للتغلب عليها.ففي تقرير لـ”برنامج الأمم المتحدة الانمائي” تشير المنظمة الى عجز المؤشرات الكمية المتأتية من وفرة المصادر النفطية على تنمية القدرات البشرية وتمكينها من ادارة الموارد الضرورية لبناء اساليب حياة كريمة ومعززة.كما يشير الى ان العديد من المشكلات المتراكمة تهدد التمنية الشاملة وتضعف من جهود احراز تقدم حثيث في جهود التنمية.ولعل اهم استنتاجات هذا التقرير هو ان التشويهات التي انتجها الاعتماد الكلي على موارد النفط ادت الى تعثر برامج التنمية الاقتصادية، وخاصة لجهة تدهور نسبة نمو النشاطات الاقتصادية التي توفر فرص العمل والتي عملت بدلا عن ذلك على خلق سوق عمل غير متجانس اصبح مستودعا للبطالة والبطالة المقعنة.(5)

ومع كل هذه الصور البشعة للأوضاع المعيشية للعراق فقد جاءت ميزانيات الدولة منذ عام 2014 تقشفية وتفتقر الى تخصيصات استثمارية بسبب العجز الهائل الذي كانت تعانيه والذي عزي ظاهريا الى تدهور اسعار النفط، ولكن واقعيا كان ذلك بسبب الفساد الذي ابتلع موارد الدولة، والنزيف في احتياطاتها النقدية، واستمرار سرقة المال العام.فعلى مدى السنوات اللاحقة تظمنت الميزانيات استقطاعات من رواتب الموظفين والمتقاعدين ووقف التعينات في دوائر الدولة وتعليق الدعم للكثير من السلع والخدمات وزيادة اسعار الكهرباء والماء وفرض ضرائب ورسوم جديدة اثقلت كلها اعباء الحياة على المواطن، وخاصة الفئات الأكثر حاجة.وفي نفس الوقت فقد توقفت، او كادت، كل المشاريع التنموية التي توفر  للمواطنين الخدمات الأساسية ولتطوير البنية التحيتة التي من شأنها ان تحسن من الاداء الاقتصادي العام.ولعل اسوء نتائج التقشف هو تعرض المستشفيات والمدارس الى ازمات مالية ادت الى تعثر الخدمات الصحية والتعليمية حتى خلت العديد من المراكز الصحية من الأدوية والمعدات والأطباء مثلما افتقرت المدارس الى ابنية لائقة والى المعلمين والكتب الدراسية.ان خير دليل على الأثار التدميرية للاجراءات التقشفية هو انحدار مؤشرات جودة الحياة في العراق مثل الصحة والسكن والحياة الاجتماعية والرفاه المادي والأمن الوظيفي، والتلوث والبيئة، والتعليم والثقافة، ورعاية الطفولة والمسنين والايتام واصحاب الحاجات الخاصة، وغير ذلك مما يتطلبه الإنسان من مواجهة متطلبات الحياة وضغوطها.

وفي الوقت الذي خلفت الميزانيات التقشفية الكثير من التشوهات في البنى الاقتصادية والاجتماعية وعمقت من معاناة العراقيين استمرت زمر الحكم تمارس فسادها الذي اعتادت عليه والذي كشفت عنه المزيد من الفضائح وقصص الفساد التي ظلت تتوالى خلال السنوات التي تم اللجؤ خلالها للميزانيات التقشفية.لقد ظل اكبر منفذ للفساد، وهو مزاد العملة في “البنك المركزي العراقي” مفتوحا على مصراعيه ممثلا المصدر الاكبر لاستنزاف موارد البلد من العملة الصعبة من النفط، بل واستنزاف الاحتياطي النقدي للبنك ذاته.ومثلما هو الأمر منذ احلال هذا النظام بعد الاحتلال فقد استمرت البنوك وشركات الصيرفة التي تمتلكها الجماعات الحاكمة وحلفاؤها من الأوليغاركية المتنفذة في شفط مليارات الدولارات سنويا والتي يجري تحويلها بعدئذ الى خارج العراق ثم يجري تبيضها في عمليات تتم عبر مافيات دولية واقليمية.(6)

وعلى نفس المنوال الذي كانت عليه منذ 2003 فقد استمرت عمليات نهب المال العام والفساد المالي والاداري للجماعات المتسلطة واعوانها بالرغم من معاناة الناس من الغلاء وشحة الموارد والفقر والعوز نتيجة سياسات شد الأحزمة على البطون التي اعلنتها الحكومة لمواجهة العجز في الموازنة.لقد كانت تلك ايضا رسالة تيئيس من تلك الجماعات للعراقيين عن أية امكانية حقيقية لوقف الفساد مهما كانت ظروف البلد الاقتصادية، حتى ان رئيس “هيئة النزاهة” “حسن الياسري” اقر في تصريحات له ان مهمته بمحاربة الفساد هي بمثابة محاولة “إفراغ مياه البحر بملعقة.”(7)

                        هوامش ومراجع ومصادر الفصل العاشر

 

1-انظر:”هيا يا سيد بريمر، اين ذهبت أموال العراق؟” صحيفة الغاردين البريطانية (بالانكليزي)، 7/7/2005

https://www.theguardian.com/world/2005/jul/07/iraq.features11

انظر ايضا:”البحث عن 17 مليار دولار من اموال العراق ضاعت بعد الاحتلال الامريكي”، وكالة انباء رويترز (بالانكليزية)، 19/6/2011

https://www.reuters.com/article/us-iraq-usa-money/iraq-hunting-17-billion-missing-after-u-s-invasion-idUSTRE75I20S20110619

2-انظر:”مبادرة الشفافية الدولية تعلق عضوية العراق”، موقع عراق بزنيز نيوز، 6/11/2017

http://www.iraq-businessnews.com/2017/11/06/transparency-initiative-suspends-iraqs-membership/

3-انظر:”ديوان الرقابة المالية عاجز عن تقديم الحسابات الختامية للحكومة، 17/12/2012

http://www.almadapaper.net/ar/news/4388/%D8%AF%D9%8A%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D8%A7%D8%AC%D8%B2-%D8%B9%D9%86-%D8%AA%D9%82%D8%AF%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%AA%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9

4-انظر:”الفقر في العراق بين عامي 2012-2014″، مجموعة البنك الدولي (بالانكليزية) ،1/1/2016

http://documents.worldbank.org/curated/en/239351468915807676/Poverty-in-Iraq-2012-2014

انظرايضا:مؤشر الجوع العالمي عام 2017

http://www.globalhungerindex.org/pdf/en/2017.pdf

5-انظر:تقرير التنمية البشرية في العراق 2014، برنامج الامم المتحدة الانمائي (بالانكليزية)

http://www.iq.undp.org/content/dam/iraq/img/Publications/UNDP-IQ_IraqNHDR2014-English.pdf

6-انظر:”الفساد ينخر في مزاد العملة العراقية”، موقع العربي الجديد، 14/12/2015

https://www.alaraby.co.uk/supplementeconomy/2015/12/13/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%8A%D9%86%D8%AE%D8%B1-%D9%85%D8%B2%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9

انظر كذلك:”بسبب فساد مزاد بيع العملة.. انخفاض احتياطي العراق الى 43 مليار دولار”، موقع بغداد بوست، 26/5/2016

http://www.thebaghdadpost.com/ar/story/8610/%D8%A8%D8%B3%D8%A8%D8%A8-%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D8%B2%D8%A7%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%86%D8%AE%D9%81%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B7%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A5%D9%84%D9%89-43-%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1

7-انظر:”لوفيغارو:سرطان الفساد ينهش العراق”، موقع الجزيرة، 30/11/2017

http://www.aljazeera.net/news/presstour/2017/10/5/%D8%B5%D8%AD%D9%8A%D9%81%D8%A9-%D9%84%D9%88%D9%81%D9%8A%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D9%88-%D8%B3%D8%B1%D8%B7%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%8A%D9%86%D9%87%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

 

cover 5

دولة علي بابا

cover 5 

9)

                            وحين ينقلب الفساد الى تنمية                                

خلال سنوات الاحتلال والفترة القصيرة التي تلت الانسحاب الامريكي من العراق ظل الاعلام الغربي يحتفي كثيرا بالاخبار والتقارير التي تتحدث عن التقدم الاقتصادي في العراق اعتمادا على احصائيات وبيانات تتعلق بزيادة انتاج النفط خلال تلك الفترة وباعتبار ان النمو المتحقق في الدخل القومي الاجمالي جراء تدفقات الأموال النفطية هو مؤشر على تلك التنمية  الاقتصادية المزعومة.واذا كان علينا ان نصدق تلك التقارير، كما هو الهدف من نشرها، فقد كان ينبغي ان نصدق ايضا ان العراق كان ينعم بازدهار إقتصادي يؤهله ان يصبح خلال السنين القليلة القادمة احد الاقتصاديات المتقدمة في المنطقة، كما ظل يروج له قادة دولة الفساد، وهي صورة لم تكن قريبة من الحقيقية ابدا بل كانت مضللة وهو ما كان يدركه العراقيون اكثر من غيرهم من خلال ملامستهم للواقع المغاير الذي يعيشونه وسط انعدام للخدمات الاساسية وتهالك البنى التحتية وتوقف تام لعجلة التنمية في القطاعات الاقتصادية الاساسية وخاصة الصناعة والزراعة.(1)

لم يكن الأمر بحاجة لانتظار الانخفاض المريع في اسعار النفط مع نهاية عام 2014 لكي يتضح زيف تلك الاسطورة، بل الخدعة الكبيرة، والتي كشفت كم كان العراق عاريا من كل ما يستر بدنه المتهالك رغم الثروات الهائلة التي حصل عليها خلال السنوات الاثني عشر السابقة بسبب تخلف الاقتصاد والتنمية الناتج عن الفساد المتوحش وسؤ الادارة.كان واضحا منذ البداية ان الأموال الطائلة التي جاءت من موارد النفط، والتي قاربت، او ربما تجاوزت، ترليون دولار لم تذهب الى التنمية وبناء الاقتصاد الوطني، بل الى بطون منتفعين لا تشبع ومثلهم مثل جهنم يسعون دوما للمزيد.ولم يكونوا وحدهم في اقتراف تلك الجريمة الشنعاء في تدمير بلد وشعبه فقط، بل شارك فيها وحرض عليها وادارها من الخارج الشركاء الدوليون المعروفون.

ما كانت تشير اليه التقارير المسربة للصحافة عن مؤشرات عن التقدم الذي يحرزه العراق في المجالات الاقتصادية كانت ترتبط بحملة علاقات عامة تساهم بها مؤسسات العولمة المختلفة لصالح الشركات والمصالح الدولية التي انكبت على الحصول على مختلف انواع المقاولات والعقود والاستثمارات، ومحاولة الحصول على المزيد من خلال الايحاء بان تلك الارقام الزائفة عن نمو الاقتصاد العراقي في تلك الفترة هي مؤشرات حقيقية عن الاداء الاقتصادي لبلد كان كل من يعيش فيه يرى الحالة المزرية التي هو عليها من تخلف وفقر وارتداد.ولم تكن هذه التقارير التي نشر بعضها الجيش الامريكي والتي تروج لأوهام واكاذيب من خلال المحاولات المستميتة لرسم صورة وردية عن ااإقتصاد العراقي تبرر فقط المصالح الجشعة للشركات الأجنبية، بل انها ساهمت مساهمة فعلية في استمرار وتنامي الفساد في العراق.(2)

ان قصصا مضللة من هذا النوع عن المكاسب التي يمكن ان تتحقق  في مجالات الاستثمار في مناطق العنف هي ليست بالجديدة في الاعلام الغربي الذي يحاول دائما ان يضفي عليها طابع المغامرة والبطولة والتشويق للترويج لفكرة ان الارهاب والعنف، وحتى الحروب الاهلية، لا يمكنها ان تقف امام عجلة الاستثمار الدولي ونشاط الشركات العالمية، وخاصة شركات النفط والسلاح، بهدف فتح المزيد من الفرص ومن اجل المزيد من الأرباح وتراكمها.وكما هي الحالة في كل مكان روجت فيه هذه الاكاذيب فقد كان الهدف هو التغطية على الجانب المظلم الحقيقي لاداء الدولة وهو الفساد الذي يدمر الاقتصاد.

في شباط 2014 نشرت العديد من وسائل الإعلام تقريرا عن افتتاح فرع لسلسة مطاعم “بيتزاهات” في اربيل مع عنوان براق ان “العراقيين سيتمكنون منذ الان من تذوق البيتزا الامريكية”، كما تبشرهم بالمزيد من فروع هذه السلسة في باقي انحاء العراق.بعد ذلك باشهر تم التطبيل لافتتاح فروع لسلاسل اخرى من المطاعم والمقاهي الامريكية.الرسالة الأولى التي تبعث بها هذه الاخبار كانت موجهة للعراقيين جميعهم بانهم على موعد مع اكثر منتجات العولمة شهرة، اما الرسالة الاخرى التي كانت موجهة للرأي العام العالمي والامريكي فهي ذات الرسالة المعروفة عن منتجات وخدمات الشركات الامريكية العابرة للحدود لنشر ثقافة الاستهلاك المعولمة وامتداد النفوذ الاقتصادي الامريكي في العالم.لاتحدثنا وسائل الاعلام هذه بطبيعة الحال عمن يمتلك هذه السلسلة من المطاعم من العراقيين، ولا عن الطريقة التي حصلوا من خلالها على الرخصة، ولا عن تفاصيل اخرى ضرورية من اجل اعمام الحقيقة والشفافية لكي يعرف العراقيون لماذا ان افتتاح مطعم للبتيزا الامريكية هو اهم من توفير الماء والكهرباء والمدارس والمستشفيات وغير ذلك من المؤسسات التي توفر فرص العمل والسلع والخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن العراق.(3)

ولا يمكن بطبيعة الحال ان تغفل وسائل الاعلام الغربية هذه الحديث خلال هذه الفترة عن نجاحات الشركات النفطية الكبرى مثل “اكسون موبيل” او “رويال دويتش شيل” او “بريتش بتروليوم” في ادارة المشاريع العملاقة التي حصلت عليها في استخراج نفط العراق، فتلك مهمة من مهماتها الاعتيادية في الترويج للرسالة السامية لهذه الشركات في توفير التكنلوجيا المتقدمة لمساعدة الشعوب على الانتفاع من خيراتها الطبيعية.ولكنها مع ذلك تتغافل عن حقيقة ان كل تلك العقود المهولة التي حصلت عليها خلال وزارة “نوري المالكي” كانت كارثية لانها رسمت صورة خيالية مضللة عن قدرات العراق لانتاج  9 ملايين برميل او اكثر من النفط خلال سنين قليلة، مما نتجت عنه خسائر فادحة، بسبب تكاليف الانتاج الباهظة التي ترتبت على العقود بعد ان فشل العراق في انتاج تلك الكميات الكبيرة بسبب الفائض الكبير في سوق النفط العالمية.

اذ كما كان التضليل في حالة مطاعم الـ”بيتزاهات، و”الهارديس”، و”السنامون” فقد تم التطبيل والتزمير للعقود النفطية التي وقعها العراق مع الشركات البترولية الكبرى والتي سببت خسائر فادحة للاقتصاد العراقي وحققت ارباحا طائلة للشركات الاجنبية.لقد كانت عقود التراخيص اساسا عقود خدمة لكنها تحولت فعليا الى عقود للمشاركة ادت الى خسائر كبيرة للاقتصاد العراقي تقاعست الحكومات عن معالجتها خلال كل تلك السنين انصياعا للكارتلات النفطية العالمية، وللمصالح السياسية التي تقف وراءها.ما كان مهما هو التأكيد على اجواء الاستثمار المهيئة في العراق من خلال نموذج العقود النفطية هذه وكذلك التأكيد على ان الاوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية اصبحت مهيئة لاستقبال الاستثمارات وفروع الشركات الأجنبية وبالتالي تقديم البراهين على ان الغزو الامريكي ان كان قد اخفق في الجانب العسكري والأمني فانه حقق نتائج باهرة في مجالات التنمية والاقتصاد.

لا يجري كل ذلك بمعزل عن عمل الحكومات والهيئات الرسمية والشركات الكبرى التي تقوم بتوظيف شخصيات سياسية لها صلات مع القادة العراقيين للحصول على عقود مشاريع وصفقات تجارية وإستثمارية ضخمة مقابل عمولات كبيرة.واذا كانت ابرز هؤلاء الشخصيات هي البارونة البريطانية “ايما نيكلسن” التي عينت الممثلة التجارية للشركات البريطانية مع العراق بسبب علاقاتها المتينة مع شخصيات المعارضة في زمن صدام ودعمها لهم فان عددا كبيرا جدا من رجال السياسة والسفراء والدبلوماسيين والجنرالات الذين اشتركوا في الغزو انخرط في العمل بعد ذلك مع الشركات الأمريكية الكبرى بهدف تسهيل مهماتها في العراق وحصولها على صفقات مجزية.(4)

ولا يتقتصر الامر على البريطانيين والامريكيين، فاليابان مثلا استعانت بدبلوماسيين واكاديميين وخبراء، كما استعانت بشخصيات عراقية بعضهم كتاب وسياسيين، لدعم عمل الشركات اليابانية والتي ضمنت خلال السنوات الاولى للاحتلال الحصول على خمسة عشر عقدا كبيرا لاعادة اعمار وتطوير موانئ ومحطات طاقة بمبالغ تجاوزت 500 مليون دولار.ولجأت كندا واستراليا وغيرها من الدول الى اشخاص من جنسياتها للحصول على فرص استثمار من خلال علاقات هؤلاء الذين ينحدرون من الأصول العراقية مع اقربائهم وأصدقائهم من رجالات الحكم في العراق.في حين ان دولا اخرى مثل روسيا والتشيك والباكستان حصلت على فرص من خلال وسطاء عرب، وخاصة من الشيعة اللبنانيين وعراقيين ضليعين باعمال السمسرة هذه.

ولم تعد محاولات البحث عن فرص الاستتثمار، او الصفقات التجارية، من قبل الدول الأجنبية امرا مثيرا للاستغراب، بل ان بعض الدول اخذت تتذمر وتشتكي من قلة حصتها في الاستثمارات في العراق وتوكل الى صحفييها ان يتبنوا موقفها هذا للضغط على المسوؤلين العراقيين.ففي شهر اذار (مارس) 2014 لم يتردد صحفي الماني يعمل في مجلة “دير شبغيل” من ان يسأل نوري المالكي في مقابلة صحفية عن السبب وراء قلة حصة المانيا من كعكة التجارة والاستثمار في العراق غامزا من طرف لوبيات المصالح الامريكية وغيرها التي تقف وراء ذهاب معظم الصفقات الى الشركات الامريكية.(5)

من بين المؤشرات التي تم التطبيل لها عام 2014 هو زيادة نسبة النمو السنوي الى 9 بالمائة وهو ما يوحي بالنسبة لغير المتخصصين ان وضع العراق التنموي اصبح في مصاف الدول المتقدمة اقتصاديا.ان كل المعنيين بالاقتصاد يدركون ان الحديث عن اي تقدم او نمو اقتصادي في العراق من خلال التركيز على مؤشرات نسبة النمو التي تستند الى موارد النفط الريعية انما يدخل في خانة الدجل اكثر منه من الكلام العلمي الموضوعي.فالناتج القومي الاجمالي في العراق انما يقوم في 95 بالمائة منه على موارد النفط وليس على اقتصاد حقيقي متنوع ومنتج.ثم ان هذه الأرقام المتعلقة بنمو الناتج الاجمالي لا يمكنها ان تكون بحد ذاتها مقياسا للتقدم والنمو الاقتصادي طالما هي لا تتأتى من قطاعات انتاجية فاعلة ومثمرة.وحتى بالنسبة لغير المتخصصين فان المؤشر الفعلي للتنمية الذي يفهمه اي انسان هو ما يلمسه بيده وما يراه امام عينه من انجازات على الارض، او حتى ما يتوقعه وفقا لبيانات حقيقية، وهو ما لم يكن متوفرا  تماما.(5)

كيف يمكن الحديث عن معدلات نمو عالية في حين تفتقر مدن العراق الى مساكن ومدراس ومستشفيات وبناء تحتي يليق بالبشر ويتناسب مع ما يحصل عليه العراق من موارد مالية هائلة يمكنها ان تلبي حاجة سكانه المتزايدة من كل الخدمات.كان الحديث عن النمو الاقتصادي من خلال ارتفاع مداخل النفط يجري في حين يعاني القطاع الصناعي العراقي من غياب كامل لاي دور في المنظومة الاقتصادية بسبب توقف معظم المصانع القديمة وعدم بناء مصانع جديدة منذ الغزو.كان الاعلام الغربي يطبل لاسطورة النمو في حين كانت الزراعة في العراق قد اندثرت تماما واصبح العراق بكل اراضيه الخصبة وانهاره الكبرى يعتمد اعتمادا شبه كلي في  امنه الغذائي على استيراد المواد الزراعية والغذائية من الخارج.(6)

كانت التقارير الغربية تنشر عن النمو المضطرد في حين ان مؤشرات نوعية او جودة الحياة كانت ترصد إختلالات جوهرية عميقة في كل القطاعات التنموية الأساسية، الاقتصادية والبيئية والبشرية منها.كان ملايين العراقيين، وفقا لتقارير “البرنامج الانمائي للامم المتحدة” وتقارير حكومية ايضا يعيشون في فقر مدقع في حين تعاني ملايين اخرى من النقص في الغذاء والدواء، ودون خدمات صحية وبيئية ضرورية، وسكن لائق، وحيث يعيش اغلب العراقيين في مستويات معيشية متدنية.كان نحو 25 بالمائة من السكان يعانون من البطالة بينما بلغت الأمية نسب عالية بين مجمل السكان في حين ان نصف الأطفال ظلوا محرومين من فرص الذهاب للمدرسة بينما بقي معظم العراقيين يحصلون فقط على 14.6 ساعة من الكهرباء يوميا  في حين كان نحو 38 بالمائة منهم فقط يحصلون على الماء النظيف.كان الحديث عن التنمية يجري في بلد لا تنقطع الأخبار فيه عن الانهيارات الأمنية ابتداء من حوادث الارهاب والعنف العشاوئي ونشاط المليشيات الى الاختطاف لقاء فدية وانتهاءً بالجريمة المنظمة وحيث تحيط الشركات الاجنبية مقراتها بالأسوار من كل جانب وتستأجر الشركات الأمنية الخاصة لحراستها كما تدفع الأتوات درءا لهجمات المافيات.ولم يقتصر الأمر على الشركات الصغيرة، بل ان شركات النفط الكبرى العاملة كانت تتعرض للابتزاز لقاء القبول بحمايتها من الهجمات او التفجيرات او اختطاف العاملين فيها من مافيات محلية.

في مقابل كل هذا الحديث عن التقدم كان يتم تجاهل الفساد المستشري في الصفقات والعقود التي تبرم بين الاجهزة الحكومية العراقية والشركات الاجنبية وتأثيرات كل ذلك على موارد العراق وعلى مجمل العملية التنموية فيه.فخلال هذه الفترة لم نسمع الا النزر اليسير عن قضايا الفساد التي جمعت مسؤولين عراقيين وشركات اجنبية والتي جاءت على خلفية مخالفات تتعلق بالقوانيين الوطنية في تلك الدول في حين نجت معظم القضايا التي كان يتم فضحها في العراق من المتابعة والتحقيق والملاحقة.وحتى حين تم الكشف عن تورط مسؤولين عراقيين في قضايا فساد مثل قيام شركة (GlaxoSmithKline) البريطانية للدواء عن دفع رشاوي لأطباء وصيادلة عراقيين يعملون لصالح “وزارة الصحة” العراقية وخضوع شركة (Leighton Holdings) الاسترالية للانشاءات للتحقيق لدفعها رشاوي للحصول على عقود عمل في مشروعات النفط في العراق فان الدول المعنية لم تسع لدفع الجانب العراقي لملاحقة المرتشين العراقيين، وبالطبع لم تفعل الحكومة العراقية ذلك.

لم تقم الجهات المعنية في كندا وسويسرا مع كل الامكانيات الهائلة المتوفرة لديها بملاحقة الفضيحة التي فجرها الوزير العراقي السابق “جواد هاشم” في شهر اب (أغسطس) 2011 بشأن توقيع “وزارة الكهرباء” عقدا مع شركة كندية تدعى( Capgent ) لبناء محطات للكهرباء في عدد من مناطق العراق قيمته حوالي 1.2 مليار دولار امريكي مع العلم انه ثبت ان الشركة لا وجود حقيقي لها حسب تفاصيل كثيرة نشرها هاشم.كما اخفقت سويسرا عن متابعة كشف المهندس العراقي “مثنى كبة” النقاب عن عقد وهمي وقعته الحكومة العراقية مع شركة مقرها في سويسرا لبناء مصفاة للنفط بقيمة 6 مليار دولار ولكن تبين الا وجود لهذه الشركة على ارض الواقع ايضا.(7)

كانت قصص الشركات الوهمية التي توقع عقودا وتقبض المليارات والتي تتداول على السنة العراقيين وعلى مواقع الانترنيت مهولة في تفاصيلها وفي ابطالها من العراقيين ومن الاجانب الا انها لم تكن موضعا للاهتمام من قبل وسائل الاعلام الغربية التي  تمتلك مكاتب وفيالق من العاملين وامكانيات هائلة للحصول على المعلومات في الدول المعنية وتدقيقها.كيف يتمكن عراقيان احدهما في كندا والآخر في سويسرا لا يمتلكان خبرات صحفية تحقيقية او مهارات الصحافة الاستقصائية من الوصول الى الشركات الوهمية بالوسائل الشحيحية التي لديهم ولا تتمكن من ذلك وكالات ابناء وصحف دولية عملاقة.

كان الحديث عن النمو والتنمية وربط ذلك بفرص الاستثمار امام الشركات الدولية جزءاً من تلك الأساطير التي حاكتها امريكا عن غزوها للعراق لتبرر الاحتلال وترسم صورة إيجابية عن نتائجه.كانت الآلة الاعلامية الامريكية تسعى لمواجهة الانتقادات المتزايدة للفساد الذي خلفته وراءها في العراق من خلال اظهار المنتقدين بانهم يبثون كل ما هو يدعو لليأس ويبث القنوط حول تجربة الاحتلال التي استنزفت  العراق ماليا وانهكته اقتصاديا، بعدما دمرته ماديا وبشريا.اما الزمر الحاكمة فمن الطبيعي ان يستهويها ترويج تلك الصورة الوردية المنافية للواقع المزري مهما انطوت على مبالغات وتدليس واكاذيب وان تشارك هي ايضا في الترويج لها بهدف رسم صورة مغايرة لحقيقة الخرابة التي جلست فوق أنقاضها  لتجكم في العراق الجديد.

ان الحقيقة المرة هي ان جزءا كبيرا من هذه النشاطات الاجرامية تقف وراءها مافيات دولية، من شركات، ومصارف، ورجال سياسة ومخابرات، وليست مجرد اعمال فردية، او مغامرات شخصية.هذا النوع من النشاط ينطوي على مصالح وتحويلات مالية وغسيل اموال تجري من خلال مؤسسات دولية عملاقة تخشى وسائل الاعلام ان تناول القضايا المتورطة بها لكي لا تزعجها حتى لا تقطع عنها اعلاناتها، مثلا.ان احد اشكال التواطئ المعروفة في الإعلام هو ما يسمى بتغير الموضوع، او مجرى الحديث، وهو في هذه الحالة التغير من تناول قضايا الفساد والنهب الى الحديث عن التنمية وفرصها المتوفرة، مما يعني في المحصلة النهائية توفير الغطاء للفساد والقائمين عليه.

لقد ظلت حكومة حيدر العبادي حتى الاسابيع القليلة التي سبقت انتخابات عام 2018 تتبجح بسياساتها التنموية ووضعها خطة تنموية خمسية جديدة للاعوام 2018-2022 وخطة اطول مدى للعام 2030 والتي لم يكن الحديث بشانهما الا كلاما مرسلا في اطار الدعاية الانتخابية نظرا لافتقاد الدولة لاية موارد استثمارية حقيقية وعجزها عن توفير ذلك من مصادر محلية او من المصادر الخارجية التي ظلت تشتكي دائما من الفساد وسؤ الادارة اللذان يعطلان عملية الاستثمار في العراق.ولقد وقع بعض الاقتصاديين والمتخصصين في شباك التدليس الذي مارسته عصابات “دولة علي بابا” في الترويج لاكاذيب التنمية في العراق.ففي 6 نيسان (ابريل) 2018 نقلت وسائل اعلام عراقية عن المستشار الاقتصادي للحكومة العراقية مظهر محمد صالح “ان العراق سيشهد تغييرا ملحوظا في النمو خلال السنوات القادمة مع انطلاق الخطة الخمسية للاعوام ٢٠١٨-٢٠٢٢.”واعاد صالح الذي يفترض به ان يكون اقتصاديا محترفا العزف على نفس الاسطوانة البالية بان المسار التنموي للخطة “سيترجم بصورة حقائق لبلوغ معدل نمو سنوي في الناتج المحلي الاجمالي يزيد على ٧ بالمئة مما يضاعف من الرفاهية كونه يزيد على معدل نمو السكان البالغ قرابة ٣ بالمئة سنوياً وبنسبة تزيد على الضعف”. (9)

لقد اكدت كل الدراسات والابحاث التي تتعلق بالتنمية بديهية اساسية وهي استحالة قيام تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية وفعالة في ظل تفشي ظاهرة الفساد بانواعه نظرا لوجود علاقة سببية بين حاجات التنمية وبين العوائق التي يضعها الفساد باطره الادارية والقانونية والسياسية.ان دولة اقامت نمطا اقتصاديا  كاملا قائما على النهب والاستحلال لايمكنها ابدا ان تطرح اي نموذج تنموي مستدام غير ذلك الذي يقوم على اتجاه اجباري واحد، وهو ذلك الذي يؤدي الى المزيد من الفساد والى تدمير كل الخيارات التنموية الممكنة وهو ما سيبقى امام العراقيين ان يتحملوه لعقود طويلة.

                     هوامش ومراجع ومصادر الفصل التاسع

 

 

1-انظر:”العراق مصدر جذب للمستثمرين الاجانب بعد تحسن الاقتصاد”، موقع فاينانشال تربيون، 14/12/2017

https://financialtribune.com/articles/world-economy/77896/iraq-attracts-foreign-investors-as-economy-improves

انظر ايضا:”العبادي: نتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.9٪ في العام المقبل”، موقع  الغد، 19/11/2017

https://www.alghadpress.com/news/%D8%A7%D9%87%D9%85-%D8%A7%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85/124155/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%86%D8%AA%D9%88%D9%82%D8%B9-%D9%86%D9%85%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%AA%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D8%A8%D9%86%D8%B3%D8%A8%D8%A9-29

2-انظر:”مصور يوثق النمو الاقتصادي في العراق منذ عام 2003″، موقع القيادة المركزية للقوات الامريكية،21/3/2010

http://www.centcom.mil/MEDIA/NEWS-ARTICLES/News-Article-View/Article/884024/photographer-documents-iraqs-economic-growth-since-2003

3-انظر:”هارديز وصل الان الى كردستان العراق”، موقع فايس، 17/11/2014

https://www.vice.com/en_uk/article/qbenw3/hardees-has-just-come-to-iraqi-kurdistan-102

4-انظر:”القضية الغريبة للبارونة نيكلسين مع العراق”، موقع كاونتربانش (بالانكليزية)، 26/2/2014

https://www.counterpunch.org/2014/02/26/the-curious-case-of-the-baroness-of-winterbourne/

5-انظر:مقابلة نوري المالكي مع مجلة ديرشبيغل، 23/3/2014

http://vista.sahafi.jo/art.php?id=c6e51ba2fe44127c9ba693fa72493d333fd86d67

6-انظر:”بعد عشر سنوات الاقتصاد العراقي ينمو، لكن كم هم المستفيدون؟، موقع ايرين الاخباري، 24/4/2013

http://www.irinnews.org/feature/2013/04/24/iraq-10-years-economy-grows-how-many-benefit

7-انظر:”كانت في العراق صناعة”، موقع الجزيرة،24/11/2013

http://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2013/11/24/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%B5%D9%86%D8%A7%D8%B9%D8%A9

8-انظر:”الكشف عن عقد مزيف آخر في العراق”، صلاح النصراوي، بالانكليزية، موقع الاهرام اولاين،15/12/2013

http://english.ahram.org.eg/NewsContent/2/8/89177/World/Region/Another-bogus-contract-in-Iraq-revealed-.aspx

9-انظر: “وزارة التخطيط: تحقيق التنمية المستدامة في العراق، مركز الروابط ،23 /1 /2018

 

http://rawabetcenter.com/archives/60587

 

دولة علي بابا

cover 5 

(8)

                                تمخض الفساد فولد بؤسا

 

 

للعراقيين تقاليد اجتماعية راسخة معروفة مزجت بين الموروث الحضاري والديني والعشائري الذي اختلط عبر القرون نتيجة لاستمرارية المجتمع وديمومته عبر دول وممالك وامبراطوريات وثقافات وعقائد، بعضها كان عالمي الامتداد وانساني الروح والنزعة.هذه التقاليد امتزجت في عصر الدولة العراقية الحديثة التي تأسست في مطلع القرن الماضي مع محاولات وتيارات التحديث لكي تنتج تقاليد مجتمعية جديدة ملائمة لروح العصر وغاياته ومتطلعة لبناء مستقبل واعد.ولم تنجوا هذه التقاليد والأعراف من الضغوط الاجتماعية المختلفة، ولا من من التحديات التي واجهتها عبر العقود التي تلت تشكل العراق الحديث، سواء ما كان منها يتعلق بالصراع بين القديم والجديد على الصعيد الاجتماعي، او القلاقل والاضطرابات والانقلابات على الصعيد السياسي.ولعل اكبر تلك التحديات التي شهدها العراق قرب نهاية القرن العشرين كانت التبعات الاجتماعية لسلسلة الحروب التي شنها “صدام حسين” والحصار الاقتصادي القاسي الذي عانى منه العراقيون لفترة ثلاثة عشر عاما ادت الى تفكيك الكثير من البنى الاجتماعية والاطاحة بها لصالح بنى افرزتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي سببتها الحروب والحصار والعزلة الدولية.

وكنتيجة طبيعية لتلك الاهتزازات السياسية والاجتماعية والمعاناة الاقتصادية خلال نحو سبعين عاما بدأت تظهر الكثير من الآثار السلبية والتدميرية على بنية المجتمع وعلى السلوكيات الفردية والجماعية من مشاكل اجتماعية واضطرابات نفسية وانهيارات قيمية تحمل تبعاتها الانسان العراقي.وبعد خمسة وثلاثين عاما على حكم البعث الاستبدادي ودكتاتورية صدام كان من الطبيعي ان يكون المجتمع العراقي قد مر باسؤ تجربة يمكن ان يمر بها شعب تحت الحكم الشمولي.لم يعرف العراقيون معنى حرية التعبير وحرية الفكر وحرية العمل السياسي والدستور ودولة القانون واستقلال القضاء، وكل ما له علاقة بالنظام الديمقراطي وممارساته.وكان خضوع العراقيين كل تلك السنوات للدكتاتور ونزواته قد تركت نتائج مريعة على منظومة القيم الاجتماعية التقليدية وعلى الانسان العراقي الذي اصبح بحكم رغبته في البقاء والنجاة مطواعا ومتكيفا مع الدكتاتور وطباعه وسياساته.ولعل اسؤ تداعيات المرحلة الصدامية اجتماعيا هي انها جعلت كل الآمال لدى الناس واحلامهم وتطلعاتهم تضطر لان تدور حول الهالة الموهومة للدكتاتور وحول عائلته وحزبه ونظامه لسبب واحد وهو انه منع اية احتمالية لتوفر البديل.

وبسقوط نظام “صدام حسين” كان العراقيون يأملون ان تنتهي معه تلك الصفحة الأليمة من تاريخهم، وبدء مرحلة جديدة يستعيدون فيها الدينامكية التي ميزت مجتمعهم الناهض مع دولتهم الحديثة، بداية القرن الماضي، بعد بدء تلاشي البنى القديمة الموروثة من عهد الدولة العثمانية.كان الأمل ان يعوض اي نظام جديد سنوات القطيعة التي حدثت مع  النهضة والتحديث، ويعيد العمل على بناء المجتمع بناءً حضارياً عصرياً.لكن ما حصل مع الحكم الجديد  القائم على الفساد والهيمنة بعد الاحتلال كان ارتداداً عكسيا دمر الكثير من البنى والقيم والانجازات الاجتماعية واعاد العراق عقودا طويلة الى وراء.هناك الكثير مما يمكن الحديث عنه حول الضربات الموجعة التي وجهت لمشروع الدولة الوطنية المدنية الديمقراطية، بل لمفهوم دولة القانون والمؤسسات، وخاصة في الفضائين الديني والقبلي حيث سادت النزعات الدينية الطقوسية والشعائرية والرمزية واحتل رجال الدين مكان الدولة ودورها في الكثير من الميادين، كما اضطردت ادوار العشيرة والقبيلة حتى انها تجاوزت محيطها القروي والبدوي، او المحلي الضيق، لكي تفرض قوانينها وقيمها وعاداتها على المدن الحضرية، بل وحتى على اجهزة الدولة ذاتها.

ان كل ذلك يأتي في اطار الابعاد السوسيولوجية الكثيرة للفساد وآثارها على الدولة والمجتمع من خلال سلطتي السياسة والمال اللتان تكتسبهما الجماعات المهيمنة والتي تستطيع من خلالها اعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية وانتاج المزيد من السلطة لها.فالمعروف ان الأبنية الاجتماعية يجري تشكيلها عادة من خلال الصراعات بين القوى المختلفة، وخاصة بين القيدم والجديد، وما تطرحه من افكار وتمثله من مصالح.ومن هنا فان القوى التي تمسك بالسلطة وبالمصادر هي في وضع افضل لكي تعيد صياغة المجتمع على هواها ورعاية مصالحها بالطريقة التي تشاء.وفي التجربة العراقية وفي الاطار السوسيلوجي الكلي فقد اثبت الفساد ومن خلال الثروات الهائلة التي تكدست لدى الجماعات الحاكمة انه كان عاملا كبيرا في محاولات هذه القوى اعادة صياغة ليس فقط العلاقات الاجتماعية وانما عقول الناس وقلوبهم ومصائرهم.

 اما في الاطار الجزئي فقد لعب الفساد من خلال نهب المال العام والرشاوي وتبادل المصالح دورا مهولا في تغير نمط العادات والسلوك ومنظومة القيم والمؤسسات الاجتماعية ودمر ثقة الافراد بها وبالمجتمع نفسه بعد ان دمر ثقته بالدولة.ما انتجه الفساد على هذا الصعيد هو هدم ما تحقق عبر عقود من الزمن في بناء منظومة قيمية واخلاقية للمجتمع تتماشى مع مساعي بناء دولة حديثة، واعادة تلك الجهود الى نقطة الصفر.هناك الكثير الذي يمكن ان يقال بشأن التداعيات السلبية التي خلفها الفساد اجتماعيا والتي ورد البعض منها في ثنايا فصول هذا الكتاب ولكني سأقتصر هنا على بعض الجوانب التي تكشف الأدوار المباشرة للجماعات المتنفذة في ما وصل اليه العراق من الانحطاط الإجتماعي كما تكشف كيف ان نتائج الفساد اصبحت هي منظومات القيم السائدة بدل المنظومات القديمة.

من الظواهر الناتجة عن هذا الانهيار الكبير في البنى الإجتماعية هو زيادة معدلات الجريمة غير المرتبطة بالعنف الطائفي او الارهاب بشكل اسثنائي ومتصاعد في العراق. فوفقا لموقع البيانات (نامبيو) فان العراق احتل المرتبة الرابعة في الشرق الأوسط في الدول التي يتدهور فيها الأمن عام 2017.ووفق الموقع ذاته فان الجرائم المرتكبة شملت حوادث القتل والنهب والسرقة والسطو المسلح واقتحام المنازل وسرقات السيارات والاعتداءات المباشرة وغيرها من الجرائم الجنائية العادية.كل ذلك جعل بغداد استنادا الى تقرير آخر نشره موقع “اي. بي. سي. نيوزبوينت” تتربع مع تسع دول اخرى اخرى على عرش المدن الأكثر خطورة في العالم.(1) 

وفي الوقت الذي يرتبط ذلك الارتفاع الهائل لمعدلات الجريمة بالجو العام الذي خلقته الانهيارات الأمنية التي تسبب بها الارهاب، الا ان جزءاً كبيراً من اسبابها يظل مرتبطا بالممارسات التي خلقها الفساد وخاصة داخل مؤسسات انفاذ النظام والقانون.وخلال السنوات المنقضية نشرت اللآلاف من التقارير الصحفية، او تلك الصادرة عن منظمات حقوق الانسان، او الشهادات الشخصية بخصوص حالات الفساد في الأجهزة الامنية التي تؤشر على  الدور الذي تلعبه الأحزاب والجماعات الحاكمة داخل هذه الأجهزة مما يمنعها من القيام بواجبتها، او استغلالها مراكزها في في نشر الفساد.(2)

ولم تكن الكثير من الجرائم لتقع بمعزل عن عمل الجماعات السياسية والجهات المتنفذة فيها مما يكشف عن الصلة المباشرة بين الفساد الذي تمارسه هذه الجماعات وانتشار الجريمة.ومن الظواهر المخيفة في هذا المجال هو تزايد حالات الخطف من قبل جهات سياسية او عصابات على صلة بها.في  كانون الاول  عام 2014 خرجت وسائل الاعلام العراقية بخبر صاعق وهو بيان من وزارة الداخلية تعلن فيه القاء القبض على زعيم عصابة خطف في بغداد بالتعاون مع وزير النقل انذاك “باقر جبر الزبيدي”.ووفقا لحيثيات الاعلان فان من القي القبض عليه هو “كميل علي محمد” الذي تزعم عصابة خطف في بغداد”.ما لم يشر اليه البيان ان كميل هو ابن اخ الوزير الزبيدي الذي هو عضو قيادي كبير في “المجلس الاسلامي الاعلى في العراق”، احدى ابرز جماعات الاسلام السياسي والذي تبؤ قبل ذلك عدة مناصب وزارية ومنها وزارة الداخلية.

الزبيدي كان قد اصدر بيانا بعد ظهور الفضيحة يقر فيه بجرائم ابن اخيه، الذي يعمل ضمن فريق حمايته  الشخصية، والتي ارتكبها مع “مجموعة من الذين يعملون في الاجهزة الاستخبارية” وتوعد انه سيتابعها عند القبض على الجناة الهاربين”. ما لم يشر اليه الزبيدي هو العديد من الجرائم التي كانت تتداول على السنة الناس في بغداد والتي تشير باصابع الاتهام الى ابن اخ الوزير وافراد في حمايته والتي لم يكن بامكانه التغطية عليها بعد ان فاحت رائحة آخر جريمة اختطاف قام بها وهي لشابة من عائلة شيعية ووصلت الى اتهام المجلس ورئيسه “عمار الحكيم” بالتغطية عليها.(3)

كانت تلك واحدة من جرائم لاحصر ولا عد لها ارتكبت من قبل اشخاص يرتبطون بالجماعات الحاكمة، لكن اهميتها تكمن في انها من المرات النادرة التي يضطر المسؤولون فيها الى الاعلان عن بعض تفاصيلها لاسباب هي في الحقيقية لا تتعلق باحقاق العدل ومعاقبة المتهمين في جرائم راح ضحيتها مواطنون ابرياء، ولكن بسبب محاولات تصفية الحسابات في الصراعات الدائرة بين جماعات الحكم ذاتها.ولم يكن اقرباء او مسؤلي حماية الزبيدي هم اول من ارتكب مثل هذه الجرائم البشعة التي تناولتها اجهزة الاعلام فقد سبق ذلك قيام مجموعة في حماية القيادي الآخر في المجلس ونائب رئيس الجمهورية “عادل عبد المهدي” بالسطو على فرع “مصرف الرافدين” في منطقة الزوية في الكرادة ليلة 30 تموز (يوليو) 2009 وسرقة مبلغ قدره 8 مليارات دينار (حوالي 8 مليون دولار) كما قتلوا ثمانية من الحراس.حرص عبد المهدي على النأي بنفسه عن القضية، ولكن كما في قضية ابن اخ الزبيدي فقد اختلط الحابل بالنابل في عرض تفاصيل القضية ولم يستطع العراقيون ان يتعرفوا على تفاصيل هذه الجرائم وغيرها كما لم يتم الافصاح عن العقوبات التي وجهت للجناة او معرفة مصيرهم.وروجت العديد من التقارير يومها ان العملية جرت بعلم وربما بتخطيط من عبد المهدي الذي كان يسعى لشغل منصب رئيس الوزراء الفعال بهدف اظهار ضعف السلطة وهشاشتها وعدم قدرتها على حماية بنك يقع في معقل المربع الأمني التي تديره.(5)

لقد اشاعت تلك الممارسات ظواهر اجرامية تنسجم مع “ثقافة دولة علي بابا” التي دشنتها المرحلة والتي بدأت بعمليات النهب اثناء الغزو والتي اطلق عليها العراقيون “الحواسم” سخرية من الفوضى التي نتجت عن الحرب التي اطلق عليها صدام حسين تلك التسمية.ما لم يدركه العراقيون ان تلك الممارسات ستبقى مستمرة سنوات طويلة ويستمر معها استنزاف المال العام والثروة الوطنية سواء اكانت نفطا مسروقا، او اراضي الدولة التي يتم الاستيلاء عليها، او رشاوي وإختلاسات.وفي فترة لاحقة سيبتكر العراقيون تعبير “العلاسة” وهي كلمة تشير الى المجرمين الذين يتبعون شخص، أو مجموعة من الأشخاص، من أجل تنفيذ عمل إجرامي، مثل الاختطاف والسرقة والقتل بمساعدة من اشخاص ينتمون للجهاز الأمني، او الميلشيات المسلحة مقابل اموال او خدمات.اما الكلمة ذاتها فجاءت من جذر ” علس ” وهي بالعامية العراقية  تعني بها فرم الشيء أو عصره وهو ما يغني عن اي شرح آخر.(6)

ولم يقتصر دور الجماعات السياسية على القيام بالجرائم لمصلحتها ومصلحة انصارها، بل امتد ايضا الى رعاية الجماعات الإجرامية والمافيات واقامة شراكة فعالة معها.فقد كشف النائب المستقل “فايق الحاج علي” ان مليشيات وجماعات سياسية شيعية سماها بـ”جماعات الاسلام المزيف” تقوم بحماية صالات القمار والملاهي البارات ومحلات بيع الخمر في بعض مناطق بغداد لقاء أموال طائلة تجبيها شهريا.كما كشف ان هذه الجماعات تحمي ايضا عصابات تهريب المخدرات  القادمة من ايران.بل وذهب الى ما اكثر من ذلك حين قال”حتى القوادون يدفعوا امولا للاحزاب الاسلامية في العراق.(7)

في نفس اليوم الذي صرح به الشيخ علي باتهاماته اعلنت وزارة الداخلية  انها اغلقت 40 مما توصف بأنها “نوادٍ ليلية” في بغداد. لكن الكاتب عدنان حسين، ونقلا عن معلومات متوفرة لديه مصدرها وزارة الثقافة والسياحة والآثار ذكر انها مئات وليست اربعين وانها “قائمة رغماً عن أنف القانون في العاصمة وان وهي في الغالب ليست نوادي وانما “محال للدعارة وبيع المخدرات وغسل الأموال وسوى ذلك من الأعمال الخارجة على القانون.”ومرة اخرى يضيف حسين بان المعلومات المتوفرة لديه بشأن هذه النوادي تفيد بأن جماعات وعصابات مسلحة تقف وراء إنشاء هذه المحال وهي تفرض عليها الأتاوات بعشرات آلاف الدولارات شهرياً مقابل توفير الحماية لها وللقائمين عليها. (8)

واذا كان من المتوقع ان يؤدي الفساد المتعاظم الى استنزاف موارد الدولة والى مصاعب اقتصادية ينتج عنها الفقر والبطالة والحاجة فان واحدة من نتائج ذلك هو انتشار التسول كظاهرة اجتماعية تعكس حالة الحرمان التي يعاني منها المواطنون الأكثر تأثرا، مما يضطرهم الى اللجوء الى التسول لسد حاجاتهم وحاجات عوائلهم الاساسية.الا ان الأكثر بشاعة هو ان يتحول التسول الى ظاهرة اجرامية تديرها عصابات ومافيات تعمل في الشوارع والساحات العامة وتحت انظار الاجهزة الأمنية.لا يرتبط الأمر بظاهرة اولاد الشوارع وما يصاحبها من جنوح، بل بتصرفات اجرامية كالاعتداء على المارة وعلى سياراتهم وقذفهم بالحجارة او حتى مهاجمهتم بآلات جارحة وسكاكين.وفي ظل الظروف الصعبة والتدهور الأمني فقد اصبحت الشوارع المكان الذي تفرخ فيه عصابات الجريمة بالاعتماد على الأحداث الذين يجري تجنديهم في هذه الأماكن.(9)

 

ويمثل انهيار العملية التعليمية والتربوية احدى تجليات التداعيات السوسيولوجية للفساد نظرا للأبعاد الخطيرة لهذه الآفة المدمرة والتي ستتجاوز الكثير من نتائجها الكارثية في المؤسسات والهياكل الاجتماعية الحالية الى أجيال عديدة لاحقة من العراقيين الذي سيعانون لعقود طويلة قادمة من تردي المستويات التعليمية والتربوية.وفي حين عانى التعليم العالي والجامعات العراقية من مختلف أوجه الفساد المالي والاداري  والسياسي التي طالت مختلف اوجه العملية التعليمية، ظلت ملفات الفساد فيها عصية امام المحققين نظرا لرفض الوزراء الذين تولوا المسوؤليات فيها تباعا على التعاون مع “هيئة النزاهة” والبرلمان بسبب تشابك مصالح الجماعات السياسية الحاكمة مع قضايا الفساد المختلفة والتي تورطت فيها أحزاب السلطة ومليشياتها بشكل او بآخر.(10)

اما وزارة التربية المسؤولة عن مراحل التعليم ما قبل الجامعي بكل مستوياته فانها عانت هي الأخرى من اوجه الفساد المختلفة خلال تولي وزراء من مختلف الكتل السياسية حتى انها جاءت عام 2016 بالمرتبة التاسعة في سلم الفساد الحكومي بموجب احصائية لـ”هيئة النزاهة” بمجموع ملفات فساد بلغت نحو تسعة آلاف ملف، متفوقة بذلك على نحو عشر وزارات جاءت بعدها في ذلك السلم.(11)

لم يكن النظام التعليمي في العراق الموروث من زمن صدام حسين مثاليا فقد وصل في  نهاية عهده الى درجة من السؤ وربما التدهور لم يسبق له مثيل.فوفقا لليونسكو فان نظام صدام ورث نظام تعليميا اصبح في الثمانينات يتمتع بـ”معايير رفيعة المستوى بامتياز”(12).غير ان هذا المستوى المتقدم نسبيا مقارنة بمثيلاته في المنطقة تراجع بسبب السياسات التعلمية الخاطئة والتي جاءت نتيجة هيمنة النظام الأيديلوجية والسياسية والتحكم في المناهج الدراسية وفي تدريب وإعداد المدرسين وفي إخضاع العملية التربوية برمتها لفكر وفلسفات الحزب الحاكم.وساهمت الحروب التي شنها صدام وتأثيراتها الإقصادية، ومن ثم الحصار الدولي الذي فرض على العراق بسبب غزو صدام للكويت، بانهيار النظام التعليمي مما ادى الى نتائج مأساوية على العملية التربوية والتعليمية بجميع مراحلها وعلى جهود البحث العلمي والتطوير.ما افرزته المرحلة اللاحقة من نتائج هو خروج العراق من معايير جودة التعليم العالمية وهو ما تؤكده تقارير دولية عديدة، منها مؤشر التعليم في “تقرير التنمية البشرية” لـ”برنامج الامم المتحدة الانمائي” الذي وضع العراق في المرتبة 120 من بين 187 من دول العالم ومؤشر “المنتدى الاقتصادي العالمي” المعروف بـ”دافوس” الذي اخرج العراق اساسا من جدول دول الشرق الاوسط موضوع الدراسة وتقرير جودة التعليم غربيا وعالميا.(13)

وفي اطار مساعدة العراق في مواجهة التحديات التي خلفها نظام صدام في قطاع التعليم وتحسين جودته اقترحت منظمة “اليونسكو” بعد الغزو خططا استهدفت تطوير العملية التربوية من خلال التركيز على اعادة تأهيل البنى التحتية، والكوادر التعليمية، وتطوير المهارات التعليمية، والمناهج الدراسية.وجاءت مقترحات “اليونسكو” التي قدمتها بعد دراسات مستفيضة للنظام التعليمي وللبنى التحتية للمؤسسات التعليمية والتي لاحظت فيها تدهورا فضيعا شمل المباني التعليمية التي كانت قاصرة ان تستوعب الاعداد المتزايدة من السكان وحيث الاكتظاظ الهائل للغرف الصفية بالطلاب الذين لايجدون مكانا لهم في المدارس مرورا بضعف القدرات التدريسية وارتفاع معدلات الغياب والاعادة والتسرب.

لكن بدلا من ان تسعى الجماعات التي جاءت للسلطة بعد الغزو الى العمل على بث الحياة من جديد في النظام التعليمي واستعادة المعايير رفيعة المستوى التي كانت تميز النظام التعليمي في عقد الثمانينيات وقبله وتطويره بما يتناسب مع  التطورات على الصعيد العالمي، ومع حاجات البلد الجديدة الى عملية البناء التي يشارك فيها جيل جديد من المهندسين والعلماء والخبراء والفنيين، فقد عملت كل ما في وسعها لكي ينتكس القطاع التعليمي ويعود سنين طويلة الى وراء. فبعد اكثر من عشر سنين من الاحتلال وتولي زمر “دولة علي بابا” الحكم ظلت الآلاف من المدارس في العراق تعاني من غياب الأبنية المناسبة ومن مقاعد الدراسة ومن المعلمين ومن الكتب وكل المستلزمات الدراسية.(14)

تكمن مظاهر الفساد في التعليم عموما كما نوه الى ذلك تقرير لـ”المعهد الدولي للتخطيط التربوي” التابع لـ”لليونسكو” في شحة التمويل، وفي الاداء الاداري للمعلمين، وسلوكهم، وفي الأبنية  المدرسية، وفي انتاج وتوزيع الكتيبات المدرسية، وتنظيم الامتحانات.،كما تكمن المشكلة في تفشي الغش وفي نظام اعتماد الشهادات واصدار التراخيص في قطاع التعليم العالي، وفي الدروس الخصوصية وغيرها من الممارسات الضارة.الاستنتاج الرئيسي في هذا التقرير ان الفساد السائد في قطاع التعليم العراقي منذ الاحتلال الامريكي فاق مثيلاته في العالم كثيرا، وخاصة اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار النفقات الهائلة المقررة والتي كان يجب ان تستخدم في اثراء العملية التعليمية.(15)

ومن أبرز نتائج الانهيار التام في مختلف أركان العملیة التربوية نتيجة للفساد في قطاع التعليم هو تدهور البنى التحتية للمنشآت التعلیمیة، التهديدات الامنية، هجرة المعلمين والخريجين والطلاب، تسرب عدد كبیر من الأطفال من التعلیم، تصاعد استهداف المعلمین والقائمین على المؤسسات التعلیمیة، واستنزاف الموارد المالیة المحدودة المخصصة للتعلیم، وخاصة تلك المتعلقة بالكتب الدراسية وأجور المعلمين.ولم تقتصر مشاهد الواقع المزري في المدارس والمؤسسات التعليمية على القرى والمناطق الريفية بل وشملت ايضا العاصمة بغداد والمدن الكبرى حيث تعجز هذه المؤسسات عن استيعاب العدد المتزايد من الطلبة مما يضطرها اما لرفض الطلاب الجدد، او القبول بتكدس هائل للطلبة في الصفوف الدراسية.ان معظم أسباب تصدع أركان العملية التعليمية هو الفساد وسؤ الادارة والتوظيف السياسي للعملية التعليمية من قبل زمر الحكم وجماعاتهم المتسلطة.

غير ان اخطر ظاهرة رافقت الفساد في التعليم هو عمليات الغش في الشهادات المدرسية والجامعية التي كانت تتم لأغراض التعيين في دوائر الدولة، وفي اجهزة القوات المسلحة والأمن، وخاصة في المواقع العليا، وبغية هيمنة العناصر التي تنتمي الى الجماعات الحاكمة على جهاز الدولة. لقد شكل الكشف عن حالات التزوير في كل مرة فضيحة أخلاقية وسياسية مدوية، نظرا لان معظم المتهمين بالتزوير كانوا من اعضاء، او اتباع، او حتى من قيادات هذه الجماعات التي تستغل الدين للهيمنة على السلطة.ومع توالي الكشف عن الشهادات المزورة في مؤسسة بعد اخرى وفي عام بعد آخر الا انه لم يتم الافصاح بشكل رسمي عن العدد الكلي عن هذه الشهادات المزورة والتي تستخدم دائما للتعيين والترقية والحصول على عدد كبير من الامتيازات.(16)

وفي خطوة اعتبرت تحد سافر لكل الشرائع السماوية والوضعية والاخلاقية قرر البرلمان الذي تسيطر عليه الجماعات الاسلامية ذاتها شمول المزورين بالعفو عن الجرائم التي قاموا بها والتي أهلتهم للحصول على الوظائف والرواتب التي استلموها بموحب الشهادات المزورة.ورغم ان قانون العفو العام  رقم 27 لسنة 2016 استثنى المزورين ممن هم في درجات عليا من العفو الا ان تفسيرات القانون اللاحقة التي وفرتها جهات قانونية وتنفيذية فسحت المجال لهؤلاء المزورين بالافلات من العقاب، بل البقاء في مناصبهم العليا والاستمتاع بالسلطة وبالرواتب العالية التي يتقاضونها. (17)

ما تكشفه هذه الوقائع وغيرها ان قانون العفو هذا والذي مرر بعد مساومات عديدة بين شركاء “دولة علي بابا” وفقا لتفاهمات المحاصصة الطائفية كان ضربة قاصمة توجه للعملية التعليمية في العراق لانه اسس بالنتيجة لقاعدة وهي ان التزوير والغش والتدليس هي الطرق التي ينبغي سلوكها من اجل الحصول على الوظائف وترقي سلم المسؤليات وليس التحصيل العلمي والاكاديمي او الاجتهاد والمثابرة.اما في المجال العملي فقد رسخ لفكرة ابعاد الكفاءات والكوادر العلمية والاكاديمية والمتعلمين وتسليط اهل الثقة بدلهم.

في السنوات الاخيرة لجأت السلطات الى قطع خطوط الإنترنيت عن كل المدن العراقية في ساعات الصباح في الأيام التي تجري فيها الإمتحانات النهائية وذلك بحجة ان الطلاب يلجأون الى الغش من خلال الاستعانة بتلفونات المحمول التي تنقل لهم الاجابات عن الاسئلة الامتحانية.ووفقا لتقارير صحفية فان طريقة الاتصال تجري عن طريق سماعات اذن خاصة غالية الثمن تركب بطريقة يصعب اكتشافها ويجري من خلالها تلقي الأجوبة مما يساعد الطالب على اجتياز الامتحانات بنجاح.(18)

واذا كان هذا الاجراء يعتبر اعترافا رسميا بتفشي ظاهرة الغش في الامتحانات خلال السنوات الأخيرة فانه في الواقع يسلط الضوء على الكثير من الحقائق المثيرة التي تتعلق بالعملية التعليمية في العراق منذ سقوط نظام صدام وما آليه من فشل واخفاق ذريعين على يد الجماعات الاسلامية السياسية التي ادارت دفة السلطة وفرضت على المجتمع ثقافتها التي انتجت بالنهاية عملية تربوية وتعليمة وصفتها مديرة عام اليونسكو انذاك :ايرنا بوكوفا” بانها “الأزمة الخفية” في العراق.(19)

ما آلت اليه العملية التربوية في العراق على يد تلك الجماعات والفساد الذي نشرته في كل ارجاء الهياكل التعليمية سيحتاج الى عملية إصلاح جذري قد تستغرق سنين طويلة وتتطلب جهوداً جبارة.فبالامكان الآن تصور المستوى الاكاديمي والعلمي لأجيال من العراقيين تم تخريجهم من الجامعات العراقية في تلك الفترة والذين لم تتسنى لهم الفرصة في تلقي تعليما وتدريبا مناسبا يؤهلهم للعمل وخاصة في الحقول العلمية والتطبيقة كالطب والصيدلة والهندسة بفروعها المختلفة.اما الكارثة الأخرى فهي جيش الأميين وانصاف المتعلمين الذين لفضتهم المدارس والذين سيشكلون عبئا هائلا على انفسهم وعلى عراق المستقبل.ان اي اصلاح لمنظومة التعليم يحب ان تأتي في اطار عملية اعادة البناء والتي ستجيء بدورها مع انتهاء الصراعات الأهلية وتحقيق الاستقرار وعودة الأمن، وقبل ذلك مكافحة الفساد بكل اشكاله والذي اصاب بمقتل العملية التعليمية، مثلما اصاب كل جوانب التنمية البشرية في العراق.

 

وفي اطار التداعيات السوسيولوجية للفساد تبرز مشكلة تنامي الأمراض النفسية وتأثيراتها البالغة على الحالة الصحية للسكان بدءا من انعكاساتها السلبية على العلاج النفسي للصدمات التي تعرض لها قطاع كبير نتيجة الصراعات والحروب وانتهاء بتاثيراتها على الطاقات الانتاجية وعلى عملية التنمية البشرية والاقتصادية.لقد تعرض العراقيون خلال اكثر من عقدين من الزمن خلال فترة حكم البعث الى أزمات نفسية حادة نتيجة للقمع الذي سلطته جمهورية الخوف التي اقامها صدام  وللحروب والازمات السياسية والمقاطعة الاقتصادية الدولية.ولم تنته تلك المعاناة مع النظام الجديد، بل ان العكس هو الصحيح، فقد جاءت ظروف عدم الاستقرار والصراعات الأهلية والارهاب الوحشي الذي وصل الى عمليات الذبح والحرق والاغتصاب اضافة الى الأزمات الاقتصادية والمعيشية كي تفاقم من المشكلة وتزيد من اعداد الذين يعانون من الأمراض والاضطرابات النفسية والسلوكية والتي جعلت العراق برمته يدخل بسببها في ما يشبه حالة من العصاب الوطني.

لا تتوفر ارقام نهائية عن عدد العراقيين الذين عانوا خلال هذه الفترة من الاضطرابات النفسية الا انها ظلت في تزايد مستمر بسبب النقص في العناية والمستلزمات الطبية واستمرار معاناة الناس من نفس الأسباب التي ادت الى اصابتهم بالأعراض، وعلى رأسها الازمات السياسية، والاضطرابات الاجتماعية المستعصية واستمرار حالة الشعور بعدم الاستقرار وغياب الاحساس بالأمن وتنامي العنف والتدهور الاقتصادي والبطالة وانعدام الخدمات.ووفقا لـ”منظمة الصحة الدولية” و”منظمة اطباء بلا حدود” فان الاضطرابات النفسية والعاطفية كانت تشكل عام 2009 السبب الرابع وراء الامراض والاعتلالات الصحية للعراقيين من هم فوق سن الخامسة.وكانت المنظمتان قد قدرتا نسبة من يعانون من هذه الاضطرابات عام 2006 بنحو 18.6 بالمائة من عدد العراقيين البالغين.(20)

ويأتي ارتفاع نسبة الانتحار بين العراقيين خلال السنوات الماضية كأحد العوامل المباشرة لانعاكاسات تدهور الأحوال الاجتماعية وتأثيراتها النفسية المباشرة على نوعية الحياة.ورغم ان الجهات الحكومية حاولت ان تخفي او تخفف من عدد حالات الانتحار، او ان تعزوها لأسباب اخرى، الا ان منظمات دولية ومحلية وتقارير مختلفة اشارت الى تحولها من حالة الى ظاهرة كما عزتها الى الضغوطات النفسية والمعيشية التي بدأ الانسان العراقي يتعرض لها خلال هذه الفترة.(21)

واذا كان واقع الحال يشير الى ان عقودا من العيش تحت دكتاتورية ودموية نظام صدام وحروبه قد اخذت نصيبها في تدمير نفسية العراقيين، فان الصدمات الحادة التي عانى منها العراقيون تحت الحكم الذي اتى به الاحتلال الامريكي جعلت من المجمتع العراقي مجتمع مأزوما نفسيا الى درجة الشيزوفرينا الجماعية.وكان من بين من نتائج هذه الأزمة النفسية العامة تعمق الشعور بعدم الانتماء وفقدان الإحساس بالولاء الوطني وتنامي النزعات الطائفية والعرقية وتفاقم فقدان الثقة بين الناس بعضها بالبعض الآخر.وعلى مستوى العلاقات الإجتماعية فقد اصبح واضحا ان هناك انهيارا في منظومات القيم الأساسية تمثلت بانعدام حضور قوة الضمير الاخلاقي وغياب تحمل المسؤولية المجتمعية وعدم توفر الانضباط والاتقان والاخلاص في العمل.ولم تعد قيم التسامح والحميمية وتجاوز الذات والتعاون والعطاء التي كانت من طباع اغلب العراقيين متوفرة، وبدأت تحل محلها قيم سلبية كالتعصب المذهبي والقومي ورفض الآخر والتطرف والسرقة والنصب والاحتيال والعدوانية والغش وتخريب الممتلكات العامة وامراض إجتماعية كالادمان على الكحول والمخدرات والحسد والكذب، وغيرها من الخصال الذميمة.

لم تكن كل تلك الإضطرابات النفسية الا نتيجة الانهيار الاخلاقي الذي تفشى في جسد العراق والذي صنعته بيئة الفساد الكبرى التي طالت الوسط الاجتماعي العام الذي يتحرك ويعيش فيه الفرد ومع المطالب والعوامل والضغوطات التي تتفاعل به.فلقد خلق الفساد تناقضا جوهريا بين تلك التطلعات التي راجت بعد سقوط نظام صدام باعلاء قيم المواطنة والحقوق والمساواة وبين الواقع الفعلي الذي انشأته دولة خلفائه.كان التناقض متجليا بين الدعاوي المؤسسة للحكم الجديد كالمظلومية واقامة دول العدل الإلهي، وبين الحقيقية التي يعيشها العراقيون في ظل “دولة علي بابا” المتجردة، ليس فقط من العدل والانصاف، بل وايضا من مكارم الاخلاق التي هي مقصد كل مصلحة عامة كما هي أساس كل مقصد من مقاصد الشريعة الاسلامية.

 

 

 

 

                       هوامش مصادر ومراجع الفصل الثامن

 

 

1-انظر:”موقع قاعدة البيانات نامبيبو على الانترنيت بشأن معدلات الجريمة في بغداد في عام 2017″

https://www.numbeo.com/crime/in/Baghdad

انظر كذلك:”بالخريطة هنا يقع العراق ضمن تصنيفات معدل الجريمة”، موقع السومرية، 11/4/ 2016

http://www.alsumaria.tv/news/200567/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A9-%D9%87%D9%86%D8%A7-%D9%8A%D9%82%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%B6%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B5%D9%86%D9%8A%D9%81-%D9%85%D8%B9%D8%AF%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%85%D8%A9/ar

2-انظر ايضا:”بغداد على لائحة اخطر 10 مدن في العالم”، موقع السومرية،26/9/2016

http://www.alsumaria.tv/news/180695/%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%84%D8%A7%D8%A6%D8%AD%D8%A9-%D8%A3%D8%AE%D8%B7%D8%B1-%D8%B9%D8%B4%D8%B1-%D9%85%D8%AF%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D9%84/ar

3-انظر:”وزير عراقي يتحدث عن دور الفساد في الدولة في عرقلة القتال ضد داعش”، جريدة الاندبيندت، (بالانكليزية)، 1/3/2016

http://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/war-with-isis-iraq-s-interior-minister-on-why-his-country-is-impotent-against-the-militants-a6905941.html

4-انظر:”شهادة شخصية للإعلامية  نور القيسي، “نور القيسي : الجنس مقابل البراءة من الارهاب .. ومفعول إبرة الحجي!”، موقع وكالة الصحافة الاوربية،18 /10/2017

http://europressarabia.com/?aa=news&id22=10876&iraq=%E4%E6%D1%20%C7%E1%DE%ED%D3%ED%20:%20%C7%E1%CC%E4%D3%20%E3%DE%C7%C8%E1%20%C7%E1%C8%D1%C7%C1%C9%20%E3%E4%20%C7%E1%C7%D1%E5%C7%C8%20..%20%E6%E3%DD%DA%E6%E1%20%C5%C8%D1%C9%20%C7%E1%CD%CC%ED

5-انظر:”تفاصيل القاء القبض على العصابة التي سرقت مصرف الزوية، المنتدى العراقي، 1/8/2009

http://www.iraqiforum.net/vb/2624.html

انظر ايضا:”نفاق الإسلام السياسي في العراق..عادل عبد المهدي نموذجا”..موقع الحوار المتمدن،7/10/2009

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=187124

6-انظر:”العلاسة في سطور”، موقع منتديات العراق، 18/7/2006

http://iraq.iraq.ir/vb/showthread.php?t=16582

7-انظر:”أحزاب إسلامية شيعية هي من يحمي البارات والملاهي في بغداد”، النائب فائق الشيخ على، على يو تيوب.

https://www.youtube.com/watch?v=exV4nt7ViDA

انظر كذلك:”ملاهي بغداد المورد الثاني للمليشيات بعد الخطف”، العربي الجديد، 9/8/2017

https://www.alaraby.co.uk/amp//society/2017/8/9/%D9%85%D9%84%D8%A7%D9%87%D9%8A-%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B1%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%84%D9%84%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D9%81

8-انظر:”نعم لإغلاق هذه “النوادي”، عدنان حسين، المدى، 10/ 8/ 2017

http://www.almadapaper.net/ar/news/534419/%D9%86%D8%B9%D9%85-%D9%84%D8%A5%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%82-%D9%87%D8%B0%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AF%D9%8A#.WYtg_1nE2hw.facebook

9-انظر:”شبكات منظمة للتسول في بغداد… والأطفال أبرز الضحايا”، موقع العربي الجديد، 8/11/2017

https://www-alaraby-co-uk.cdn.ampproject.org/c/s/www.alaraby.co.uk/amp/society/2017/11/8/%D8%B4%D8%A8%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%85%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%B3%D9%88%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%A3%D8%A8%D8%B1%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%B6%D8%AD%D8%A7%D9%8A%D8

%A7

10-انظر:” مجلس النواب يرسل ملفات فساد خاصة بوزارة التعليم العالي الى هيئة النزاهة”، موقع واحة الحرية /06/29 2013

http://alhurrya.com/archives/38723

11-انظر:”قائمة بملفات الفساد في الوزارات العراقية وفقا لإحصائيات هيئة النزاهة، عراق بريس 1/1/ 2016،

https://www.iraqpressagency.com/?p=1782

12-انظر:”استراتيجة اليونسكو لدعم التعليم الوطني جمهورية العراق، تقرير 2014

http://www.unesco.org/new/fileadmin/MULTIMEDIA/FIELD/Iraq/pdf/Publications/UNESS_2011%20Arabic.pdf

13-انظر:مؤشر برنامج الامم المتحدة الانمائي

http://hdr.undp.org/en/content/education-index

انظر كذلك:”اي البلدان تأتي في المقدمة في المهارات والتعليم، المنتدى الإقتصادي الدولي،13/5م2015

https://www.weforum.org/agenda/2015/05/which-country-comes-top-for-skills-and-education

انظر ايضا:” العراق مستمر في خروجه من معايير الجودة في التعليم”، موقع التحرير 19/11/2017 نقلا عن وتقرير جودة التعليم عربيا وعالميا

http://altahreernews.com/inp/view.asp?ID=35246

14-انظر:”التعليم في العراق…مدارس بلا ادراج وتلاميذ بلا كتب”، موقع بغداد بوست، 30/10/2016

http://www.thebaghdadpost.com/ar/story/7177/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%85%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%B3-%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%A3%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%AC-%D9%88%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%B0-%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%86-%D9%83%D8%AA%D8%A8

15-انظر:”مدارس فاسدة وجامعات فاسدة مالذي ينبغي عمله، تقرير اليونسكو، 2007

http://unesdoc.unesco.org/images/0015/001502/150259e.pdf

16-انظر:”كيف تغلغلت الشهادات المزورة الى مناصب قيادية في العراق؟، موقع يقين، 15/8/2017

http://yaqein.net/investigations/52962

17-انظر:”السلطات القضائية تعلن آلية شمول المزورين بالعفو”، قنا السومرية، 27/ 12 /2016

http://www.alsumaria.tv/news/190187/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%86-%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%B4%D9%85%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B2%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%86-%D8%A8/ar

18-انظر:”سعر القطعة 1000 دولار:طلبة المراحل المنتهية يستعدون للإمتحانات بسماعات الغش، موقع الجورنال،

http://journaliraq.com/%D8%B3%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D8%B9%D8%A9-1000-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1-%D8%B7%D9%84%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%A6

19-انظر:”مديرة اليونسكو تقول ان التعليم والثقافة في العراق هما مفتاحا مستقبل البلد نحو السلام والإستقرار”، موقع جمعية موظفي الامم المتحدة السابقين في غينيا

http://gafics.org/index.php/featured-item-2/k2-category/item/520-in-iraq-unesco-chief-says-education-culture-key-to-country-s-future-peace-and-stability

20-انظر:”ازمة الصحة النفسية الصامتة في العراق”، تقرير مركز التعليم من اجل السلام في العراق،5/5/2017

http://www.epic-usa.org/iraq-mental-health/

انظر ايضا: “العراق… موطن الأمراض النفسيّة، موقع المونيتر،29/5/2014

https://www.al-monitor.com/pulse/ar/contents/articles/originals/2014/05/iraq-increase-mental-illnesses-social-stigma.html

انظر ايضا:”علاج العراقيين، تحديات توفير الصحة النفسية في العراق”، موقع منظمة اطباء بلا حدود،

http://www.doctorswithoutborders.org/news-stories/special-report/healing-iraqis-challenges-providing-mental-health-care-iraq

21-انظر:”تفشي ظاهرة الإنتحار في العراق.. وذي قار في المرتبة الأولى”، جريدة الشرق الاوسط، 15/6/2015

https://aawsat.com/home/article/384026/%D8%AA%D9%81%D8%B4%D9%8A-%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%88%D8%B0%D9%8A-%D9%82%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%89

 

 

 

 

 

Analysis & views from the Middle East