دولة علي بابا

 cover 5

7)           

                                     عن دبلوماسية المغارة

 

لم يقتصر الفساد على مؤسسات “دولة علي بابا” التي في الداخل، اذ كان لوزارة الخارجية نصيب، بل نصيب وافر منه، كان له تأثير بالغ على السياسة الخارجية وحد كثيرا من فاعلية الدبلوماسية العراقية في مواجهة تحديات جمة.اذ شأنها شأن المؤسسات الاخرى التي عانت طويلاً من الفساد وتبعاته المدمرة فقد طال الفساد وزارة الخارجية بانواعه المختلفة منذ اليوم الاول لاعادة تأسيسها على يد سلطة الاحتلال الامريكي بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003.فلم تكد تمضي اسابيع قليلة حتى بدأت روائح الفساد العفنة في هذه المؤسسة تنتشر داخل وخارج العراق، تحمل معها قصصا ووقائعا عن فساد مالي واداري واخلاقي تصب كلها في نتيجة واحدة، وهي ان هذا الجهاز الذي  تم انشاؤه لتمثيل العراق في العالم، والدفاع عن مصالحه، وتبني قضاياه كما ينبغي لأي وزارة خارجية ان تعمل، ذهب بالاتجاه المعاكس، وراح يعكس صورة مغايرة تماما لما هو مطلوب منه، وكأنما كان مهيئا ومكلفا سلفا بمهمة حصرية واحدة، الا وهي تدمير صورة العراق في الخارج تماما كما يفعل الارهاب والفساد والمحاصصة من الداخل.

وعلى نفس المنوال الذي نسجت به سلطة الاحتلال هياكل اجهزة ودوائر “العراق الجديد” فقد عينت ما اسمته بـ”اللجنة التوجيهية لادارة وزارة الخارجية” والتي وضعت على رأسها السفير الامريكي السابق في مسقط “ديفيد دنفورد” ويساعده الدبلوماسي العراقي “غسان محسن حسين” الذي كان يعمل سفيرا في وزارة خارجية النظام السابق الذي كان قد تم اسقاطه للتو.بعد نحو عشرة اعوام سيصدر المذكوران كتابا عن تجربتهما تلك لكنه سيخلو من تلك القصص التي كشف النقاب عنها لاحقا عن رحلة الفساد في تلك الوزارة التي بدأت اعادة بنائها معهما، وظلت ترافقها طيلة السنوات اللاحقة.فخلال فترة قصيرة لم تتجاوز اشهر معدودة اعادت اللجنة المذكورة بناء وزارة الخارجية رأسا على عقب، بطريقة عشوائية ومستعجلة، ظلت هي الأساس الاداري والدبلوماسي الذي يقوم عليه هيكل وعمل هذه الوزارة لحد الان.كان الهدف من وراء الاستعجال هو السعي لغسل سمعة  الولايات المتحدة التي كانت هي رسميا وفعليا سلطة احتلال من خلال تقديم الحكومة العراقية التي عينتها الى العالم باعتبارها حكومة وطنية لدولة مستقلة.

سرعان ما رست الوزارة على تشكيلة فريدة من الدبلوماسيين البعثيين وضباط المخابرات من ازلام نظام صدام العاملين في وزارة الخارجية القديمة، ومن خليط من القادمين الجدد مع جيش الاحتلال الامريكي، من اعضاء وانصار الجماعات الحاكمة الجديدة، وآخرين من اتباع الغزاة وعملائه الذين كانوا يتعاونون مع اجهزته ومؤسساته المختلفة في الفترة التي سبقت الغزو.ولم يكن هذا الخيلط المتنافر للجهاز الدبلوماسي الجديد، ولا انعدام الخبرات والكفاءات والمهارات لدى القادة الجدد للوزارة، ولا نظام المحاصصة الطائفية الذي طبق بحرص في تعيين الأطقم الجديدة في سفارات العراق بالخارج، هو السبب الوحيد لما آلت اليه أوضاع الدبلوماسية في “العراق الجديد”، من فشل عجز وضمور، وانما كذلك الفساد المالي والادراي الهائل الذي صاحب عملية اعادة بناء الوزارة منذ اول لحظة والذي جعلها تتفوق في النهب والاستحلال بعدئذ على باقي كهوف مغارة “دولة علي بابا”.(1)

فخلال السنوات اللاحقة راجت الكثير من الشهادات الشخصية، والتسريبات، والوقائع، والوثائق التي ملئت المواقع الالكترونية وصفحات الجرائد عن حكايات الفساد المالي والاداري والاخلاقي والسياسي في وزارة الخارجية وسفاراتها واجهزتها لم تستطع لا لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان ولا الحكومة ولا “هيئة النزاهة” ولا دائرة المفتش العام في الوزارة ان تضع حدا لها.لقد تكسرت كل المناشدات وصيحات الاستنكار التي انطلقت بضرورة المراقبة والمتابعة والمحاسبة لما يجري من فساد مستشر في وزارة الخارجية على صخرة مخطط مدروس موضوع منذ لحظة التأسيس كانت معالمه واضحة للجميع، وفي مقدمتهم قادة “دولة علي بابا” الذين عجزوا عن ايقاف مد الفساد واللصوصية في وزارة الخارجية بسبب منظومة المحاصصة والمصالح والمنافع المتبادلة التي اقاموها والتي ترسخت يوما بعد يوم.

ولم تكن حصيلة كل ذلك الفساد المخطط والمبيت الا فشلا ذريعا في السياسة الخارجية وعلى الصعيد الدبلوماسي وفي ملف ادارة العلاقات الاقليمية والدولية وصل الى حد انعدام الفاعلية، سواء على صعيد العلاقات الثنائية، او العلاقات الدولية متعددة الأطراف، على الرغم من فيلق “الدبلوماسيين” الذين ارسلوا الى بلدان العالم والمنظمات الدولية في مشارق الأرض ومغاربها ومع كل الرواتب والمخصصات والمزايا الفلكية التي لا يحصل عليها اي دبلوماسي في اي دولة في العالم.ان قصة العائدات المالية المهولة التي يحصل عليها دبلوماسيو “دولة عي بابا” وعالم الصفقات والبنزنس الذي ينخرطون فيه هي في حد ذاتها سبب من اسباب الفشل والشلل الذي آلت اليه هذه الدبلوماسية في تخليها عن القيام بوظيفتها الحقيقية وواجبها الوطني.

(ينظر في كل ذلك مذكرات وكتب دونها موظفون ومستشارون امريكيون في “سلطة الإئتلاف المؤقتة” وصحفيون وآلالاف من المقالات على مواقع الإنترنيت وفرت مادة غزيرة لاي جهة تحقيقية، او بحثية تتناول تاريخ هذه الحقبة منذ تشكيل الهيئة التوجيهية وحتى الوقت الحالي).

وعلى رغم كل الأموال التي توفرت لها والضغوط التي مارستها الادارات الامريكية على دول العالم والتي فتحت للوزارة ابواب العلاقات الخارجية، سواء لدى الدول الاجنبية، او المنظمات الدولية منذ البداية وحتى فترات قريبة، الا ان وزارة الخارحية فشلت فشلا ذريعا في تمثيل “العراق الجديد”، كما كان الشعار المحبب لوزيرها السابق “هوشيار زيباري”، وفي الدفاع عن مصالحه الوطنية، والعمل على صيانة امنه القومي وحماية شعبه.ان استعراض عمل عقد ونصف من عمر الوزارة وبمعايير التخصص والاستقصاء البحثي والقياس النوعي يكشف عن حالة مريعة من عدم الكفاءة واللاانجاز والتداعي، مما انعكس سلبيا على الواقع العراقي الذي كان في امس الحاجة لمن يحمي مصالحه في الخارج ويدافع عنها لدى دول العالم ومنظماته الدولية في ظل هجمات شرسة ومؤامرات دولية واقليمية يتعرض لها العراق من كل حدب وصوب.

كان الاخفاق الأكبر للوزارة هو عدم توفرها على استراتيجة شاملة وفعالة في مواجهة أكبر خطر يواجه العراق وهو الارهاب والذي لم يكن ليصل الى هذه الدرجة من التدمير لولا الامتدادت والحواضن الخارجية، ووسائل الدعم السياسي والاعلامي والمالي الذي كان يأتيه من الخارج.اما الفشل الثاني فقد تمثل في العجز عن مواجهة تحديات التدخلات الاقليمية والدولية في الشأن العراقي والتي كانت سببا رئيسا في بقاء العراق في حالة من العزلة والحصار، من ناحية، وميدانا لصراعات النفوذ الاقليمي والدولي، من ناحية ثانية، ونهبا للمصالح الاقتصادية الضيقة، من ناحية ثالثة.اما الفشل الثالث فقد تمثل في تقاعس الدبلوماسية العراقية عن تقديم رؤى وأفكار وخطط كمبادرات، سواء اكانت استباقية، او كردة فعل على تطورات اقليمية كانت تؤثر او تنعكس على العراق بشكل مباشر او غير مباشر وان تحاول الحد من نتائجها الكارثية.

ان أهم عنصر يقوم عليه عمل اية وزارة خارجية هو العنصر البشري بما يعني من اختيار سليم للأطقم وللأفراد الكفوئين المناسبين للعمل الدبلوماسي والعلاقات العامة، ومن الخبراء والدارسين في مجال العلاقات الدولية والتخطيط السياسي وغيرها من الاختصاصات ذات الصلة، اضافة الى خلفيات وخبرات وتجارب شخصية، ومواصفات كثيرة اخرى تتلائم مع طبيعة هذا العمل الدقيق وتقاليده الدولية الراسخة.ان هذا النوع من النشاط العام يقوم الى حد كبير على محددات ذات صلة مباشرة بالتعليم والبحث والمعرفة والدراسة والتجربة والاطلاع والتي هي جميعها من الركائز الأساسية في العمل الدبلوماسي والسياسي والأمني والاداري والقانوني، حتى تتمكن الدولة ان تدير شؤنها الدولية وتقود سياستها الخارجية بنجاح في عالم يعتبر صراع العقول والارادات فيه أهم وأخطر من الصراع بالسلاح.

لكن ماذا فعلت وزارة الخارجية لـ”دولة علي بابا” لكي تبني سياسة خارجية فعالة وجهاز دبلوماسي كفء يتعامل مع كل تلك التحديات التي يواجهها العراق؟بدلا عن ذلك احتفظت الوزارة، من جهة بالمئات من ازلام النظام البائد ممن كانوا يعينون في هذه الوزارة اما لانتمائهم لاجهزة مخابراته وامنه، او لإعتبارات حزبية وعائلية ومناطقية، في حين استبعدت من بينها الكفاءات المهنية والعلمية العراقية.ومن جهة اخرى، عززت هذا الكادر المعادي لـ”العراق الجديد” بعناصر من ممثيله ممن ينتمي لأحزاب السلطة الجديدة ومن اعوان واقارب المسؤولين فيها، دون اي تقييم اكاديمي، او علمي، او فكري، او توفر مهارات متميزة، وطبعا دون اية معايير تتعلق بالمواطنة والعدالة والشفافية في الاختيار.كما اخضعت التعينات في هذه الوزارة في مختلف درجاتها الى نظام من المحاصصة الطائفية والقومية والى صفقات سياسية ومالية وغيرها.ولقد جرى كل ذلك في حين تم استبعاد كفاءات عراقية عالية من عناصر متميزة من الأكاديميين والباحثين المتخصصين ومن العاملين في منظمات وهيئات دولية متميزة.

من المؤكد ان الفشل الحكومي العام واستشراء الفساد في كل مفاصل الدولة كان سببا من تلك الاسباب التي جعلت من وزارة الخارجية وجها آخر من اوجه فشل بناء الدولة العراقية.لكن السبب الآخر يكمن في اداء “هوشيار زيباري” نفسه الذي تولى شؤون الوزارة لاكثر من ثمان سنوات ادارها خلالها بطريقة الاقطاعي الذي يدير مقاطعته لا كمسؤول في دولة ناهضة من رماد الحروب ومتطلعة لمستقبل واعد.خلال الفترة التي تولى فيها زيباري الوزارة، اي من ايلول (سبتمبر) 2003 الى تموز (يوليو) 2014 حفلت الوزارة بوقائع فساد مالي واداري شملت ملفاتها اختفاء ملايين الدولارات من حسابات اعادة بناء الوزارة التي خصصتها “سلطة الائتلاف المؤقتة” والتي اشتملت على اعمال صيانة وبناء لمكاتب السفارات العراقية في الخارج، او شراء ابنية جديدة لها، كما شملت اختفاء ملايين اخرى من خزائن وحسابات السفارات كانت قد اودعت فيها اثناء فترة النظام السابق ولكنها لم تنقل للسلطة الجديدة.ومن ظواهر الفساد الكبرى في وزارة الخارجية في عهده انه وضع نظاما خاصا للرواتب والمخصصات بحيث اصبح الموظف في السلك الدبلوماسي يقبض راتبه مرتبين، احدهما في الداخل، والآخر بالعملة الصعبة في الخارج، اضافة الى مخصصات خدمة متنوعة، في انتهاك للقانون الذي يمنع الجمع بين راتبين حكوميين.ان كل مظاهر الفساد التي نشرها زيباري كان مقصودة وتستهدف اولا شراء ذمم موظفيه والسيطرة عليهم والتخريب المتعمد للوزارة وللسلك الدبلوماسي والعلاقات الخارجية للعراق بهدف واحد وهو تدمير العراق تمهيدا لانجاز حلم الانفصال الكردي الذي كان يسعى اليه ويعمل على تحقيقه.

لم تجر اية تحقيقات جدية في ملفات فساد وزارة الخارجية في عهد زيباري وتمكن بسبب عضويته في القيادة الكردية وقرابته من “مسعود برزاني” من التملص من كل دعوات الاستجواب البرلمانية، او محاولات التحقيق من قبل “هيئة النزاهة” في كل ما نشر حول الفساد في وزراته.وفي واحدة من الوقائع الشهيرة المتداولة في الاروقة الرسمية فقد تقدم احد النواب بشكوى الى البرلمان طالبا التحقيق في ان زيباري تزوج اثناء توليه المنصب من امرأة ثانية من عائلة بعثية ادرج اسم والدها ضمن قائمة المطلوبين للعدالة، لكنه مع ذلك عين ثلاثة من اخوتها واربعة من ازواج اخواتها في الوزارة كما نقلهم للعمل في سفارات في الخارج، ضاربا بعرض الحائط كل القيم والمعايير التي تتعلق بالتوظيف في السلك الدبلوماسي وبمعايير الكفاءة والجدارة والمساواة في المواطنة والوظيفة العامة.(2)

ان واحدة من مآسي الفساد في وزارة الخارجية هي الشهادات المزورة التي قدمها الكثيرون وتم تعيينهم بموجبها كدبلوماسيين وحتى كسفراء في تحدي سافر للقوانين والأعراف ولحق التنافس العادل بين المواطنين على الوظيفة العامة.فخلال كل هذه السنين ظلت الأخبار والحكايات عن الشهادات المزورة للمئات من كوادر الوزارة تتوالى دون استجابة حقيقية للتحقيق في ذلك بشكل شفاف يتيح للعراقيين الأطلاع على الخلفيات العلمية والاكاديمية والدراسية والبحثية والخبرات العملية والالتزام الوطني التي ينبغي ان تكون متوفرة لدى الأطقم الدبلوماساية والتي تدير السياسة الخارجية العراقية.كانت الشكاوي تتكاثر والأخبار تنشر عن مزوري الشهادات وعمن من هم بدون شهادات اصلا ولكنها كانت تصطدم بآذان صماء وبردود متعجرفة، بل وبتعيين المزيد من اولئك المحاسيب والأزلام في تحد صارخ لارداة العراقيين المطالبة بالاصلاح والنزاهة والشفافية وكذلك في الامعان في تلك الممارسات التي الحقت اشد الأضرار بالدبلوماسية العراقية وبسياسة البلد وعلاقاته الخارجية وبسمعته الدولية.(3)

لقد كان محتما ان تواجه حكومة جديدة حلت محل حكومة “نوري المالكي” عام 2014 ووزير جديد في مكان زيباري ذلك العبء الثقيل بحركة اصلاحية شاملة في الوزارة تفتح الطريق امام صياغة سياسة خارجية جديدة وقوية ودبلوماسية فاعلة تقوم بواجبها في تلك المرحلة الخطيرة من تاريخ العراق.كانت هناك آمال عريضة بان يفتح الوزير الجديد ملفات التعينات في وزارته كخطوة أولى في طريق الاصلاح لكي ينقي هذا الجهاز من حملة الشهادات المزورة، وممن تم تعينهم بالمحاصصة والوساطات والرشاوي، ومن ازلام النظام البعثي، ومن الفاشلين، وان يأتي بوجوه جديدة من عراقيين لديهم خبرات حقيقية ومن اصحاب الكفاءات العلمية والفكرية لكي يقودوا الدبلوماسية العراقية في تلك المرحلة الصعبة التي تتطلب مواجهة الارهاب في الداخل، والهجمة الشرسة على العراق في الخارج، بعقول بامكانها ان تقدم الرأي والمشورة وتقود دبلوملسية فاعلة تتعامل مع الاوضاع الدولية والاقليمية المعقدة والمستجدات، كما تسهم في صناعة السياسة الخارجية.لكن “ابراهيم الجعفري” لم يفعل اي من ذلك واكتفى بمطاردة البعض على خلفيات طائفية، كما ظل محاطا في مكتبه، وفي الدائرة المقربة، منه وعلى طاولة اجتماعاته، باشخاص يعرفهم القاصي والداني بانهم من مزوري الشهادات، وممن لا خبرة ولا تجارب لهم في العمل السياسي والدبوماسي، وانهم جاؤا الى كراسيهم لاعتبارت لاعلاقة لها بكل ذلك بل بالولاء الشخصي للوزير ذاته لو لشركائه السياسيين.كما لم يتخذ اي من الخطوات لكي ينقي الجهاز الدبلوماسي والسفارات من تلك الطفيليات التي الحقت اشد الضرر بسمعة العراق وفشلت فشلا ذريعا في القيام بابسط واجباتها، بل وساهم البعض منها في تشويه صورة العراق عمدا لاسباب لا تخفى على احد.

لم يفتح الوزير الجديد اي من سجلات الفساد التي تراكمت خلال عشر سنوات والتي هدرت فيها مليارات الدولارات والتي تم توثيقها بجهود قام بها عراقيون نشرت بعضها على الملأ.لم يفتح الوزير ملفات التعينات في الوزارة لكي يطلع العراقيون على “فضائيين” من نوع آخر لم تأت بهم معايير الجودة والحق والانصاف والعدالة، وانما القرابة والانتماء الحزبي والمحاصصة، بل جاؤا في احيان كثيرة عبر علاقات مشبوهة.ان وراء كل تعين في هذه الوزارة قصة يعرفها الآخرون جيدا، مثلما يعرفون المآسي التي تسبب فيها البعض والتي دفع فيها العراق خلال السنوات الماضية ثمنا باهظا لا في سياسته الخارجية وعلاقاته الدولية والاقليمية فقط، بل في الدم المسال في شوارع ومدن العراق.كما لم يفتح الجعفري سجل السفارات التي تعجز ان تقيم نشاطا جادا ورصينا او ان تبني علاقات وصلات مع المسؤولين وصناع القرار وممثلي الأحزاب والهيئات السياسية الفاعلة ومراكز الأبحاث في الدول المضيفة وان توظف كل ذلك في خدمة السياسة العراقية، ومصالح العراق وليس من اجل تلميع الأسماء الشخصية او لمصالح خاصة او فؤية ضيقة.

لم يفتح الوزير سجل تعامل البعثات الدبلوماسية السياسية والقنصلية في الخارج مع الجاليات العراقية والشكاوى الكثيرة من الأساليب البيروقراطة التي يعامل بها افراد الجاليات العراقية والممارسات والعقبات التي يضعونها في تسهيل معاملاتهم القنصلية.ان احد اسباب تدني سمعة جواز السفر العراقي في الخارج ومعاناة العراقيين في السفارات والمطارات الأجنبية هو تقاعس السفارات بان تقوم بعملها في حماية العراقيين والدفاع عنهم لدى الحكومات الأجنبية، وهو معيار دولي معروف في اثبات فاعلية حمل جواز اي دولة.لم يفتح الوزير الجديد سجل جوازات السفر الدبلوماسية التي فاحت رائحتها النتنة والتي وصفها اعضاء في “لجنة العلاقات الخارجية” بالكارثة الكبيرة رغم تمني العراقيين ان يقوم بذلك لكي يعرفوا من هم الآلاف المؤلفة ممن يحملون جواز سفر بلادهم الدبلوماسي والذي يمنحهم الامتيازات الخاصة لهم ولعوائلهم وهل هم مؤهلين حقا لذلك الشرف والامتياز، ولاي سبب.(4)

هناك الكثير والكثير جدا مما لم يفعله الوزير الجديد خلال اربع سنوات من تبوئه منصبه، وخاصة في تطهير الوزارة من الفساد، كما انه لم يقم باية اصلاحات بهدف عزل العناصر الفاشلة وغير الكفأة والتي ثبت الا خبرة ولا معرفة ولا دراية لها بالعمل الدبلوماسي ولا في مجال السياسة والعلاقات الخارجية وجرى تعينها على اساس المحاصصة والقرابة والتي حولت الوزارة وسفارتها الى عزب للاحزاب ولزعمائها.لكن الذي فعله الوزير الجديد الذي يقود حركة اسمها الاصلاح وينتمي الى تيار ملتزم دينيا كان ان سار على خطى سلفه زيباري حيث بدأ بملء مكاتب الوزارة والسفارات باقاربه وبالأعوان الذين يرتبطون بحركته السياسية الكارتونية واولاد واقارب المسؤولين من احزاب السلطة ممن لا يمتلكون اية كفاءة او خبرة او تجربة في الحقلين السياسي والدبلوماسي.

وفي خطوة اقدم عليها الجعفري في نهاية عهده بالوزارة قدم قائمة مرشحين جدد لشغل مناصب السفراء وجهت بمعارضة قوية كونه قام بالترشيح على اساس الولاء والتبعية لشخصه وللجماعات السياسية القريبة منه دون اعتماد لمعايير الكفاءة والمقدرة والخبرة، بل وحتى بالمخالفة لقانون الخدمة الدبلوماسية اضافة الى اتهامات له بالتعيين على اساس طائفي ضاربا بعرض الحائط بكل معايير الجدارة والكفاءة والتوازن، وبالدرجة الاساس مبدأ العدالة والمساواة والمواطنة.كان هدف الجعفري وهدف الطغم الحاكمة من ذلك هو ترسيخ الأمر الواقع وابقاء الوضع على ما هو عليه امام اي وزير جديد يأتي بعده.(5)

غير ان الأخطر من كل ذلك هو اداء الجعفري على الصعيدين السياسي والدبلوماسي والذي كشف خلال سنوات توليه الوزارة ضعفا وهزالا لدور الوزارة في تسيير السياسية الخارجية العراقية وادارة علاقات العراق مع الدول الاجنبية.لقد ظلت الدبلوماسية العراقية في عهده عاجزة عن القيام باي دور فاعل سواء في رسم وتخطيط السياسة الخارجية او المشاركة بفاعلية في ادارة ملفات ازمات المنطقة بما يدعم المصالح الوطنية العراقية.بقيت الوزارة بلا عقيدة، او رؤية، بشأن السياسة الخارجية العراقية يمكنها ان تدعم المواقف العراقية، خاصة وان العراق واجه خلال تلك السنوات تحديات مواجه الارهاب وتهديدات اخرى عديدة لأمنه الوطني، بل ولوجوده وكيانه كدولة.ان ضعف دور الدبلوماسية العراقية جاء في ظل ظرورف اقليمية ودولية شديدة التعقيد والخطورة ساهمت خلالها استراتيجيات مختلف القوى الاقليمية والدولية وسياساتها، باضعاف قدرة العراق على تولي دور فاعل في تحولات المنطقة ودرءا للاخطار المحدقة به.

ان جزءاً كبيراً من اسباب بلورة دبلوماسية الجلوس على الدكة تلك يعود الى شخصية وخلفية الجعفري الذي يفتقد الى اي نوع من الكفاءة والامكانيات والخبرة والخلفية التاريخية، سواء الوظيفية، او الاكاديمية، او الثقافية، التي تؤهله لقيادة سياسية خارجية لدولة مأزومة مثل العراق تحتاج الى دبلوماسية فاعلة وخلاقة.واضافة الى انعدام كفائته والتي تجلت في غياب الدور اللائق للدبلوماسية العراقية وفي ادائه العلني البائس المعبر عنه في تصريحاته ولقاءاته الصحفية وفي خطاباته المرتجلة امام المحافل الاقليمة والدولية والتي تفتقد الى اي مضمون حقيقي والتي تحولت احيانا الى تهويمات وهلوسات من التعبيرات والكلام الأجوف الذي لا معنى له.غير ان الطامة الكبرى والتي كانت دائما تتجلى في اداء الوزير العلني هو احتمال معاناته من اضطرابات نفسية، وهو ما اشار اليه واحد من اقرب المقربين اليه خلال رحلة عملهما في “حزب الدعوة الإسلامي” وهو طبيب الاعصاب “موفق الربيعي” والذي شغل منصب “مستشار الامن الوطني” الاول في “دولة علي بابا” في مقطع فديو وضعه على موقعه على الفيس بوك والتي وصفها بانها “قضية تضر بالوطن”.(6)

لقد انعكس كل ذلك الفساد بشكل جلي على الدبلوماسية العراقية حيث شكلت الاوضاع الادارية المزرية داخل الوزارة، والاداء البائس للسياسة الخارجية، معضلة حقيقية امام العراق في الفترة الماضية التي واجه فيها تحديات وجودية تطلبت اضافة الى الانتماء والاخلاص لقضايا الوطن، مهارات وخبرات عالية في الدراسة والبحث والتقيم والتخطيط السياسي على درجة كبيرة من الكفاءة والفاعلية.لم يكن ممكنا ابدا ادارة سياسة خارجية ودبلوماسية فعالة من قبل جهاز لا يمتلك نظرية، او عقيدة واحدة في السياسة الخارجية، او ايمان بالمصالح الوطنية.وقد اثبتت وقائع تلك السنوات العجاف من خلال آلاف الحكايات والرويات المتواترة وشهادات العيان ان اغلب من تم تعينه في السفارات وفق برنامج المحاصصة خدم طائفته او قوميته او جماعاته السياسية على حساب المصلحة الوطنية.بل ان بعضهم كان قد مضى اكثر من ذلك في التدليس والطعن بهذه المصالح الوطنية لدى الدول التي كان يمثل العراق فيها واجهزتها في حالة مزرية من عدم الشعور بالمسؤولية الوطنية والاخلاقية، ان لم يكن الخيانة.ان الاستنتاج الأخير من تحليل حالة وزارة خارجية “دولة علي بابا” هو انه لم تكن لهذه الدولة من سياسة خارجية على الاطلاق يمكن ان يتم الحديث عنها وان عمل الوزارة واجهزتها وسفارتها لم تكن غير واجهات استعراضية لمواجهة متطلبات صلات العراق بالعالم الخارجي، او تلبية بعض المتطلبات والحاجات من الخدمات القنصلية للجاليات العراقية بالخارج.اما السياسة الخارجية بمعنى ادارة العلاقات الدولية وفق اطار نظري يستهدف تعزيز وادامة قوة الدولة في اطار المنافسة مع البلدان الاخرى فقد ظلت غائبة تماما.ان التأثير المترسب Residual Influence)) لاخفاقات الدبلوماسية العراقية من الفترة الماضية سيظل يلاحق علاقات العراق مع العالم الخارجي وسيقوض لاحقا اي جهد حقيقي لبناء سسياسة خارجية متينة ودبلوماسية فعالة تخدم المصالح العراقية ما لم يتم اعادة بناء فعلية لهذه الوزارة التي نخر فيها العجز وعشعش فيها الفساد بكل انواعه.(7)

لايعني وجود عدد كبير من السفارات المنتشرة في انحاء العالم ولا عدد الاميال التي يقطعها وزير الخارجية في رحلاته ولا مناصب دولية معدودة منحت للعراق وفق اعتبارات الحصص في المنظمات الدولية نجاحا للدبلوماسية او للسياسة الخارجية، بل هي المبادرة والمشاركة والفاعلية والتعبير بالقوى الناعمة والحنكة التي تمتلكها تلك الدبلوماسية وتدير بها سياسة البلد وعلاقاته الدولية.ان نظرة عاجلة على التدخلات الاقليمية والدولية في الاوضاع  الداخلية العراقية من احتلال عسكري سافر لبعض الدول الى تدخلات ونفوذ سياسي واقتصادي وثقافي كاسح لدول اخرى الى تجاوزات خطيرة على الاراضي والمياه الاقليمية العراقية من طرف دول غيرها ستبين الى اي مدى فشلت فيه الدبلوماسية اوالسياسة الخارجية العراقية في تمثيل المصالح الوطنية وتركتها نهبا لاطماع الآخرين.واذا كانت السياسة الخارجية في احدى تجلياتها هي مقياس لقوة الدولة ومكانتها وفاعليتها في الساحات الاقليمية والدولية فان غياب الدور الفاعل للعراق في ادارة الملفات الحيوية الرئيسية في المنطقة وفي معالجة النزاعات والصراعات الدائرة فيها وفي المبادرة الجسورة في العمل الدولي لهو دليل آخر على عجز النشاط السياسي الخارجي في الدفاع عن مصالح العراق وعن دوره ومكانته كدولة اساسية في المنطقة.ان احد اسباب هذا العجز هو الفشل في ادراك العناصر والعوامل التي تشكل القوة العراقية وعلى رأسها الدور التاريخي المهم للعراق ومزايا موقعه الجغرافي في المنطقة وفي العالم وهو الاخفاق الذي ارتد سلبا على شكل الاستهانة التي تتعامل بها الدول الاقليمية والاجنبية بالوضع العراقي.

 

 

                         هوامش ومراجع ومصادر الفصل السابع

 

1-انظر:”الحديث مع غرباء، النضال من اجل اعادة بناء وزارة الخارجية العراقية”، غسان محسن وديفيد دنفورد (بالانكليزية)، دار نشر مطبعة ساوث ويسترن كولج الاكاديمية 2013

2-انظر: “بالوثيقة.. هذا مافعله هوشيار زيباري اثناء توليه وزارة الخارجية العراقية؟ وكالة موازين 6/10/2017 

http://www.mawazin.net/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D9%85%D8%A7%D9%81%D8%B9%D9%84%D9%87-%D9%87%D9%88%D8%B4%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%B2%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D8%AB%D9%86%D8%A7-%D8%AA%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%87-%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9

3-انظر:”الفساد يستشري بالخارجية العراقية.. ملف شائك يبحث عن تسوية”، موقع الخليج اون لاين، 18/4/2017

http://alkhaleejonline.net/articles/1492454649391831800/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D8%B1%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%84%D9%81-%D8%B4%D8%A7%D8%A6%D9%83-%D9%8A%D8%A8%D8%AD%D8%AB-%D8%B9%D9%86-%D8%AA%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%A9/

4- انظر:”الخارجية النيابية:اجراء اصلاحات كبيرة في الوزارة بعد كشف شهادات مزورة لموظفيها”، موقع قناة الاتجاه،11/12/2014

http://aletejahtv.org/permalink/38783.html

انظر:ايضا: “الفساد هنا .. يا حيدر العبادي، موقع كتابات 21/11/2017

https://kitabat.com/2017/11/21/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%87%D9%86%D8%A7-%D9%8A%D8%A7-%D8%AD%D9%8A%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%8A

5-انظر: “المخالفات القانونية في قائمة مرشحي الجعفري لمناصب السفراء”، موقع كتابات، 3/12/2017

https://kitabat.com/2017/12/03/%D8%A7%D9%84%D9%85%

D8%AE%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9-%D9%85%D8%B1%D8%B4%D8%AD%D9%8A-

%D8%A7%D9%84

انظر كذلك:”قائمة سفراء قدمها الجعفري تثير جدلاً في العراق”، صحيفة الشرق الاوسط، 3/12/2017

https://aawsat.com/home/article/1101736/%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9-%D8%B3%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%82%D8%AF%D9%85%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B9%D9%81%D8%B1%D9%8A-%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1-%D8%AC%D8%AF%D9%84%D8%A7%D9%8B-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

انظر:”تسجيل موفق الربيعي الذي نشره على صفحته على الإنترنيت، 10/12/2017

https://www.facebook.com/search/top/?q=%D9%85%D9%88%D9%81%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%B9%D9%8A

انظر كذلك: “الربيعي في فيديو مثير يتحدث عن صحة الجعفري العقلية وفقدانه الذاكرة” موقع، موازين، 11/12/2017

http://www.mawazin.net/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88-%D9%85%D8%AB%D9%8A%D8%B1-%D9%8A%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%AB-%D8%B9%D9%86-%D8%B5%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B9%D9%81%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%81%D9%82%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9

7-انظر:”دبلوماسية العجز في العراق”، صلاح النصراوي، الاهرام ويكلي، 15/9/2011

https://www.masress.com/en/ahramweekly/27632

انظر ايضا:”الطنطة في السياسة الخارجية، صلاح النصراوي، الاهرام ويكلي، 19/11/2014

http://weekly.ahram.org.eg/News/7729.aspx

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دولة علي بابا

cover 5

 

 6)                          

                                             قمة جبل الفساد

 

 

ما ان سقط “نوري المالكي” من سدة الحكم بعد فشله في الحصول على ولاية ثالثة اثر الانتخابات التي جرت في شهر نيسان (ابريل) 2014 حتى بدأت تتضح صورة الفساد الذي تراكم في عهده والذي استمر ثمان سنوات وكان ينتظر منها ان تكون المرحلة الانتقالية لاعادة بناء الدولة العراقية الجديدة.لم تمر معركة اسقاطه التي اجتمعت فيها اطراف عراقية واقليمية ودولية عديدة بسهولة فقد تشبث المالكي باسنانه واضافره بكرسي رئاسة الوزارة حتى اللحظة الاخيرة.ولولا الضغوط التي مارسها عليه حلفاؤه، وخاصة ايران، والفصائل الشيعية الرئيسية، والادارة الامريكية، ما كان المالكي ليقبل بالخروج من المنافسة رغم انه ضمن منصبا آخرا يوفر له المكانة والدور في الحكومة الجديدة وفي مؤسسة الحكم والاهم من ذلك الحصانة من المحاسبة.كانت القشة التي قصمت ظهر البعير وادت الى زوال فرص تجديد الولاية هي انهيار الجيش والقوات الأمنية في الموصل والتي سهلت عملية اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمدن اخرى اضافة الى استيلاء البيشمركة الكردية على اراضي شاسعة في اربع محافظات عراقية وضمها الى اقليم كردستان مما افقد الحكومة المركزية السيطرة على مساحة تعادل نحو ثلث مساحة العراق.لم تكن كل تلك الفجيعة ممكنة الوقوع من دون الفساد الذي كان مستشريا في صفوف قادة الجيش والشرطة وضباطه والذي مهد الى تلك الهزيمة المريعة، وما ترتب عليها لاحقا من دخول البلاد في نفق مظلم اصبح يهدد كيانه بالتمزيق.(1)

كانت هناك آمال بفتح ملفات الفساد الذي جرى في عهد المالكي بعد فشله في تولي رئاسة الحكومة لثالث مرة، ولكنها آمال سرعان ما تبددت ولم تلق التجاوب المطلوب من الحكومة الجديدة لاعتبارات عديدة، اهمها ان الفساد خلال الفترة السابقة اصبح منظومة مهولة راسخة تغطي كل مفاصل الدولة والطبقة السياسية الحاكمة، وبالتالي فانها لم تكن تشمل المالكي وبطانته فحسب، بل كذلك جماعات وشخصيات نافذة من كل الأطياف السياسية، وشبكة واسعة من المصالح والمنتفعين، مما يعني ان القيام باية عملية كشف حساب حقيقية عن الفساد وجذوره ستواجه بمقاومة شديدة من اقطاب هذا المعسكر الذين كانوا مراكز قوى اساسية.ما يرتبط بهذا ايضا هو ان المالكي نفسه كان يمتلك ملفات ومعلومات عن فساد اقطاب الطبقة السياسية والتي ستجعل الكثيرين من افرادها يتردون في فتح ملفات فساد حكومته خشية من كشفهم ايضا، او التشهير بهم وملاحقتهم قانونيا.اضافة الى كل ذلك فان تعيين المالكي في منصب نائب الرئيس اعتبر نوعا من الحصانة منحت له في صفقة من التفاهمات مع الأطراف الاخرى بغية ضمان عدم ملاحقته قانونيا.هذه وغيرها من الأسباب زادت من الشكوك لدى العراقيين بامكانية ان تقوم حكومة حيدر العبادي بكشف حجم الفساد الحقيقي الذي جرى خلال تلك الفترة وفي جميع مفاصل الدولة.

غير ان سقوط الموصل في شهر حزيران (يونيو) 2014، واستيلاء داعش على أراضي ومدن في خمس محافظات والذي تزامن مع اعلان نتائج الانتخابات والأزمة التي اعقبتها بشأن تشكيل الحكومة، سلطت الأضواء بقوة على قضية الفساد، وخاصة بعد ان اتضح بان الفساد في القوات الأمنية وسؤ الادارة كانا العاملان الرئيسيان في الانتصارات المدوية التي حققها الارهابيون.لقد كان سقوط الموصل نكبة وطنية سرعان ما اتضح انها كانت ناجمة عن الانهيار السريع في صفوف الآلاف من أفراد القوات الأمنية امام زمرة، لم يتعدى عددها المئات، مما ادى الى زيادة وتيرة الحديث عن اداء هذه القوات التي كان معروفا للقاصي والداني انها تعاني من اخفاقات كبيرة على كل المستويات نتيجة لما عانت منه من فساد مالي واداري ناجم عن فشل قيادة المالكي للحكومة وللقيادة الأمنية طيلة الأعوام الثمانية السابقة.

خلال السنوات العشر التي سبقت الانهيار المدوي في الموصل وباقي المحافظات قامت الحكومة العراقية والجيش الامريكي بصرف بلايين الدولارات على بناء وتجهيز وتدريب واعداد القوات الأمنية العراقية.فبين عامي 2003 و2011 انفق الجيش الامريكي نحو عشرين بليون دولار على اعداد وتدريب القوات العراقية اضافة الى مبالغ اخرى لأغراض متفرقة، في حين صرفت الحكومة العراقية اضعاف هذا المبلغ على بناء القواعد والمعسكرات واعداد القوات وتجهيزها وتسليحها وتهيئتها للقتال ضد الإرهابيين.(2)

فمنذ حل الجيش السابق جرى بناء الجيش الجديد على أساس الاعتماد على خلطة من الأفراد من اقلية منتقاة من بين ضباط الجيش القديم، واغلبية من المتطوعين الجدد، اضافة الى اعضاء في الجماعات الشيعية المسلحة التي كانت قد شكلت في ايران من قبل معارضي صدام لمحاربة جيشه.ولقد اثبتت الأحداث التي توجت بسقوط المدن العراقية بيد داعش ان هذه الخلطة المتنافرة العناصر لم تنجح بالاندماج الفعلي بما يكفل تشيكل نواة لجيش وطني، خاصة انها افتقدت لتوازن حقيقي بين المكونات العراقية.كان من النتائج المباشرة لهذا الفشل في عملية الاندماج هو العجز عن بناء قوات امنية تتمتع بالكفاءة والقدرة في مواجهة التحديات الأمنية التي يواجهها العراق، وخاصة الارهاب، في حين ان من بين النتائج الاخرى هو الإخفاق في تعزيز الهوية الوطنية عن طريق خلق جيش يكون رمزا لوحدة العراقيين من خلال تمثيله لجميع المكونات والجماعات على قاعدة المساواة والمواطنة، وليس المحاصصة الطائفية والعرقية، كما حصل.

عشية سقوط الموصل كان الجيش العراقي الجديد يتكون من خمسة عشر فرقة عسكرية تضم كل فرقة منها بين 12-15 فردا حيث قدر “معهد ستوكهولوم لابحاث السلام” المجموع الكلي بحوالي 190,000 جنديا في حين ان القوات الأمنية الاخرى كانت تضم فرق قتالية من الشرطة الاتحادية، ومن قوات مكافحة الارهاب، وقوات جوية وبحرية وغيرها تضيف آلافا اخرى لعدد القوات الأمنية العراقية المسجلة في سجلات الدولة رسميا.(3).

ومقارنة بجيوش اخرى في المنطقة وفي العالم فان قوات امنية تضم هذه الأعداد الهائلة من الأفراد، وتحظى بميزانيات هائلة، وتدريب جيد من قبل واحد من اكبر جيوش العالم، لابد ان تكون على مستوى عالي من الخبرات ومن الاداء ومن الروح القتالية.الا ان الوقائع المعروفة يومئذ كما النتائج التي تحققت في انهيار القوات الأمنية امام فلول داعش، اثبتت ان اوضاعها كانت اسؤ بكثير مما كان معروفا ومتوقعا.وفي حين ان عوامل كثيرة لعبت دورها في وصول القوات العراقية الى هذه النتيجة، الا ان الفساد بكل انواعه، في المؤسسة الامنية يبقى العنصر الأساس وراء الكارثة التي حلت بالعراق بصعود داعش في صيف عام 2014 والتكلفة المادية والبشرية العالية التي دفعها العراقيون بعد ذلك بالدم والدموع والخراب من اجل طرد الإرهاببين من المدن التي احتلوها.(4)

ومثلما سلطت كارثة سقوط الموصل الأضواء على عوامل فشل القوات الأمنية العراقية امام داعش فانها منحت الفرصة للأطراف لتقديم معلومات هائلة عن حجم الفساد داخل المؤسسة العسكرية الذي هيأ الاجواء لتلك الهزيمة.الطرف الامريكي صحا فجأة على وجود فساد مستشري في هذه المؤسسة التي ظل يتبجح انها من بنات ابداعاته، وبدأت وسائل الاعلام الامريكية تنشر المزيد من التقارير عن ملفات الفساد في الجيش والشرطة، كما اتضح من الحملات التي قامت بها صحف امريكية رئيسية كـ”الواشطن بوست” و”نيويورك تايمز” و”لوس انجلس تايمز” و”وكالة انباء الاسوشيتدبريس” ومن خلال تسريبات واضحة.لكن الهدف الامريكي هنا لم يكن ردا على مطالبة الادارة الامريكية من قبل “الكونغرس” والرأي العام الامريكي بان تجيب عن السؤال كيف انهارت هذه القوات التي اشرفت على اعدادها وتدريبها وتمويلها بهذه السرعة والكيفية، ولكن من اجل تمهيد الطريق امام عودتها للعراق وقيادتها التحالف الدولي لمحاربة داعش الأمر الذي كان يتطلب وضع مسألة معالجة الفساد الذي تغرق فيه الأجهزة الأمنية العراقية امام الحكومة العراقية وعلى الطاولة كشرط من شروط عمل التحالف الدولي لمحاربة داعش.(5)

ومثلما حاولت الولايات المتحدة ان تدفع عن نفسها تهم الفشل في بناء مثل هذه القوات وبالتالي ان تتحمل مسؤولية كارثة الموصل وغيرها من مدن العراق فان اطرافا عراقية كانت ضالعة في سقوط الموصل لعبت لعبة كشف وقائع الفساد في القوات الأمنية في الموصل بغية تبيض صفحتها، وغسل يدها، من المسؤولية عن تلك النبكة.فوفقا لمحافظ الموصل “أثيل النجيفي” فان المدينة كانت ساقطة بيد داعش “منذ سنوات” بسبب الفساد المتفشي بين الضباط، وتغاضي الحكومة والاميريكان عن عمليات التهريب الكبرى التي كان ينفذها تنظيم “داعش”، وعن فرضه اتاوات على التجار والشركات.وحسب شهادة النجيفي فان رئيس الوزراء “نوري المالكي” رفض الإستماع الى معلومات قدمها له شخضيا عن تورط ضباط كبار في الاستخبارات في تسهيل عمل “داعش” في الموصل، وفي عمليات تهريب النفط بالتعاون مع التنظيم.ووفقا للنجيفي فان “ضباط الاستخبارات” في وزارة الداخلية وفي الفرقة الثانية المنتشرة في الموصل “كان عملهم يقتصر على ابتزاز المقاولين والمتعهدين واصحاب مواقف السيارات ومحطات الوقود” وليس في محاربة داعش.(6)

ومع ان التقارير الأمريكية، وشهادات خصوم للحكومة، تبقى مشكوك في دوافعها الا انها تضيف بعض الأبعاد لصورة الجريمة التي اقترفت بحق العراق والتي لن تمحى اثارها ابدا.غير ان المشكلة ايضا هي ان حكومة “دولة علي بابا” لم تتخذ اية خطوة جادة للكشف عن حقيقية ما جرى في قصص سقوط المدن العراقية واحدة تلو الاخرى بيد داعش بداية من الشهر الاول لعام 2014، وبالتأكيد تفريطها في العثور على المتسببين بذلك ومحاسبتهم، مما يعني انها تولت بذلك حماية الفاسدين والمفسدين وجبل الفساد الذي اقاموه داخل المنظومتين العسكرية والأمنية.

المحاولة اليتيمة التي جرت في التحقيق بسقوط الموصل هي تلك التي قام بها البرلمان تحت ضغط الانتقادات الشعبية المتصاعدة والتي تم من خلالها تشكيل لجنة تحقيق شاب عملها الكثير من العيوب والنقائص من النواحي القانونية والفنية كما شابها خلافات وصراعات بين القوى السياسية ادت بالنتيجة الى الخروج بتقرير بائس يفتقر الى الخبرة والكفاءة في تحديد المسؤوليات وفي رسم صورة دقيقة وتفصيلية لما جرى في الموصل.ومع هذا فقد عجزت الدولة بأجهزتها التنفيذية والقضائية في فتح التحقيقات اللازمة في ما ورد من وقائع تدين الكثيرين من المسؤولين السياسيين والقادة العسكريين في مأساة الموصل، بل ان العديد من اولئك ظلوا يمارسون عملهم وادوارهم في “دولة علي بابا” في تحد صارخ لدماء الآلاف من العراقيين الذين سقطوا ضحايا الغدر عند تسليم تلك المدن لداعش والآلاف الآخرين الذي ضحوا من اجل تحريرها.(7)

واذا كانت قصة الفساد في الأجهزة الامنية تبدأ مع تشكيلها بالطريقة التي اشرنا اليها، فان الوقائع التي كشف عنها خلال السنوات اللاحقة عن الفساد وسؤ الادارة تؤكد على ان حصاد تلك التجربة المرة كان يتطابق مع الأسس الخاطئة التي اقيمت عليها هذه المؤسسة المهمة.كانت اكثر صور الفساد انتشارا في القوات الأمنية هي ظاهرة “الفضائيين”، وهو تعبير عبقري من نتاجات ابداعات فن التهكم الشعبي لدى العراقيين، اطلقوه على الجنود والضباط المسجلين في سجلات القوى الأمنية والذين يستلمون رواتبهم وإستحقاقاتهم الاخرى دون ان يكون لهم وجود حقيقي على الأرض في صفوف القوات العاملة.كانت ظاهرة الفضائيين شائعة في كل مفاصل الدولة الا انتشارها الأوسع كان في القوات الأمنية بسبب الانفلات والتسيب الذي شاب عملها من جهة وتدخلات الجماعات السياسية المهيمنة من جهة ثانية.لم يتم الكشف عن هذه الظاهرة علنا الا بعد كارثة سقوط الموصل حين اتضح ان عدد القوات المسجلة لدى الفرق والالوية وباقي الوحدات العسكرية والامنية في الموصل كان يتجاوزر ثلاثين الفا لكن من كان موجدا فعلا في الخدمة على الارض لم يتجاوز بضعة آلاف.من هنا بدأت الاسئلة تطرح عن الأعداد الكلية للفضائين في الجيش والشرطة، وعن مجمل الأموال التي هدرت على رواتبهم وإعاشتهم وتجهيزهم دون ان يكون لهم وجود فعلي.لم يتسنى للعراقيين الحصول على اي من هذه الاجوبة ولا الاطلاع على مظاهر الفساد الاخرى المؤكد ارتباطها بذلك وتأثيرها على اداء الجهاز الأمني وعلاقات ذلك بجرائم الإرهاب التي حصدت حياة الآلاف من العراقيين الأبرياء.

في خضم هذا الجدل والمطالبات الشعبية بالكشف عن تفاصيل فضيحة سقوط الموصل وتحديد مسؤولية القادة السياسين والعسكريين فيها اضطر رئيس الوزراء الجديد العبادي” للحديث عن قيام حكومته بالغاء وظيفة 50 الف جندي فضائي في وزارة الدفاع خلال شهر واحد، وهو رقم رغم تواضعه، اذهل العراقيين الذين بدؤا يطالبون بكشف الحقيقة عن الفضائيين كاملة سواء في وزارة الدفاع او في باقي الاجهزة الامنية.(8)

لايبدو ان هذا هو فقط عدد الجنود والضباط الفضائيين، ولا يمكن ان يكون خمسون الفا من الذين تم اعفائهم هم فقط من يتحمل نتائج تلك الكوارث.فقد ارتفعت اصوات برلمانيين وسياسيين وخبراء تؤكد ان اعداد الفضائيين تفوق ذلك بكثير وان الظاهرة عميقة الجذور ومستمرة منذ سنوات وان المتورطين فيها لا يعدون ولا يحصون.واذا ما اخذ بنظر الإعتبار ان العدد الذي كشف عنه هو في فرق عسكرية محدودة العدد فان العدد الكلي لا بد ان يكون اكبر من ذلك بكثير ضمن الأرقام التي كشف عنها، ولعل اهمها الرقم الخاص بالعسكريين الذين ادلوا باصواتهم في انتخابات 2014 والذي بلغ نحو 700 الف حسب ارقام رسمية منشورة.هناك فجوة كبيرة بين عدد المصوتين في الاقتراع من القوات الامنية وبين الأعداد المحتملة في الوحدات العسكرية، وحتى مع إحتمالات وقوع التزوير، وتضخيم الأعداد للاغراض الانتخابية،  فان العدد الفعلي لهؤلاء الأفراد يبقى متضخماً مما يؤكد ان عدد الفضائيين الذي كانوا يتسلمون رواتبهم اكثر بكثير مما قيل يومها.  

ان مجرد الكشف عن رقم لا يعني شيئا دون تحقيقات شفافة تجري من قبل قضاء نزيه ومستقل تكشف عن كل المتورطين من محرضين وفاعلين اساسين في هذه الجريمة.كيف سيثق العراقيون بالقوات الأمنية بعد الان وهم يعرفون ان ارواحهم واموالهم واعراضهم ووطنهم لم تكن بايدي امينة.هل من المعقول ان تجري هذه العملية الواسعة النطاق ولا تجري اي عملية مراقبة، او مراجعة، او محاسبة، كي لا تتسع الكارثة الى هذا المدى الإجرامي الدنيء.هناك حاجة لكي يعرف العراقيون ان كانت هذه عملية منظمة ومن يقف وراءها من قوى محلية واجنبية كانت تسعى لتدمير الجيش والاجهزة الأمنية كي تصل الى ما وصلت اليه، وبالتالي فهي ليست مجرد عملية فساد داخلي، بل هي عملية منظمة ترتقي الى مصاف الخيانة الوطنية التي راح ضحيتها الآلاف من الشباب كما كلفت البلد تدميرا كاملا لمدن عديدة. 

لقد طبلت وزمرت اجهزة الإعلام المختلفة لخطوة العبادي في الكشف عن وجود 50 الف جندي فضائي، لكن لم يسمع العراقيون عن اية اجراءات فعلية في التحقيق عن هذه الوقائع وملاحقة المسؤولين عنها واحالتهم للقضاء.فقد نشرت جريدة “الشرق الاوسط” يوم 10 كانون الاول (ديسمبر) 2014 وقبلها موقع “باسنيوز” الاخباري يوم 4 كانون الاول (ديسمبر) 2014، نقلا عن تحقيقات اجريت من قبل الامانة العامة لمجلس الوزراء مع “الفريق علي غيدان” قائد القوات البرية اثناء اقتحام الموصل ان “مكتب رئيس الوزراء السابق (نوري المالكي) كان على علم بالجنود الفضائين في الدفاع والداخلية وأن 40 بالمائة من رواتب الفضائيين كانت تستقطع وترسل الى مكتب القائد العام للقوات المسلحة، اي مكتب المالكي نفسه.(9)

واذا كانت ظاهرة الجنود والضباط الوهميين قد اثارت الكثير من الاهتمام بسبب طبيعتها الشاذة وتلازمها مع قضايا اصلاح القوات الامنية والحرب على داعش وشروط التحالف الدولي فان القليل من ملفات الفساد الاخرى في القوات الامنية التي تبرعت أجهزة اعلام عراقية بالكشف عنها خلال هذه الفترة القصيرة تم تجاهلها رغم الالحاح الشديد على رئيس الوزراء والبرلمان والطلبات المتكررة للقضاء والادعاء العام لفتحها باعتبار ما ينشر بشانها بلاغات رسمية تستوجب التحقيق فيها قانونيا.

ما بدأنا نشهده مع كشف العبادي عن اعداد “الفضائيين” هو مجرد قمة جبل الفساد في المؤسسة الأمنية التي كان منوطا بها حماية البلد من الارهاب والتهديدات الاخرى. لكن جبل الفساد نفسه ظل مطمورا في غياهب التردد في فتح ملفات الفساد الاخرى والتحقيق فيها وفي بدء عملية المحاسبة وجلب المتهمين امام القضاء وانجاز العدالة التي يستحقها العراقيون الذين دفعوا اثمانا باهظة نتيجة لهذا النمط من الفساد بالذات.كانت احدى الملفات المهمة هي تلك التي تتعلق بهروب السجناء من الارهابيين، او المتهمين بالارهاب، مرات عديدة من المعتقلات والسجون وتمكنهم بعد ذلك من الالتحاق بالجماعات الارهابية والعودة لممارسة نشاطاتهم في القتل والتفجير والتدمير.وعلى الرغم من ان عمليات الهروب تلك استمرت لسنوات طويلة وفي سجون امتدت من الموصل الى البصرة، واحيانا من مراكز، اعتقال شديدة الحصانة في بغداد، الا انه لم يجر اي تحقيق رسمي، او محاسبة، للمسؤولين عن هذه السجون في حين تمكن الأرهابيون من الافلات والعودة التي تنظيماتهم السابقة.كانت كل التقارير تشير الى وجود شبكات من الضباط والمسؤولين المتواطئين الذين يسهلون عمليات التهريب لإسباب شتى، تتراوح بين التعاون مع المنظمات الارهابية الى تلقي الرشاوي لتسهيل الهروب.(10).

وتمثل عملية هروب الارهابي الداعشي الخطير “شاكر وهيب” احدى القصص المثيرة عن تواطئ الأجهزة الأمنية وحراس السجون في التعاون مع المنظمات الارهابية لتهريب عتاة الارهابيين من السجون وعودتهم لممارسة نشاطاتهم في القتل والذبح، كما هي في حالة وهيب.فوفقا لصفحة أحمد الجلبي على االفيسبوك فان “شاكر وهيب” كان يقبع في سجن المطار الذي وصفه الجلبي بانه “سجن لا يدخله ولا يخرج منه سوى الجن لكثرة الأبواب الموصدة فيه”.ويتساءل الجلبي كيف تمكن وهيب من الخروج عبر هذه البوابات وفي ظل “وجود مايقارب 50 نقطة حرس.” الا ان الجلبي يسارع  للاجابة بنفسه بان ذلك تم عبر “صفقة تجارية كبيرة” مكنته من “الخروج بسيارة عسكرية من المطار” وبعلم “كل القادة العسكريين في المطار.”

ما حصل بعد ذلك هو عودة وهيب الى ممارسة دوره الاجرامي ونشره بعد فترة قصيرة لفيديو يصوره وهو يذبح عددا من سائقي الشاحنات وهم يقومون بعملهم على الطريق الذي يربط العراق بسوريا والأردن قبل ان يعود الى قيادة التنظيم ليتزعم الارهابيين الذين استولوا على مدن محافظة الانبار شتاء عام 2014.

غير ان الهروب الكبير لنحو 1000 نزيل معظمهم من الإرهابين من “سجن ابو غريب” ليلة 21 تموز (يوليو) 2013 اثار فضيحة مجلجلة لحكومة المالكي بعد ان تمكن معظم الهاربين من الإفلات ووصولهم الى قواعد ومضافات التنظيمات الارهابية وعبور اعداد كبيرة منهم الى سوريا للانظمام الى تنظيمي داعش والقاعدة.ومرة اخرى لم يكن ذلك الهروب الكبير نجاحا لتنظيم داعش الذي ادعى مسؤوليته عن عملية الهجوم لتحرير السجناء، بل لفساد القوات التي تحرس المعتقل شديد الحراسة وعدم كفائتها وسؤ ادارتها.وبإمكاننا ان ندرك حجم الجريمة التي ارتكبت هنا اذا ما عرفنا ان بضعة مئات من ارهابي داعش فقط هم من شارك في الاستيلاء على الموصل بعد اقل من عام على حادثة الهروب تلك وان سقوط الموصل قد استدعى حربا شاملة وتحالفا دوليا لاخراج الارهابيين بعد ثلاثة اعوام.(11)

ومن الطبيعي في مؤسسة يضرب فيها الفساد بكل مفاصلها ان يشمل ذلك عقود التسليح التي تشكل مصدرا هاما للرشاوي والصفقات المالية التي تتم مع الشركات المجهزة والإطراف الوسيطة.اذ لم يمض على تأسيس وزارة الدفاع في “دولة علي بابا” سوى اشهر معدودات حتى تكشف ان وزيرها حازم الشعلان وطاقمه القريب قد وقعوا على نحو اربعين صفقة سلاح كانت اغلبها تشوبها عمليات فساد بلغت اكثر من مليار دولار وهي الفضيحة التي وصفت بانها الأكبر في تاريخ الفساد في العالم يومئذ.(12)

وتكشف وقائع هذه الصفقات وملايين الدولارات التي تم سرقتها من قبل حفنة صغيرة من هؤلاء اللصوص الكثير عن قصة الفساد في العراق، اولا، بسبب حجم الأموال التي تم الحصول عليها وتهريبها، وثانيا لانها لم تكن لتتم لولا معرفة ودراية ادارة الاحتلال الامريكي التي كانت لاتزال تدير العراق، وثالثا لانها جرت في وقت مبكر جدا من عمر الاحتلال مما يوضح العقلية الفاسدة التي كانت تتحكم بزمر المعارضة التي كانت في المنفى والتي جاء بها الغزاة ونواياها المبيتة.تم الحكم على الشعلان بالحبس 25 عاما بعد فترة طويلة من هروبه الى لندن وظل هناك يتمتع بالأموال التي سرقها والاستثمارات التي اقامها تحت حماية الجنسية البريطانية والأمن البريطاني.ولعل قصة الشعلان هي التي سنت السنة التي مضى على طريقها من جاء بعده حيث استمر الفساد وتعاظم في المؤسسة العسكرية حتى انه لم يكن هناك صفقة واحدة من صفقات الأسلحة التي اجريت بعد ذلك لم يطالها حديث الرشاوي والعمولات والتكسب غير المشروع.(13)

ان كل هذه الوقائع بدت يومها اشبه بقصص خيالية لكنها في الحقيقية كانت قصص واقعية من حكايات الفساد في عراق ما بعد صدام، ومع الاسف الشديد ستكتب تفاصيلها لاحقا بالدم والدموع والرماد.لقد كانت كلفة هذا الفساد المالية والمادية في المؤسسات العسكرية والأمنية باهظة جدا حيث بلغت تكاليف العمليات العسكرية لاخراج ارهابي داعش من المدن بين عامي 2014 و 2017 نحو 100 مليار دولار أمريكي، كما اعلن العبادي نفسه، هذا طبعا غير المليارات الاخرى التي تكفلها الخراب الذي حل بالمدن والبنى التحتية وبالاقتصاد العراقي.اما الخسائر البشرية سواء ممن ضمتهم مقابر داعش الجماعية او الشباب والرجال الذين قدموا حياتهم ودماءهم قربانا لدحر الارهاب والمعانات الانسانية التي تكبدها ملايين العراقيين الآخرين فبالتأكيد انها لاتقدر بثمن.ولم يكن كل ذلك ليتحقق لولا تفاقم الفساد وسؤ الادارة في المؤسسة العسكرية والأمنية الذي ادى منذ البداية الى الفشل في تحقيق الأمن والاستقرار، ثم مكن بعد ذلك داعش من الوصول الى تلك المناطق التي احتلتها وتطلب اخراجها منها كل تلك الأثمان الباهظة من التضحيات البشرية والمادية الجسام.(14)

 

 

 

                         هوامش ومصادر ومراجع الفصل السادس

 

 

1-انظر:”كيف دمر المالكي العراق”،مجلة فورن بولسي،19/6/2014 بالانكليزية

http://foreignpolicy.com/2014/06/19/how-maliki-ruined-iraq/

2-انظر:تقرير معهد ستوكهولم لابحاث السلام،29/1/2016

https://www.sipri.org/commentary/essay/2016/international-responses-isis-and-why-they-are-failing

3-انظر:”حقائق وارقام عن الجيش العراقي”، وكالة انباء رويترز،11/12/ 2011

https://www.reuters.com/article/us-iraq-withdrawal-military/factbox-iraqs-military-strength-idUSTRE7BA0GS20111211

انظر كذلك:”لماذا انهار الجيش العراقي”، جريدة الاخبار اللبنانية، 13/6/2014

http://www.al-akhbar.com/node/208484

وايضا:تقرير معهد ستوكهولم لابحاث السلام، 29/1/2016 المذكور اعلاه

4-انظر:”فساد ام عدم كفاءة؟”، صلاح النصراوي، الاهرام ويكلي، 9/5/2013

http://weekly.ahram.org.eg/News/2549.aspx

انظر ايضا:”محنة تسليح العراق”، صلاح التصراوي، الاهرام ويكلي،6 /8/2015

http://weekly.ahram.org.eg/News/12928.aspx

 5-انظر:”بعد 1.6 مليار دولار من المساعدات الأمريكية الجيش العراق يعاني”، واشنطن بوست، 10/6/2016

https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/iraqs-army-is-still-a-mess-two-years-after-a-stunning-defeat/2016/06/09/0867f334-1868-11e6-971a-dadf9ab18869_story.ht

6-انظر:”قصة تسليم الموصل إلى داعش، الحياة اللندنية، 1/7/ 2014

http://www.alhayat.com/m/story/3342425#sthash.7ug06REh.dpbs

7-انظر:”تقرير لجنة سقوط الموصل يتهم المالكي بالمسؤولية بعد ثلاث سنوات”، الصباح نيوز، 10/6/2017

http://www.assabahnews.tn/article/152637/%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A9-%D8%B3%D9%82%D9%88%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B5%D9%84-%D9%8A%D8%AA%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-3-%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AA

8-انظر:”العبادي يكشف عن الغاء 50 الف جندي “فضائي خلال شهر واحد”، موقع السومرية، 30/11/2014

http://www.alsumaria.tv/news/117654/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%8A%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7-50-%D8%A7%D9%84%D9%81-%D8%AC%D9%86%D8%AF%D9%8A-%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%AE/ar

9-انظر:”فضائيو العراق.. جيش من الفاسدين تحت الأرض، الشرق الاوسط، 10/12/ 2014

http://archive.aawsat.com/details.asp?section=45&article=797602&issueno=13161#.WjABZYaWbIU

انظر ايضا:”بإعتراف علي غيدان :المالكي كان يسرق رواتب نحو 20 الف منتسب وهمي في وزارة الدفاع”، موقع باسنيوز، 4/12/2014

http://buyerpress.com/?p=13796

10-انظر:”الفساد وراء هروب 4000 متطرف من السجون العراقية”، صحيفة الناشنال (بالانكليزية)،3/5/2011

https://www.thenational.ae/world/mena/corruption-blamed-for-escape-of-4-000-militants-from-iraq-prisons-1.414743

11-انظر:”فرار قرابة 1000 سجين من أبوغريب بعد هجوم للقاعدة”، موقع العربية 22 /7/2013

https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/2013/07/22/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B3%D8%AC%D9%86%D9%8A%D9%86-%D9%82%D8%B1%D8%A8-%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D9%86%D8%A8%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%86-%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A2%D9%84%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%86%D8%A7%D8%A1-.html

12-انظر:”الفساد في العراق يولد الارهاب”، صلاح النصراوي، الاهرام ويكلي، 26/7/2017

http://weekly.ahram.org.eg/News/22027.aspx

انظر ايضا:”وزير الدفاع العراقي السابق مطلوب بتهم فساد بقيمة مليار دولار” الغاردين، (بالانكليزية) 20/9/2005

https://www.theguardian.com/world/2005/sep/20/iraq.michaelhoward

انظر كذلك:”حازم الشعلان في قفص الاتهام”، موقع ايلاف، 29/9/2005

http://elaph.com/Web/AsdaElaph/2005/9/94048.htm?sectionarchive=AsdaElaph

13-انظر:” ملف تسليح الجيش العراقي: فساد بحجم موازنات دول”، موقع العربي الجديد، 24/2/2016

https://www.alaraby.co.uk/politics/2016/2/24/%D9%85%D9%84%D9%81-%D8%AA%D8%B3%D9%84%D9%8A%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D8%A8%D8%AD%D8%AC%D9%85-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%AF%D9%88%D9%84

14-انظر:”المسائلة المتسحقة”، جريدة المدى، 13/11/2017

http://www.almadapaper.net/ar/news/538695/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%A1%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%AD%D9%82%D8%A9#.WgiBQlxrtl4.facebook

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دولة علي بابا

 

cover 5 

(5)

 

                                   وللفساد تأصيل شرعي

 

 

في زياراتي العديدة لمكاتب وبيوت قيادات المعارضة الاسلامية العراقية لنظام صدام حسين في دمشق وبيروت ولندن وغيرها من مدن المنافى والشتات قبل الغزو الامريكي كنت انتبه دائما الى لوحة متميزة غالبا ما تتوسط الجدران، او الطاولات، نقشت عليها آية قرأنية تقول “وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ”.كانت تلك الآية الخامسة من “سورة القصص” تزين ايضا بعض المطبوعات التي يصدرها الاسلاميون كما تأتي عادة في خطاباتهم في المناسبات المختلفة.كنت شخصيا قد التفت الى المغزى السياسي لتلك الآية عند الاسلاميين عندما قرأتها في كتاب “الحكومة الاسلامية” لآية الله روح الله الخميني الذي صدر قبل الثورة الاسلامية بفترة وجيزة، وكان يبدو نوعا من مانفيستو لتلك الثورة التي قادها الزعيم الديني الايراني عام 1978 وتكللت بعودته لكي يؤسس للجمهورية الإسلامية بعد عام من ذلك.ولذلك لم يكن غريبا بالنسبة لي ان يكون لتلك الآية الكريمة هذا الاستخدام الواسع في آلة الدعاية لدى هذه الأحزاب الدينية، ولكن ما لم اكن على دراية به هو التفسير الباطني الذي تأتي به هذه الجماعات والتي تجعل من الآية القرأنية التي يقول المفسرون انها نزلت في فرعون وآل اسرائيل لكي تصبح قانونا من قوانين مسعى وصول الاسلام السياسي الشيعي الى السلطة وطريقة ادارتها بعد ذلك.في تفسير هذه الأحزاب للآية اصبح فرعون هو كل حاكم ظالم للشيعة، في حين أصبحوا هم آل اسرائيل المظلومين.(1) 

وبغض النظر عن التأويلات التي تطورت كنظرية عقائدية للحكم لدى الجماعات الاسلامية الشيعية فان الأمر أصبح المبدأ الذي على ضوئه تم صياغة القواعد الشرعية لكل جوانب الحكم والتشريع في “دولة علي بابا” التي يتولى قيادة حكومتها المركزية، وإدارة اغلب محافظاتها الجماعات السياسية الاسلامية الشيعية، ومنها الموقف الشرعي من قضايا  الفساد، ونهب المال العام، والرشاوي، والابتزاز، والسرقة، وغير ذلك مما عالجته ابواب الشريعة الاسلامية المختلفة.واذا كان الفساد ظاهرة سياسية واخلاقية بشرية عابرة للأديان والمذاهب والمعتقدات فان التساؤل بشأن الموقف العقدي والفقهي لهذه الجماعات حول الموضوع يبقى جوهرياً طالما انها تؤسس شرعيتها على اساس ديني ومذهبي، كما انها تطرح مشروعها الاسلامي الذي يستوجب ان يكون لمماراسات السلطة فيه تأصيل شرعي محكم.

في البداية لا بد من القول ان الاسلام وقف موقفا حديا من الفساد الذي اعتبره بكل أشكاله من الكبائر، وحفل القرأن الكريم بتحذيرات عديدة للمؤمنين من مغبة الوقوع في براثنه، كما توعد مرتكبيه بعذاب الدنيا والآخرة والطرد من رحمة الباري ومن بركاته.بل وفي عبارات قاطعة حذر القرأن الكريم ممن يحاول ان يغطي على فساده بالادعاء والكذب كما ورد في سورة البقرة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ.اَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ).وترسخت في العقيدة ان الفساد من الرذائل التي ينبغي على المسلم تجنبها كما شرع بتجريمها ووضع لها العقوبات الرادعة بشكليها الإلهي في الآخرة والدنيوي.اذ بينما يحفل القرأن بالكثير من الآيات التي تنذر الفاسدين وتضع أفعالهم في الآخرة موضع الموبقات فان جزائهم في الدنيا كان اشد وضوحا.ففي القرأن يقول تعالى (إنما جزاءُ الذين يحاربون اللهَ ورسولَه ويَسعَونَ في الأرضِ فسادًا أن يُقتَّلوا أو يُصلَّبوا أو تُقطَّعَ أيديهم وأرجلُهم من خِلافٍ أو يُنفَوا من الأرضِ ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم-المائدة). 

لكن من الواضح ان التفسيرات الفقهية ذهبت بعد ذلك مذاهب شتى بشأن الفساد ومعانيه، حيث تباينت التؤيلات والاجتهادات التي ينسب بعضها الى الأحاديث النبوية وبعضها الآخر الى رؤيا الخلفاء الراشدين والصحابة والفقهاء.واذا كان الفساد في معناه المعاصر أكثر شمولية مما ورد في النصوص القديمة فان هذه النصوص اخذته بالمعنى الضيق بإعتباره سرقة للمال، كما ميزت بين السرقة التي جاءت عقوباتها واضحة بالإسم والتعين، وبين سرقة المال العام.اذ يبدو في بعض المصادر ان الاجتهاد قد طال سرقات المال العام بالتخفيف من العقوبات، او الحدود، المفروضة على السرقة، باعتبار ان النصوص لم تحدد ذلك بالإسم، وايضا تحت ذريعة انه مال عام مشاع وللناس نصيب منه، وهي نظريات استغلها الفاسدون والمفسدون عبر التاريخ الإسلامي.

واذا ما كان يعنينا هنا بالدرجة الأولى هو موقف الجماعات الشيعية في العراق من مسألة الفساد، فان الأمر يبدو حتى لغير اهل الاختصاص ان فقهاء الشيعة لم يهتموا كثيرا بهذه المسألة حيث تكاد كتبهم ورسائل المجتهدين تخلوا من ابواب خاصة باظهار الأحكام بشأن الفساد بانواعه المالي والاقتصادي والاداري، وبالذات نهب الأموال العامة، وسؤ استخدامها، وعدم المحافظة عليها.صحيح ان البعض من الفقهاء تناول قضايا الرشوة المعنوية والمادية وحرمها من باب السحت الحرام، الا ان البعض الآخر اجازها، او احتاط بشأنها، اذا ما كانت، حسب قولهم، في “مورد الحاجة”، وهو تفسير او بالاحرى فتوى اباحة شاذة وغريبة، ربما توفر لنا تفسيرا لما يجري في عراق اليوم.

ان اكثر ما نراه في التفسيرات الفقهية الشيعية الحديثة بشأن الفساد هو انه يدخل في باب “اكل المال بالباطل” (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ-البقرة) وهو مصطلح فقهي مستحدث يراد له ان يشمل النهي عن كل انواع الفساد، مع الإقرار ممن صكه ان بعض المفاسد المالية والاقتصادية ليست لها عقوبة دنيوية في الاسلام، وانما من الاعمال التي تترتب عليها عقوبات آخروية فقط.

ان جزءا اساسيا من هذا الموقف الشرعي الشيعي من مالية الدولة والعلاقة بينها وبين الناس، يعود في ما اظن، الى جوهر النظرية الشيعية المتعلقة بالامامة وايامانهم ان السلطة في العالم الاسلامي السني كانت مغتصبة من قبل الحكام من صاحبها الاصلي، اي الامام الغائب وورثته.اذ ما دامت الدولة تحكم من قبل سلطة مغتصبة فلا حدود ولا تعزير فيها لانها ليست اسلامية، وتفتقد للشرعية، ولربما اعتبر البعض من فقائهم ايضا ان اموال الدولة (غير شرعية لانها ليست دولة الامام) انفالاً، والتي يعرفها آية الله السيد محمد محمد صادق الصدر بانها “كل ما كان ملكا للامام من اموال.”(2)

غير ان جماعات الإسلام السياسي الشيعي ذهبت بعيدا في غلوها في الموقف من استحلال اموال “المخالفين” ففي حادثة بليغة الدلالة يروي الكاتب الاسلامي العراقي “عبد الجبار الرفاعي” الذي عمل في صفوف المعارضة الاسلامية في ايران ضد نظام صدام بانه جادل بعض رفاقه في احد الأحزاب الذين كانوا يقومون بتزوير العملة العراقية وتهريبها الى داخل العراق يومذاك بان ما يقومون به يساهم في تدمير الاقتصاد العراقي، الذي كان تحت الحصار، كما يضر بالانسان العراقي، وليس بنظام صدام، الا انه كان يواجه دائما بان لديهم فتوى شرعية تبيح لهم ذلك.ويصف الرفاعي تلك الفتوى بانها من نتاج “فقه لا اخلاقي تمقته شرائع السماء والارض.”(3)

واذا كانت تلك هي الفلسفة المتعلقة بشكل الملكية في دولة غير الامام فان السؤال هو كيف تعاملت الجماعات الشيعية العراقية مع الدولة التي يقودونها ويتولون الحكم فيها منذ سقوط صدام.لا تتوفر هنا اجابات نظرية في مجالات الفقه والتشريع بشأن المفهوم الفقهي، او الموقف الشرعي، من مالية الدولة وهو موقف غريب لانه يطرح السؤال الأهم وهو موقف المرجعية الشيعية العليا من الدولة العراقية الحالية ومدى علاقاتها بدولة الامام المتصورة، او على الاقل، هل هي من وجهة النظر الشرعية دولة شيعية كي يستقيم تعامل الفرد الشيعي معها بما تمليه عليه عقيدته الامامية.ان عدم التحديد هنا يثير اشكالات بشأن الموقف الشرعي من التعامل مع الدولة، وبضمن ذلك ماليتها وقوانينها ومعاملاتها، وبطبيعة الحال، الموقف من الفساد باشكالة المختلفة، وخاصة نهب المال العام.

وخلاف المفهوم الفقهي، فان الكيفية التي تعاملت بها الحركات والقيادات الاسلامية السياسية الشيعية العراقية مع المال العام عمليا تكشف انها بشكل عام اعتبرت المال العام مالا سائبا ومباحا.فحتى قبل ان تتولى السلطة كانت الحركات الشيعية تنظر للدولة باعتبارها ارثا تستحقحه على نحو شرعي، كما جاء ذكره في المقدمة بشأن آية المستضعفين.في هذا السياق ايضا نجد ان هذه الجماعات قد لجأت عمليا الى التوسع المفرط في تفسيراتها الخاصة بشأن قضية توارث الملكية العامة، حيث استندت ضمنيا الى تشريعها الخاص بان الأرض ومن عليها هي ارث لهم في هذه الحياة وفقا لتفسيرهم للآية القرأنية “ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون” حيث اعتبروا انفسهم دائما “الصالحون” الذين تخاطبهم تلك الآية.(4)

ولم يكن ممكنا ان تتوالى عمليات نهب مماثلة جرت للمال العام منذ بداية الاحتلال الامريكي الا بعد ان ضربت قيادات شيعية بارزة مثالا بنفسها على ذلك باستيلائها على مباني واراضي ومنشئات الدولة حين احتلت قصوراً وبيوتا تتبع ملكيتها رجالات نظام صدام، او الدولة، بحجج رد المظالم التي تعرضوا لها وبالتالي اباحوا استباحة المال العام ونهبه.ولقد شجع ذلك العامة من الناس على الاستيلاء على اراضي الدولة والتجاوز عليها بالبناء والبيع في واحدة من اكبر عمليات انتهاك للمال المال العام في تاريخ الدولة العراقية والتي تم تقنينها لاحقا من خلال قرارات حكومية اعترفت بالكثير من تلك التجاوزات رسميا.

يشكل استيلاء “السيد حسين الشامي”، المقرب من رئيس الوزراء السابق “نوري المالكي” و”حزب الدعوة الاسلامي” على مباني وارض “جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا” وسط بغداد نموذجا سافرا للفساد الذي تقوم به هذه الجماعات الدينية.وقصة هذه المنشأة التي تعود ملكيتها الى وزارة الدفاع وتحولت الى مؤسسة خاصة تحمل اسم “جامعة الامام الصادق” اصبحت موثقة بسبب الجدالات التي دارت بشأنها وكيفية تحويلها الى مؤسسة تدر ارباحاً هائلة لاصحابها الجدد والتي لم تنفع كل المحاولات الى اعادتها الى ملكية الدولة.ولم يحاول الشامي، وهو رجل دين معروف ، ان يبرر شرعياً كيفية استيلائه على المبانى، والارض الشاسعة التي تحيط بها، ومن ثم شراءه لها بسعر بخس ودون اجراءات سليمة، كعرضها في مزاد علني، او التقيد بالشفافية، مستغلا مركزه وعلاقاته مع السلطات الحاكمة، سوى وصفه للمشروع الذي اقامه بانه جامعة اسلامية.ولقد اضطر الشامي بعد اتساع دوي الفضيحة الى الاعلان انه اشترى المبنى المقام على ارض مساحتها تربو على دونم واحد او ما يربو على 2337 مترا مربعا، بمبلغ مليون دولار في حين ان التقديرات اشارت الى انه يستحق اكثر من 800 مليون دولار بسعر السوق العقاري يومئذ.(5)

وفي الوقت الذي شاعت فيه قصة جامعة البكر على نطاق واسع بسبب حجم الفساد الذي احاط بها وبسبب تسريب الوثائق الرسمية المتعلقة بها بعد الخلافات التي دبت بين الأطراف الحاكمة بشأنها فان قضايا فساد اخرى ومنها الأستيلاء على عقارات الدولة والمال العام تتعلق بشخصيات دينية وسياسية ظلت حديث الشارع العراقي طيلة كل هذه السنوات دون ان يجري اي تحقيق بشأنها او اجلاء الموقف الحكومي منها.ولم يقتصر الأمر على الاستيلاء على قصور ازلام صدام في بغداد، والتصرف بها كما ظل معروفا، بل امتدت عمليات النهب الى ممتلكات واراضي الدولة في العديد من المحافظات واستخدمت في ذلك اساليب غير قانونية، او ملتوية، لكنها جرت كلها تحت ذرائع “شرعية”، وفرتها لهم فتاويهم وتؤيلاتهم الفقهية الموضوعة خلافا للشريعة الاسلامية ولعقيدة أهل البيت الصحيحة.ولم يقتصر أمر الاستحلال على مجرد الاستيلاء على الأراضي والعقارات على اساس تسويغها انها ارث إلاهي مشاع، او انها من مخلفات النظام السابق، بل بمفهوم سرقة المال العام نفسه الذي اباحته الجماعات الحاكمة لنفسها ومارسته على اوسع نطاق، والى كل ما وصلت اليه اياديهم، على الرغم من انها اصبحت تمسك بالدولة وبمفاصلها المختلفة باعتبارها دولتها التي ورثتها بموجب فهمها للآية الكريمة.

وفي ما بدا درس مبكر في المحاصصة في عملية “النهب العام” للدولة استوعبته الأطراف الاخرى فقد قامت قوات الأحزاب الكردية بالمشاركة في غزوة الغنائم في الأيام الأولى للإحتلال بالهجوم على مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية في المناطق والمدن الممتدة من شمال العراق الى داخل بغداد لنهب وسرقة كل ما وقع تحت ايديها من معدات ومن ممتلكات شملت مصانع وورش ومعسكرات وأسلحة بضمنها دبابات وسيارات حكومية والقيام بنقلها الى المدن الكردية الرئيسية.وعلى عكس الجماعات الشيعية، كان إهتمام القوى الكردية يتركز على  نهب الأموال المنقولة لانها كانت معنية بالدرجة الأولى بتدمير البنى التحتية للدولة العراقية التي كانت تنوي الإنفصال عنها، وليس إستملاك أراضي وعقارات في الجزء العربي من العراق. 

تلك كانت بداية رحلة الفساد التي شرعت فيها الجماعات السياسية الشيعية الحاكمة والتي اسست لـ”دولة علي بابا” لاحقا والتي حتى لو انها لم تكن قد جهرت وصرحت بهذا “الغطاء الشرعي” علنا، فانها عملت به ومارسته فعلا بل وسارت به الى منتهاه، كما انها عجزت عن ان ترفع هذا الغطاء عمن يمارسونه، وهو أمر كان سيحدث فرقا كبيرا، ولربما سيوقف تضخم الفساد الذي ترسخ، ثم تغول، ثم طغى حتى اصبح مضرب الأمثال في كل البلاد.ان قضية التأصيل الشرعي للفساد هي في جوهرها خدعة ووهم مارسته تلك الزمر للتضليل مثلما ما رسوا كل أساليب الخداع الاخرى بهدف تشكيل هياكل سياسية وعقائدية في محاولة تغير عقول العراقيين الشيعة وسلبهم قلوبهم وارواحهم.

لقد جرى كل ذلك بالضد من الموقف الشيعي المبدئي من الفساد المتمثل في المنهج العلوي الأصيل الذي جسدته دولة “علي بن ابي طالب” والذي حارب الفساد بكل انواعه قولا وفعلا، وبلا هوادة من اجل الاصلاح، وإقامة دولة العدل والحق والانصاف.واذا كانت آذان جماعات الفساد قد صمت عن سماع الرسالة العلوية التي تتشدق بها، فانها قد تعامت ايضا عن كل النداءات والمواقف التي جاءت على لسان أكبر مرجع للشيعة في العراق وهو “آية الله علي السيستاني” والتي واجهت محاولات “التأصيل الشرعي” للفساد التي سعى اليها أرباب “دولة علي بابا”.فخلال هذه الفترة اصدر السيستاني العديد من الفتاوي والأراء الفقهية والمناشدات بشأن وقف الفساد والتي حرم فيها عدة أمور مثل الرشوة وسرقة المال العام واستغلال الوظيفة العمومية كما ادان كل من اعتبر كل ذلك “رزقا حلالا” باعتباره، “توهما”، اي خداعا للنفس.وفي واحدة من المواقف الصارمة للسيستاني أزاء الفساد وصف المرجع الأعلى المفسدين والمتلاعبين بالمال العام  بأنهم “أسوأ من تنظيم داعش”، داعياً الى محاسبتهم بقوة القانون.(6)

واذا كان هناك من شيء تمثله مواقف السيستاني هذه، فانها ترسخ الرفض والقطيعة مع كل ما تمثله دولة الفساد واللصوصية التي حاول مقاوليها ان يظهروها وكأنها دولة عادلة يؤسسها الشيعة على انقاض دولة الجور الصدامية.ومع ذلك فالحقيقة هي ان الأمر لم يكن يتعلق دائما بالنظرة، او الرؤية، الشرعية، حول التعامل مع المال العام، وانما بطبيعة وخلفية الزمر التي كان من سؤ حظ العراق ان يكون على موعد معها لتولي زمام السلطة والمسؤولية فيه بعد سقوط صدام حسين.فلم يكن تمسح هذه الطغم بالتشيع سوى الغطاء الاديولوجي الذي استخدموه لتمرير مشروعهم الشيطاني لتدمير العراق.لكن نتيجة ذلك ايضا كانت تدمير البنية النفسية لدى الشيعة العراقيين حيث سعوا الى ترسيخ منهج جديد وهو ان الهوية الجمعية للشيعة تستند الى الهيمنة والقهر والسلطة، لا الاخلاق القرأنية والمحمدية ولا الى التقاليد والثقافة والقيم النبيلة التي قام عليها التشيع العلوي.لقد جلب هؤلاء بممارساتهم المشينة وبالتدليس على روح التشيع ومبادئه العارعلى الشيعة، في كل زمان ومكان.

لكن هذه الممارسات لا تشكل انتهاكا شرعيا لمبادئ الدين وجرائم اخلاقية في سياق حسابات الصواب والخطأ في قانون العلاقات الاجتماعية فقط بل هي ترسخ قواعد عرفية للتعامل مع موارد الدولة ومصادر ثرواتها وتمنح الرخصة لنهبها دون قيود وهو أمر يحطم اي اساس مادي لبناء الدولة مهما كانت هويتها سواء دينية او مدنية.ان احد تعريفات الدولة الحديثة هي وجود قوة مادية تقوم عليها اي وجود بنية اقتصادية قوية تقوم على قواعد تنظيمية وادارية واضحة تعتمد مبدء الكفاءة والتوزيع العادل للموارد.ودون ادنى شك فان دولة يقوم اقتصادها على مفهوم الاستلاب والاستحلال، اي قائم على “نمط نهبوي” هي دولة مستحيلة وهذا هو بالفعل معنى ان يكون العراق الجديد مجرد مغارة لللصوص وليس بدولة.

 

 

                        هوامش ومراجع ومصادر الفصل الخامس

 

1-انظر:”الإستكبار والإستضعاف في فكر الامام الخميني”، موقع الامام الخميني، 29/10/2013

http://ar.imam-khomeini.ir/ar/n6594/%D8%B9%D9%84%D9%89_%D9%86%D9%87%D8%AC_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D9%85/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%DA%A9%D8%A8%D8%A7%D8%B1_%D9%88_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B6%D8%B9%D8%A7%D9%81_%D9%81%DB%8C_%D9%81%DA%A9%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A7%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%85%DB%8C%D9%86%DB%8C

2-انظر: “ما وراء الفقه”، اية الله السيد محمد محمد صادق الصدر، الجزءان الثالث والرابع، دار الاضواء، بيروت، 1995

3-انظر:”الاخلاق والمدونة الفقهية”، عبد الجبار الرفاعي، موقع مؤمنون بلا حدود،5/12/2017

http://www.mominoun.com/articles/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%82-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%88%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%87%D9%8A%D8%A9-5535

4-انظر:صورة الانبياء، 105 ، القرأن الكريم

5-انظر:” فساد اهل الدين!حسين الشامي يشتري جامعة البكر بمنشائتها بمليون دينار فقط!”، موقع العراق سنتر، 22/4/2011

http://www.iraqcenter.net/vb/showthread.php?t=63333

 انظر كذلك:”ملفات فساد ضخمة في العراق، موقع قناة الجزيرة،22/9/2011

http://www.aljazeera.net/NR/EXERES/39299D6F-D188-4DC4-A711-69432CAD261B.htm

6-انظر: “المرجع السيستاني: المفسدون والمتلاعبون بالمال العام أسوأ من داعش، راديو سوا بريس، 29/3/ 2015

https://www.radiosawa.com/a/iraq-corruption-al-sistani-najaf/268403.html

انظر فتوي لآية الله السيستاني تحرم الفساد الاداري واهدارالمال العام

موقع ٢٠٠٥/٣/٢٨

المصدر: وكالة الاخبار العراقية

https://www.sistani.org/arabic/in-news/927/

انظر إستفتاء حول الفساد الإداري

موقع مكتب سماحة المرجع الاعلى السيد علي السيستاني

https://www.sistani.org/arabic/archive/276/

انظر:”السيد السيستاني: المال المأخوذ على غير وجه قانوني يجب إرجاعه لخزينة الدولة” موقع شفق نيوز ،9/3/2016

http://iraq.shafaqna.com/AR/28429

 

دولة علي بابا

4)     cover 5

                                حيث الاعلام لا يزعج الفاسدين

 

 

لم تكن تلك هي المرة الاولى التي يهاجم فيها “نوري المالكي” أجهزة الاعلام لتصديها للفساد في “دولة علي بابا” التي جلس على كرسي رئيس وزرائها دورتين متتاليتين لمدة ثمانية اعوام، الا انه في كلمته امام احتفالية “هيئة النزاهة ” بمناسبة اسبوع النزاهة الوطني يوم 27 تشرين الاول (اكتوبر) 2013 حذر من ان تلك الانتقادات ستنعكس على نتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة والتي توقع ان تكون بدورها “سيئة” هي الأخرى، على حد تعبيره.ما قصده المالكي دون ان يفصح عن ذلك بصراحة ان فضائح الفساد التي اصبحت مهيمنة على مشاغل الناس وهمومها ربما ستطيح بأماله العريضة في إعادة تنصيبه للمرة الثالثة، وان الفضل بذلك سيعود الى وسائل الإعلام التي جعلت من مهمة فضح الفساد الذي غرقت به حكومته قضية رأي عام ملحة.(1)

فحوى تذمر وشكوى المالكي هو ادراكه لدور وسائل الاعلام العراقية المختلفة والناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي في الكشف عن فضائح الفساد وهو الدور الذي اصبح محورياً، وبدأ يؤتي ثماره، بالاقل، في لفت انتباه الفاسدين والمفسدين بان الجرائم التي يرتكبونها لن تمر من دون تسليط الأضواء عليها اعلاميا وفضحها، وانه لم يعد ممكنا بعد الآن طمس معالمها بالطريقة التي كان يلجأ اليها ذلك “القواد” الشهير في بغداد الخمسينيات والستينيات في الحكاية التي مر ذكرها.

وفي الحقيقة فان ما قاله المالكي يومئذ لم يكن فقط تعبيرا عن الضيق الذي اصبح يبديه هو وغيره من المسؤولين من الدور الذي يقوم بالاعلام والنشطاء على مواقع الإنترنيت في كشف الفساد، وفي تشكيل جبهة شعبية واسعة لمواجهته، بل تعدى ذلك ليكون تحريضاً سافراُ على الاعلاميين والناشطين من خلال تحميلهم مسؤولية فشل حكومته في تقديم الخدمات الضرورية للناس كالكهرباء والماء والخدمات الصحية وفي توفير الأمن والاستقرار وعجزها عن حل الازمة الوطنية، وعموما سوء ادارة الدولة ذاتها.

ان اكثر ما اثار غضب المالكي هو ان صيحات اجهزة الاعلام والنشطاء ضد الفساد قد بدأت تتعدى الحدود العراقية وبدأت تصل الى العالم الخارجي، وخاصة الولايات المتحدة التي كانت لا تزال ناشطة في العراق لمساعدته في الخروج من مأزقه من خلال المعاهدة التي ارتبطت بها مع حكومته قبل خروج قواتها من العراق، والأهم من ذلك، الدعم الذي قدمته له لتنصيبه رئيسا للحكومة في المرة الثانية.وفعلاً كما توقع المالكي فان دور الإعلام في كشف الفساد المفرط لحكومته ساهم في افشال الزيارة التي قام بها المالكي الى واشنطن نهاية شهر تشرين الاول (اكتوبر) عام 2013 حيث واجهته انتقادات حادة من الجهات الامريكية، وخاصة في الكونغرس، وفي اوساط النخب السياسية والاعلام والتي ركزت جميعها على الفساد وسؤ الادارة والمحسوبية والاحتكار والهيمنة باعتبارها تقف جميعا وراء العجز السياسي والأمني للحكومة، بل ووراء احتمالات انهيار العملية السياسية برمتها.

والواضح الآن انه بفضل تلك الحملات ضد فساد حكومته وسؤ ادارته ظهر المالكي في واشنطن كرئيس وزراء ضعيف وفاشل وعاجز وفاسد يصعب منحه التأييد، او حتى التعاون معه، وهو ما ادى الى تبلور الموقف الامريكي الذي ساعد بعد شهور على سقوط حملة المالكي من اجل الحصول على ولاية ثالثة بعد انتخابات ربيع 2014 على الرغم من تبؤ قائمتة المرتبة الاولى في تحالف الكتلة الفائزة، مما يدل على اهمية الدور الذي لعبه الاعلام في كشف فساد حكومة المالكي وتحريض العراقيين على مقاومته.(2)

في التجربة السياسية العالمية المعاصرة والدور الذي تلعبه وسائل الاتصال الجماهيرية فيها يقف الاعلام في الخط الامامي في جبهة الحرب على الفساد، وفي مساعي تعزيز الشفافية، وتشجيع الحكم الصالح والادارة النزيهه والراشدة للشؤون العامة.ان هذا دور الاعلام هذا حاسم واساسي في منح الناس القدرة على التعرف على حجم الفساد الذي يعانون منه ويدفعون ثمنه  كما انه المنبر الذي يوفره للناس والذي من خلاله سيكون بامكانهم ان يشاركوا هم ايضا في جهود مقاومة الفساد والفاسدين.ولا يقتصر دور الاعلام في ان يقدم الحقائق والمعطيات من خلال التغطية الصحفية او البرامج الإذاعية والتلفزيوينة ليكشف بها قضايا الفساد ويفضح مرتكبيها واطلاع الناس على الوقائع المتعلقة بحالات الفساد، ولكن ايضا المساهمة في عملية تثقيف الناس وتوعيتهم وحثهم على المشاركة فعليا في الكشف عن قضايا الفساد وقيامهم بدورهم في تعرية الفاسدين بانفسهم.

لذلك فان من الضروري لأي مجتمع ان تتوفر لاجهزة اعلامه امكانية القيام بدوره هذا وبكل حرية واستقلالية لفضح ممارسات الفساد وتحريض الرأي العام على الابلاغ عن قضايا الفساد ومتابعتها في الميدان القضائي كي لا يفلت الفاسدون من العقاب وحتى يلقوا الجزاء المناسب.واضافة الى مهمة محاربة الفساد فان اجهزة الإعلام تعمل على بلورة اتجاهات للرأي العام توضح مساؤ الفساد على التنمية ومخاطره على الادارة في العمل الحكومي وعلى تدمير القيم والمعايير الإخلاقية السائدة في المجتمع وضععة فرص التقدم الديمقراطي وتنمية ممارسات حقوق الانسان ومواجهة منتهكيها.

ان دور الاعلام هذا يتطلب توفير الظروف الملائمة لعمل الصحفيين في ملاحقة قضايا الفساد ومحاسبة المفسدين لكي يتمكنوا من العمل في اجواء الحرية اللازمة ومنها حرية الوصول الى المعلومات والشفافية والضمانات القانونية الضرورية للعمل بحرية واستقلالية وعدم التعرض للتهديدات ووجود نظام تشريعي سليم يوفر لهم غطاءً قانونيا للعمل.من الناحية الآخرى لابد من توفر شروط واجواء مناسبة لعمل الصحفيين والاعلامين في هذا المجال وخاصة الرواتب المجزية والدعم المعنوي وضمانات الحماية المؤسسية والتدريب الهادف الى الارتقاء بالمستوى المهني للصحفيين لكي يكون عملهم احترافيا وابداعيا.

وفي هذا المجال تقدم الصحافة الاستقصائية نموذجا بارزا في الجرأة والدقة والمصداقية والشجاعة في العمل على ملاحقة وكشف قضايا الفساد نظرا لما تسعى اليه من توفير الأدلة والحقائق والتفاصيل والتي تتجاوز طرق جمع المعلومات الصحفية التقليدية او السريعة.لقد اصبح العمل الذي تقوم به الصحافة الاستقصائية في هذا الميدان بمثابة تحقيق متكامل الاركان يقدم اضافة الى الحقائق صوراً ومشاهد بلاغية تكشف الجوانب الاخرى للفساد وتبعاته السياسية والاقتصادية والاخلاقية.

وقدمت الصحافة العراقية نماذج قليلة من التحقيقات الاستقصائية، وخاصة ما يتعلق بقضايا الفساد، وهو أمر مفهوم تماما اما بسبب الظروف الأمنية الصعبة التي يعمل بها الاعلاميون العراقيون والمخاطر التي يواجهونها او بسبب تدني مستويات العمل المهني لدى الصحفيين في مؤسسات تواجه بدورها تحديات لحظات النشؤ والبناء، او ضغوطات ناشئة عن الملكية والادارة والعلاقات الملتبسة مع السلطة واطراف العمل السياسي.ومن بين هذه النماذج ما قدمته الصحفية العراقية “ميادة داود” من خلال تقريرها عن امتيازات البرلمانيين في العراق وغيرها من التقارير الاستقصائية والتي فازت عنها بجوائز اقليمية وعالمية استحقتها بجدارة لما اظهرته  شجاعة ومن جهود معمقة تستند الى البحث والتقصي عن الحقائق الموثقة والمدعومة بالمصادر المتعددة وثيقة الصلة بالموضوع قيد الكشف.(3)

وميادة التي استقبلها الأمين العام للامم المتحدة “بان كي مون” في شهر تشرين الاول (اكتوبر) 2013 تثمنياً لدورها في نشر ثقافة صحافة الإستقصاء والتي هي جوهر العمل على كشف الفساد والتجاوزات، كانت قد نشرت بعض تقاريرها تحت اسم مستعار خشية من محاولات التهديد او الايذاء التي لا يتورع الفاسدون عن محاولة القيام بها ضد الصحفيين، الا ان قيمة اعمالها تكمن في مواكبتها للتقنيات الحديثة والقواعد المهنية في الاستقصاء عن المعلومات والأسلوب السلس في الكتابة الصحفية على الرغم من حداثة تجربتها وخبرتها الصحفية.(4)

ولم تقتصر مشاركات الصحفيين العراقيين في العمل الاستقصائي داخل العراق فقد شارك “منتظر ناصر” في واحد من اهم التحقيقات الاستقصائية العالمية التي تم الكشف فيها عن بلايين الدولارات التي تم تهريبها من قبل سياسيين في مختلف بلدان العالم الى الملاذات الضريبية وهي اموال جاءت من خلال الفساد وبالذات الرشاوي ونهب الاموال العامة.ولعل مقتل الصحافية المالطية “دافني كاروانا غاليزيا” احدى المساهمات الرئيسيات في تلك التحقيقات في انفجار سيارتها في تشرين الاول (اكتوبر) 2017 والذي ذهبت الاتهامات بالضلوع فيه الى مسؤولين مالطيين متورطين بالفساد هو دليل على خسة ودناءة هؤلاء مثلما هو دليل على قدرة الصحافة ودورها في فضح الفساد.وكشفت التحقيقات التي سميت بـ”اوراق بنما” عن اسماء العديد من الشخصيات العراقية التي لجأت الى اخفاء اموالها في هذه الملاذات وعلى رأسهم “آياد علاوي”.عراقيا، حيث القت التحقيات الضؤ على بعض جوانب ما كان يعرف سابقا عن اعمال علاوي في المجالات التجارية والاستثمارية التي ازدهرت الى حد كبير منذ الغزو الامريكي للعراق والتي انتجت ثروات طائلة راح يخبئ بعضها في بنوك الملاذات الضريبية باسمه واسم زوجته وافراد آخرين من عائلته.وتكمن اهمية المعلومات التي توفرت عبر الحصول على مراسلات البريد الالكتروني والتحققيات الاستقصائية الموازية في انها كشفت عن جانب من القنوات التي يجري من خلالها تحويل اموال الفساد في العراق عبر شبكات من المافيات المصرفية العالمية واجهزة الاستخبارات التي ترعى مصالح الفاسدين وتتستر عليهم.(5)

ان مايلفت الانتباه هو ان ميادة  ومنتظر والعشرات من الصحفيين العراقيين الآخرين الذي ابدو شجاعة في هذا النوع من العمل الاحترافي وتوظيفه في محاربة الفساد سرعان ما اختفوا من الساحة الصحفية والاعلامية بعد حملات المضايقات التي تعرضوا لها وعدم حصولهم على فرص عمل في الاجهزة الاعلامية التي يمتلكها، او يديرها، حيتان الفساد وبذلك خسر الرأي العام العراقي والعالمي الفرصة للتعرف على قضايا الفساد بشكل مهني واحترافي وترك الباب لصحافة الأقاويل المرسلة التي يمكن عادة التشكيك بمصداقيتها بسهولة.

لقد وقفت معظم اجهزة الاعلام العراقية بمختلف انواعها المكتوبة والمرئية والمسموعة او تلك التي تستخدم الاعلام الرقمي عاجزة عن ملاحقة الفساد بطريقة حرفية ومهنية فعالة.وفي حين ان ضعف وتردي الجوانب المهنية كانت من ضمن العوامل التي ساهمت في ذلك الا ان طبيعة ملكية تلك الوسائل واساليب ادارتها لعبت دورا اساسيا في فشلها في مواجهة الفساد ان لم يكن المساهمة في تفاقمه.ان نظرة سريعة على مالكي الأجهزة الاعلامية من صحف وقنوات واذاعات ومواقع الإنترنيت تكشف ان اغلبها يعود الى الاحزاب والجماعات والقيادات السياسية ورجال اعمال والتي توظفها لخدمة مصالحها واجنداتها والتغطية على فسادها.(6)

والأدهى من ذلك ان بعض الوسائل الاعلامية، وخاصة بعض قنوات التلفزيون والمواقع الألكترونية التي تدعي الاستقلالية، تشارك في عمليات الفساد وانتشاره، حتى لو ادعت غير ذلك، وحتى لو تظاهرت بانها تقوم بعمليات الكشف عن الفساد عبر نشر بعض الاخبار او البرامج الحوارية التي تستظيف شخصيات من الواضح ان لديها اجندات خاصة.ان ابرز المؤشرات على ذلك هي الطريقة العشوائية التي تدار بها قضايا الفساد اعلاميا والتي هي اشبه بحملات دعائية مبرمجة، او ضجيج، وليست عملا صحفيا احترافيا مثلما ينبغي لكي يحقق المصداقية المرجوة منه.

ان عمل بعض القنوات التلفزيونية والمواقع الألكترونية والصحف العراقية في هذا الاتجاه ليس عشوائيا فقط، بل يفتقد للمهنية، ولا ينتمي الى عالم الصحافة، وانما هو نشاط موسمي يستبطن اهدافاً مشبوهة مثل الارتزاق والابتزاز والصراع على فتات من الكعكة.وكل من يتابع هذه الوسائل وطريقة تناولها لقضايا الفساد وهو على دراية بخلفية اصحابها وبعض العاملين فيها يدرك تماما الانتقائية والقصدية التي تتحكم في نشاطاتها والأجندات الشخصية والتجارية التي تقف وراءها.ان بعض  البرامج التي تقدم تلفزيونيا غير مكتملة الاعداد مهنيا ولذلك فهي تتحول الى ميادين للسخرية والاستخفاف مما يؤدي الى نتائج معاكسة لانها تعطي الفرصة للفاسدين في التشكيك في مصداقيتها وبالأهداف التي خلفها.

ان ادعاء بعض القنوات، او المواقع الالكترونية، بانها تستقي اخبارها ومعلوماتها من منظمات للشفافية وهمية او من اختلاقها، اوعن تقارير او كلام منسوب لمصادر مجهولة  ترفض تسميتهم لحجج واهية، هو بحد ذاته فساد مستشر لا يمكن ان يخفى على المشاهدين او المتابعين.ان اول مستلزمات العمل الصحفي في كشف الفساد هو الشفافية وبث المعلومات الموثقة والأكيدة والحقائق الدامغة واللجوء الى المصادر المعلومة، وليس نشر انصاف الحقائق او الكلام المرسل او التسريبات المنقوصة والتي لا تخفي دوافع الابتزاز والتكسب التي تقف ورائها والتي تتيح الفرصة للفاسدين بالتشكيك بعمل الصحافة والإعلام النزيه في محاربة الفساد.

أهمية الإعلام في المعركة ضد الفساد هي انه يخلق رأيا عاماً متنوراً ومطلعا على تفاصيل هذه المسألة الحيوية، ويقدم الأدلة التي تقنع الناس بما هو مطروح من معلومات ازاء قضايا محددة، وتعزز دورهم الرقابي والتي  بموجبها سيجري ملاحقة المتورطين وتقديمهم الى القضاء.وعلى هذا الأساس لا ينبغي ان تستغل الاجهزة الاعلامية من صحف، او قنوات تلفزيونية، او شبكات تواصل اجتماعي على الإنترنيت بإستخدام قضايا الفساد من اجل التسلية والاثارة او ان تصبح جزءاً من استراتيجيات الحرب النفسية بين الأطراف السياسية لأغراض الابتزاز او تصفية الحسابات، او الكيد، او تلطيخ السمعة، او تغذية الصراعات الطائفية او السياسية وتأجيجها.

ما كشفت عنه الخريطة الإعلامية العراقية خلال عقد ونصف من الزمن هو تورط الكثير من الجهات السياسية في عملية تشويه مقصودة لجهود مناهضة الفساد من خلال استخدام وسائل الاعلام التي تحت سيطرتهم في بث الفبركات والمبالغات والاكاذيب في اطار صراعاتهم البينية، مما شكل احيانا ضربة موجعة لحركة مواجهة الفساد.ان الكثيرين ممن كانوا يدلون بدلوهم في قضايا الفساد كانوا من المنغمسين بالفساد على مدى سنوات، بل عقود طويلة، مما كان يثير الشبهات في مصداقية مكافحة الفساد.اذ لا يعقل ابدا ان سياسين متورطين، بل ومدانيين في عمليات فساد، واصحاب صحف ومواقع وقنوات فضائية يعرف القاصي والداني بمصادر ثرواتهم وتمويلهم المشبوهة، ورجال اعمال اياديهم ملوثة بالأموال المنهوبة، يفتحون تلك المنافذ الاعلامية لإغراض خيرية، او نتيجة صحوة ضمير، او لدوافع وطنية او اخلاقية، وانما بهدف واضح وهو الابتزاز والبحث عن نصيبهم في كنز “مغارة علي بابا.”

هناك ارقام وتقديرات مخيفة عن الأموال التي صرفت على الوسائل الإعلامية هذه في العراق والتي يملك اغلبها رجال السلطة والأحزاب المشاركة فيها وحلفائهم من رجال المال والاعمال والتي انشأوا من خلالها امبراطوريات سياسية وإعلامية تتشابك علاقاتها مع مؤسسات ومافيات ومليشيات ومصالح فؤية واقتصادية محلية واقليمية ودولية.ان جزءاً كبيراً من عمل هذه المؤسسات مخصص اما لغسيل سمعة اصحابها، او لتشويه سمعة خصومهم، في حين ان القاسم المشترك الذي يجمع بين هذه الأطراف مجتمعة هو الفساد ذاته.ان مثل هذا الأخطبوط السياسي والاعلامي اضافة الى النفوذ المالي الذي يمتلكه يجعل من مهمة مقاومة الفساد شديدة الصعوبة ان لم تكن انتحارية.

صحيح ان بعض المحاولات الخجولة لنشر الغسيل القذر والكشف عن خيوط تتعلق بقضايا الفساد تبقى مفيدة الا انه لا يبنغي ان نتوقع ان يكون العمل باتجاه محاربة الفساد في وسائل الاعلام هذه مستداماً ولا معمقاً ولا متكاملاً، مما يضع على عاتق النشطاء والمتطوعين عبر الشبكات الاجتماعية العبء الأكبر في جهود مكافحة الفساد وتعزيز اخلاق النزاهة ونشر ثقافة الشفافية. ففي “دولة علي بابا” التي تهيمن الزمر المتسلطة فيها على الفضائين السياسي والاعلامي وتغيب مظاهر الديمقراطية الحقيقية لا يبقى الا امام الناشطين والمثقفين الملتزمين بقضايا الوطن والناس ان ينهضوا بمهمة الدفاع عن الحقوق والمصالح المجتمعية والفردية.

قدمت قناة الشرقية والمؤسسة الإعلامية التي خرجت عنها والتي يمتلكها الاعلامي “سعد البزاز” منذ البداية نموذجا صارخا للفساد في الإعلام العراقي الجديد، بل ان بالامكان القول ان ممارسات القناة التي كانت من اوائل المؤسسات الاعلامية التي تأسست بعد الغزو الامريكي اصبحت القدوة التي اتبع خطاها الكثير من اجهزة الاعلام التي جاءت بعدها وجسدت الفساد الاعلامي والسياسي المتمثل بالابتزاز والتحريض والتلفيق والرشى وهي اتهامات تجسدت بقضايا قانونية مروفعة ضدها في المحاكم العراقية وفي خارج العراق.لقد تعدت تلك الممارسات القناة ذاتها لكي ترسي نموذجا لمدرسة متكاملة في اعلام الفساد في العراق الجديد قائمة على الابتزاز والتسقيط الاعلامي والسياسي لم يشهدها بلد آخر.لقد استطاع هذا النوع من الاعلام والذي كان يتم تمويل بعضه من دول واجهزة عربية واجنبية ان يبتز معظم السياسيين والجماعات النافذة الذين دفعوا ملايين الدولارات على مر سنوات هذه الحقبة اللعينة من تاريخ العراق مما خلق فضاء اعلامياً موبؤا ترك أسوء الأثر على الحياة السياسية العراقية كما ساهم في تأجيج الصراعات الطائفية والارهاب.(7)

وفي “دولة علي بابا” فمن الطبيعي ان يكون للاعلام الذي تمتلكه وتديره الدولة نصيبه الواسع من الفساد المالي والاداري والسياسي.ومنذ بداية عملها كبديل لوزارة الثقافة والاعلام التي قامت سلطة الاحتلال بحلها فقد مثلت “شبكة الاعلام العراقي” التابعة لـ”هيئة الاعلام والاتصالات” احد اسوء الأمثلة على سوء الإدارة والفشل والتخبط والفساد في الدولة العراقية الجديدة.وفي حين ان قانون تأسيسها الذي صدر عام 2004 يحملها مسؤوليات جسام في ادارة وتطوير قطاعي الاعلام والاتصالات وفق قواعد مهنية ومعايير عالمية الا انها عجزت خلال نحو 15 عاما عن ان تواكب عمل اجهزة الاعلام الوطنية والاقليمية رغم الميزانيات الخيالية التي خصصت لها خلال كل هذه السنين والتي فاقت احيانا ميزانيات مؤسسات إعلامية عربية كبرى حققت نجاحات باهرة.(8)

ويعود السبب الأساس في فشل الشبكة الى حالة الفساد الفضيعة المتفشية والتي جاءت بالدرجة الاولى نتيجة وضع المؤسسة تحت قيادة اعضاء وانصار واصدقاء القادة السياسيين وتنظيماتهم الحزبية وعلى اساس المحاصصة الطائفية المتبعة في كل مكان وفي كل شأن في العراق.واضافة الى سؤ الادارة والفشل فقد اصبحت الهيئة حسب شهادات من داخلها واحدة من اكثر المؤسسات التي تضم موظفين فضائيين حيث ضمت آلافا من العاملين الذين يعيشون بطالة مقنعة تم توظيفهم لمجرد الحصول على رواتب وامتيازات وعقود عمل مجزية دون عمل حقيقي.(9)

وخلال تلك السنوات تتابع على ادارة الهيئة والشبكة العديد من الرؤساء الذين استقالوا، او اقيلوا، بعد فضائح فساد مدوية ولكن لم يتم محاسبة اي منهم بالرغم من مسؤوليتهم عن ضياع ملايين الدولارات من الميزانية العامة للدولة.ونالت الهيئة والشبكة اكبر نصيب من التقارير الصحفية والبلاغات النيابية عن الفساد في مكاتبها مما افقدها اية مصداقية لدى الرأي العام الذي رأى فيها واجهة اخرى من واجهات “دولة علي بابا” وليس قناة اعلامية تشارك بحكم مسؤوليتها المهنية في مهمة كشف الفاسدين وفضحهم.لكن الانتشار الواسع للفساد وسؤ ادارتها تجاوز استغلال المال العام وتبذيره وكذلك الاخفاقات الإدارية الى فشل العراق بان يكون له اعلام منافس للاعلام الخارجي الذي كانت بعض أجهزته وقنواته من ادوات الصراع على العراق وفي تأجيج الصراعات السياسية والطائفية فيه.(10)

وفي مؤسسات ضربها وباء الفساد في جميع مفاصلها ما كان ممكنا ان ينجوا العاملون فيها من تلك الجرثومة الخبيثة وتعطلهم عن اداء مهمتهم الحقيقية في نقل الحقائق وتنوير الرأي العام، خاصة في بلد يعاني من ازمات ومشاكل تكاد ان تعصف به.ومثلما فعلوا في مؤسسات الدولة ومفاصل المجتمع فقد ساهم اقطاب دولة علي بابا في افساد الصحفيين، او على الأقل محاولة ذلك باستماتة، حتى ان الأمر كاد ان يكون شبه علنيا، من خلال تقديم الرشى والهدايا للصحفيين الذي يقومون بتغطية مؤتمراتهم الصحفية ونشاطاتهم الرسمية او السياسية.ففي اشهر حادثة تم تداولها على صعيد عالمي وفي وقت مبكر من بدء الحكم الجديد تم ضبطها كشف النقاب عن قيام مساعدين لـ”اياد علاوي” بتقديم هدايا نقدية للصحفيين في احدى المناسبات التي اقامها هذا السياسي الذي سيظهر اسمه لاحقا في وقائع فساد تعود الى سنوات سابقة خلال فترة نشاطه في صفوف المعارضة.(11)

وفي نموذج آخر، فقد كشف تسجيل فيديو تداوله ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي ان رئيس الوزراء انذاك “نوري المالكي” كان يمنح كل صحفي مائة دولار مقابل طرح أسئلة هادئة ومناسبة وغير مزعجة.ويظهر المالكي في التسجيل وهو ينهي مؤتمرا صحفيا عقد خلال ولايته الاولى في العام 2006، ليقوم بعد ذلك أحد مستشاريه بالحديث مع المالكي ويعود ليبلغ الصحفيين موافقته على منح 100 دولار لكل صحفي.واشار ناشطون وشهود عيان حضروا المؤتمر الى أن منح المائة دولار الى الصحفيين جاء كهدية من رئيس الوزراء بعد التزام الصحفيين بطرح “اسئلة هادئة” وغير محرجة بشأن الوضع السياسي والتي سبق ان كتبت في أوراق وزعت عليهم قبل خروج المالكي اليهم في قاعة المؤتمر.(12)

واذا كان أمر هاتين الحادثتين قد افتضح بسبب تسجيل وقائعهما وبث احداهما صوريا فان العديد من قصص رشاوي المسؤولين للصحفيين كانت موضع احاديث الناس بعد ان بدأت روائحهما العفنة تزكم الانوف.وبلا ادنى شك، فان مثل هذه الممارسات تتجاوز ما يعرف في عالم السياسة والاعمال من محاولات افساد للصحفيين الى خطة ممنهجة من زمر دولة اللصوص لاذلال الصحفيين وتحطيمهم معنويا باظهارهم مجرد مرتزقة يمكن شرائهم باثمان بخسة.وبالاضافة الى تقديم الرشاوي بهذه الطريقة الفجة فان محاولات شراء الذمم استمرت عبر طرق اخرى كالحصول على قطع الأراضي السكنية والامتيازات، وكلها بهدف اخضاع الصحافة والهيمنة على الحقل الاعلامي بما يكفل ان يكون الاعلاميون شركاء في الفساد.

ولم تنجو “نقابة الصحفيين العراقيين” من الاتهامات بالفساد التي طالت إدارتها خلال اكثر من خمسة عشر عاما وشملت تلقيها أموالا طائلة من حكومة “دولة علي بابا” ومن الأحزاب والجماعات الحاكمة والتصرف بها بطرق بعيدة عن الرقابة والاشراف من الجهات الرقابية.ومن البدع التي سنتها “دولة علي بابا” هي منح الصحفيين من اعضاء النقابة عطايا مالية سنوية سخية يتم صرفها وفق ترتيبات معينة يتم الاتفاق بشأنها مع ادارة النقابة.ولم تكن تلك الأموال والمنح والمكافئات وتوفير الوظائف في أجهزة الدولة تدفع الى النقابة والى الصحفيين الا لمحاولة شراء ذمم الصحفيين واخراس السنتهم من التعرض للفساد الهائل في مختلف اوجه الحياة في العراق.(13)

ولم تكن ادارة “نقابة الصحفيين العراقيين” فقط مرتعا للفساد، بل وساهمت هي ايضا بنشر ثقافة وآليات الفساد من اوسع ابوابه داخل الجسد الصحفي من خلال ادراج اشخاص ممن لا يعملون فعليا في مهنة الصحافة في سجلات الصحفيين العاملين.وخلال سنوات قليلة ارتفعت عضوية النقابة الى الآلاف ممن هب ودب من اشخاص لا عمل صحفي حقيقي لهم في خطوة اضرت بمصداقية الصحفيين الحقيقيين وبسمعة الاسرة الصحفية.كما استخدمت ادارة النقابة القوانين المتعلقة بالحقوق التقاعدية للصحفيين لكي تساهم هي ايضا في عملية نهب اموال الدولة من خلال منحها بطرق غير شرعية شهادات الخدمة الصحفية لأغراض تحديد الرواتب والخدمة التقاعدية لمن هم من غير العاملين في الصحافة مما ساعدعم على الحصول على ترقيات وظيفية سريعة وتلقي رواتب تقاعدية مجزية من غير وجهة حق، في حين ان ادارتها استخدمت نفوذها ومركزها ذلك في حرمان الصحفيين الحقيقيين ممن لم يمشوا في تيار دولة الفساد وعصاباتها الحاكمة من حقوقهم التقاعدية والمالية الطبيعية.

 مقابل كل هذا الحجم الهائل من الفساد في المؤسسات الإعلامية فقد ادى الصحفيون والاعلاميون العراقيون دورهم المهني بالشكل الذي يقدرون على تحمل تكلفته في كشف قضايا الفساد والتصدي للمفسدين بالرغم من الظروف الصعبة والتحديات الجسام التي واجهتهم ودفعوا من اجل ذلك ثمنا باهظا، كان في بعض الأحيان حياتهم.فخلال هذه السنوات قتل المئات من الإعلاميين العراقيين وتعرض آخرون للاعتداءات وللتهديد، كما اضطر غيرهم للهروب من مدنهم، او حتى الخروج من العراق الى المنافي، وكانت دوافع الكثير من تلك الإتتهاكات والتهديدات ضد الصحفيين هي نشاطهم في محاولة كشف الفساد.(14)

بالامكان القول ان احد نتائج الفساد في القطاع الاإعلامي في “دولة علي بابا” هو ذلك التشوه الذي حصل في الوعي العراقي الذي كان قد انتقل من زمن الخطاب القمعي والاستلاب الفكري والسياسي لنظام صدام الشمولي، الى حالة من سيادة الاوهام والاضطراب الفكري والتشوش وغياب الوعي وشيوع السرديات المراوغة التي جاء بها، او شجعها، الحكام الجدد.لقد ادعوا ان الفوضى الاعلامية جاءت نتيجة الحرية والديمقراطية التي جاء بها الغزو الامريكي كي تمنح العراقيين مساحات للتنفيس وتعويضا عن عقود الكبت والقهر والاستبداد الصدامي لكنهم في الواقع احلوا مناخا من الجهالة وتغيب الوعي والتعصب والفرقة والنفور واذكاء للصراعات بما يتناسب برغبتهم في تشكيل وعي يتلائم مع السرديات التي حاكوها عن نظامهم الجديد.ولم يكن ذلك ممكنا الا من خلال تلويث العقول من خلال اشاعة الفساد في المنظومة التي تعمل على تشكيل الوعي السياسي والإجتماعي في العراق.

 

                          هوامش ومراجع ومصادر الفصل الرابع

 

 

1-انظر:” المالكي يتهم معارضيه بإستغلال الفساد لاسقاطه، موقع كتابات،  27/11/2013

https://kitabat.com/news/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%8A-%D9%8A%D8%AA%D9%87%D9%85-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6%D9%8A%D9%87-%D8%A8%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%84-

%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7/

2-انظر:”المالكي في واشنطن”، صلاح نصراوي، الاهرام ويكلي، 6/11/2013

http://weekly.ahram.org.eg/News/4502.aspx

انظر كذلك:”بينما يتدهور الامن في الداخل الزعيم العراقي يصل واشنطن طلبا للعون”، نيويورك تايمز، 31/10/ 2013

http://www.nytimes.com/2013/11/01/world/middleeast/iraqi-leader-on-fighting-terrorism.html

3-انظر:”امتيازات سنوية بـنصف مليار دولار تورط البرلمان العراقي في أوسع ظاهرة فساد شرق اوسطية”1-2 موقع شبكة الصحافة الإستقصائية العراقية (نيريج)

http://www.nirij.org/?p=838

4-انظر:”الأمين العام للامم المتحدة يلتقي الصحافية العراقية ميادة داود بعد فوزها بمنحة عام 2013″، موقع شبكة اريج

http://arij.net/news/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D9%8A%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD/

5-انظر:”اوراق بنما: 370 صحافياً مشاركاً…من هم العرب التسعة بينهم؟”، المرصد العراقي للحريات الصحفية، 7/4/2016

https://iopf.net/2016/04/07/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%82_%D8%A8%D9%86%D9%85%D8%A7-370-%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A7%D9%8B-%D9%85%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%83%D8%A7%D9%8B-%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1/

انظر كذلك:”اوراق بنما تفضح شركات علاوي الخفية”، اريج، الصحفيون العرب من اجل صحافة إستقصائية،11/5/2016

http://en.arij.net/report/panama-papers-reveal-allawis-hidden-companies/

6-انظر:”مِنْ أينَ تُموَل أربعين فضائية عراقية ؟، موقع الحوار المتمدن، 28/10/2009

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=189735

 

انظر ايضا:”العراق، السعودية:الرياض تدعم ساحات المواجهة الاعلامية”، موقع ستراتفور الاستخباري، 16/2/2018

https://worldview.stratfor.com/article/iraq-saudi-arabia-riyadh-backs-media-battleground

7-انظر: “بالوثائق.. مذكرات قبض بحق البزاز ومدراء في قناة الشرقية”، موقع سومر نيوز 5/12/2016

http://sumer.news/ar/news/14902/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D9%85%D8%B0%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%82%D8%A8%D8%B6-%D8%A8%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B2%D8%A7%D8%B2-%D9%88%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D9%86%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82%D9%8A%D8%A9

انظر كذلك:”بالوثائق.. القضاء الاردني يصدر أمرا بأعتقال سعد البزاز”، 14/10/2015

http://sumer.news/ar/news/3410/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D8%B1%D8%A7-%D8%A8%D8%A3%D8%B9%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%B3%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B2%D8%A7%D8%B2

8-انظر:”ميزانية الإعلام 28 مليون والرواتب 44 مليون دولار والعتب على الحكومة”، موقع دار بابل للدراسات والاعلام، 28/5/2009

http://www.darbabl.net/akhbarshow.php?id=575

9-انظر:”الكاتب الصحفي عبد المنعم الأعسم: تشوهات في حالة الاعلام العراقي“، موقع مؤسسة الحوار الانساني، 24/2/2017

http://www.hdf-iq.org/ar/2010-12-01-13-54-53/news/961-%D8%AA%D8%B4%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A.html

10-انظر:”عضو بشبكة الإعلام العراقي: فساد وهدر عشرات الملايين من الدولارات، بغداد بوست، 14/6/2017

http://www.thebaghdadpost.com/ar/story/33499/%D8%B9%D8%B6%D9%88-%D8%A8%D8%B4%D8%A8%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D9%87%D8%AF%D8%B1-%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D8%A7%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA

انظر ايضا:”ابو الهيل مؤامرة على الاعلام ورئيسها لا يستطيع كتابة جملة واحدة مفيدة”، موقع المسلة، 19/12/2017

http://almasalah.com/ar/news/121451/%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%8A%D9%84-%D9%85%D8%A4%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B4%D8%A8%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%B7%D9%8A%D8%B9-%D8%AC%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D9%81%D9%8A%D8%AF%D8%A9

11-انظر: “جماعة علاوي توزع اموالا على الصحفيين الذي يغطون الانتخابات”، موقع ديموكراتيك اندرغرواند نقلا عن تقرير لصحيفة الديلي تلغراف (بالانكليزية)،12/1/2005

https://www.democraticunderground.com/discuss/duboard.php?az=view_all&address=132×1488675

12-انظر:”فيديو يفضح سياسة المالكي بالتعامل مع الصحفيين بالمؤتمرات وطريقة طرح الاسئلة”، موقع الوكالة الاخبارية، 13/10/2015

http://www.ikhnews.com/index.php?page=article&id=142047

13-انظر:”حول آلية منح العضوية في نقابة الصحفيين العراقيين” مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي، عن مجلة الحرية، 14/6/2008

http://www.ssrcaw.org/ar/print.art.asp?aid=137712&ac=24- ايضا

انظر ايضا: “بالوثائق: نقابة الصحفيين تطالب الخارجية بمراجعة قرارات اضافة خدمة وظيفية لعشرات الدبلوماسيين“، موقع عواجل بريس، 30/10/ 2017

http://awajelpress.com/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC/

14-انظر:”مقتل 455 صحفياً عراقياً منذ 2003، الخليج اونلاين، 27/12/2016، نقلا عن تقرير لنقابة الصحفيين العراقيين

http://alkhaleejonline.net/articles/1482829358803255800/%D9%85%D9%82%D8%AA%D9%84-455-%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D9%86%D8%B0-2003

-/

انظر ايضا: “للفساد أذرع تمتد لتطال الصحفيين في العراق”، جريدة العرب اللندنية،15/9/2015

http://alarab.co.uk/?id=61876

انظركذلك: “نشطاء:الحادث مدبر.. وفاة صحفية تهاجم الفساد في العراق”، موقع الخليج اونلاين،22/3/2017

http://alkhaleejonline.net/articles/1490177777022229300/%D9%86%D8%B4%D8%B7%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D8%AB-%D9%85%D8%AF%D8%A8%D8%B1-%D9%88%D9%81%D8%A7%D8%A9-%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%87%D8%A7%D8%AC%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82/

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دولة علي بابا

 

cover 5

(3)

                            الفساد انتقام امريكا من العراق

منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ظل السؤال يتردد على الألسن عن الدوافع الحقيقية للغزو بعيدا عن تلك الأكاذيب بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية، وعلاقة نظام “صدام حسين” بالارهاب الدولي، وكذلك الكلام الأجوف عن تحرير العراق وشعبه من استبداد الدكتاتور وقمعه.لا يزال من غير الممكن توفير اجابات شافية ووافية عن الأسباب والدوافع الحقيقية وراء قرار ادارة الرئيس “جورج بوش” بالحرب على العراق، الا بالعودة الى الأرشيف وفتح ملفات الغزو للتعرف على تفاصيل عملية اتخاذ قرار الحرب ودواخلها.تبقى تلك مهمة منوطة بالمؤرخين الذين سينتظرون بدورهم طويلا لحل الألغاز التي تقف وراء الاحتلال الأمريكي للعراق وتقديم صورة مفصلة عن تلك الحرب اللعينة وما جرى في كواليس التحضير لها.لكن من وجهة نظر الحاضر تبقى الاجابة قائمة في شواهد الواقع الذي عليه العراق الآن والذي هو ليس الا خرابة كبيرة تقوم على أنقاض وطن ودولة وكيان ومجتمع بشري وركام من المعاناة الانسانية والآلالم، اضافة الى هواجس ومخاوف وقلق يحيط بمستقبل غامض.

ما يستتبع هذا السؤال تساؤل آخر وهو:هل كانت هذه النتيجة، اي تدمير العراق كدولة وكيان، عملية مقصودة ومبيتة ومنظمة، ام انها كانت ناتجا عرضيا، او ثانويا، جاء نتيجة الأخطاء القاتلة العديدة التي ارتكبت، سواء بطريقة تنفيذ الغزو، او في اسلوب ادارة الاحتلال؟هنا ايضا تقف كل شواهد الحاضر لتؤكد بما يقطع اي شك باليقين بان تلك الحرب لم تكن الا جريمة تدمير شامل، ان لم تكن ابادة جماعية لوطن، مع سبق الاصرار والترصد.جريمة مكتملة الأركان، ارتكبها مخططون ومنفذون ومبررون انضم اليهم  شركاء أصبحوا الآن معروفين، كل بالأسم وبالدور الذي قام به في تنفيذ الجريمة وفي محاولة اخفاء معالمها وبالثمن الذي قبضه لذلك.

هناك الكثير من الوقائع والنتائج المتحققة التي تثبت وقوع تلك الجريمة، الا ان الفساد بكل انواعه يقف كاحد أبرز تلك الأدلة الدامغة لان نتائجه وتبعاته هي الأكثر وضوحا امام العيان كما انها ستبقى تعيش مع العراقيين سنوات، بل عقودا، طويلة قادمة وستترك أثارها على أجيال عديدة منهم.ان الشاهد على ذلك يتجلى بنظام المحاسيب (cronyism) والاتباع الذي اقامه الاحتلال وتركه لزمر من الخانعين والمتعاونيين معه والذين لا يزالون يقبضون على ناصية الحكم ويقيمون نظاما تنعدم فيه الفضائل الاخلاقية ومغرق بالفساد الذي يغذي بدوره حالة الفوضى والعنف المستشرية بالبلاد.

ان وراء مفهوم “دولة علي بابا” الذي روجه الاحتلال منذ أول لحظة له على الأرض العراقية تقوم صناعة أمريكية متكاملة سعت لاقامة هياكل سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة بعد الاحتلال من خلال اعادة توزيع شامل للدخل والملكية والادارة والانتاج عبر خلق اوليغاركية تابعة تركت لها المجال لكي تعمل على غرس جذورها عميقا في التربة العراقية الى فترة طويلة.ونظرة متفحصة للواقع العراقي ترينا كيف ان نظام المحاصصة والمحسوبية والشللية والزواج بين السياسة والمال الذي اقامه الاحتلال هو الذي ظل يهيمن حتى يومنا هذا على اقتصاد البلد بإعتباره المدخل للهيمنة السياسية والاجتماعية ابتداءً من المصادر الرئيسية للثروة الوطنية، وإنتهاءً بالعقود الحكومية والمقاولات والتجارة والبنوك والاستثمار مع ارتباط مركينتلي كامل بالمنظومة الاقليمية والدولية.(1)

في عهد الحكومة الثانية لـ”نوري المالكي” ظهرت احدى اكبر فضائح الفساد، وهي حكاية “نمير العقابي” او ما اصبح يعرف بـ”حوت المنطقة الخضراء”، والذي اشتهر بسبب علاقته المباشرة بالمالكي نفسه وما كشف عنه ايضا من ارتباطات عنكبوتية مع مؤسسات الفساد في الداخل والخارج.كان عالم المال والسياسة والمخابرات في دول المنطقة واوربا وامريكا يعلم بحكاية العقابي ويتابعها بتفاصيلها غير المسلية، في حين كان المسؤولون العراقيون يمارسون عاداتهم بالخداع والتضليل للتستر عليه حتى دب الخلاف داخل “مغارة علي بابا” وانكشف المستور بتبجح المالكي بدور ابنه احمد في عملية القاء القبض المزعومة على العقابي.

في 18 آيار (مايو) 2011 كتبت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا صحفيا عن حركة الاعمار في العراق كجزء من عمليات غسل سمعة الاحتلال قبيل الإنسحاب كان احد شخصياته الرئيسية “نمير العقابي” الذي وصفته بانه واحد من اغنى اغنياء العراق.اما كيف كون تلك الثورة فالجريدة الامريكية العريقة لا تترد بالقول انه الاحتلال الذي جعل منه “رجلا غنيا جدا ..جدا.”في مستهل التقرير تنقل الصحيفة عن العقابي قوله للكاتب “يا صديقي، ان العراق غني جدا جدا، وبكر” وهي عبارت دالة تفضح النهم للمال وشهوة الإغتصاب، وهي سمة كل من شارك في مشروع دولة النهب والسلب والفرهود تلك.ما يكشفه التقرير ان العقابي والعشرات من امثاله ممن جاؤا مع جيش الاحتلال عملوا بالقرب من وبالتنسيق مع مسؤولي البنتاغون الذين تولوا مسؤولية اعادة البناء في العراق بعد الغزو ومن خلال ما سمي “قوة المهمات للأعمال والاستقرار” التي عملت تحت ادارة “بول برنكلي” نائب وكيل وزارة الدفاع.ما تكشفه الصحيفة ايضا ان المسؤول الامريكي هذا اسس ما اصبح يدعى بـ”جماعة برنكلي” وهي مجموعة رجال الاعمال العراقيين الذين كان توكل اليهم المقاولات والذين ظل العديد منهم يهيمنون على هذا القطاع لسنين طويلة مع شركائهم العراقيين الجدد بعد مغادرة الامريكان.(2)

من اين أتى اول مليون للعقابي؟في 11 تشرين الثاني (اكتوبر) 2007 كتب “نوريس جونز” في النشرة الداخلية للقوات المسلحة الامريكية تقريرا يتحدث فيه ايضا عن ما سمي بجهود إعمار العراق، وخاصة تلك التي يقوم بها “فيلق المهندسين” في الجيش الامريكي للإشراف على 541 مشروعا بقيمة ملياري دولار وهي مشاريع اغلبها ترميم للمستشفيات والمدارس ومحطات المياه والصرف الصحفي وغيرها من اعمال الصيانة الصغيرة.كان الفيلق قد انجز حسب ذلك التقرير 3700 مشروعا مماثلا بقيمة 5,8 مليار دولار كان نصيب شركة العقابي التي اطلق عليها “شركة العراق المعاصر للمقاولات” (الموكو) منها 80 مشروعا، وكان مبلغ مناقصة مشروع واحد منها فقط، وهو مشروع  معالجة مياه الرصافة 50 مليون دولار.هكذا بدأت رحلة  جمع الملايين لشاب عراقي عاطل غادر بلده وعمره سبع سنوات وجاب العالم في رحلة البحث عما يسد به رمقه، ولكن لم يحالفه حظه الا بعد عودته الى العراق مع الاحتلال والعمل مع المحتلين لينشأ امبراطورية مقاولات واعمال حرة.

هناك مثال آخر شهير عن ابطال منظومة الفساد التي اقامها الاحتلال مبكرا والتي ارتبطت بشبكة دولية من الاجهزة الاستخباراتية واللوبيات والمافيات التي وفرت لها الفرصة لولوج مغارة “علي بابا” مثلما وفرت لها غطاء الحماية التي مكنها من الافلات من قبضة الملاحقة والمحاسبة.انه “زياد قطان” الذي جاء به الاحتلال الامريكي من سمسار خردة وبائع زهور في العاصمة البولونية وارشو لكي يجعل منه امينا عاما لوزارة الدفاع، ومشرفا على بناء الجيش الجديد ولكنه انتهى شريكا في واحدة من اكبر صفقات الفساد في العالم.

يروي “زياد قطان” الذي اشتهر في حكاية الفساد الخيالية تلك، وهي صفقة الأسلحة البولونية الشهيرة والتي كان احد ابطالها الآخرين وزير الدفاع “حازم الشعلان”، في مقابلة مع جريدة “لوس انجلز تايمز” يوم 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005 انه قبل عمله كرئيس قسم المشتريات في وزارة الدفاع كان يعمل في بيع المياه والزهور والأحذية والسيارات في بولونيا التي عاش فيها هاربا في عهد صدام.يقول قطان “اما الأسلحة فلا… لم اكن اعرف عنها شيئا” قبل ان يأتي به الغزو الى العراق المحتل الجديد.ومع ذلك فان هذا الشخص الذي عمل مع المحتلين منذ الأيام الاولى ككبير مستشارين في وزارة الدفاع، ومسؤول المشتريات فيها دون اي خبرة عسكرية، او تقنية، او تجارية، فقد وقع على 89 عقدا لشراء الأسلحة بكلفة قدرها 1.3 مليار دولارا امريكيا لاعادة بناء الجيش الذي دمروه الاحتلال.مالذي تقوله الصحيفة الامريكية عن تلك الصفقة؟انها جرت بسرية تامة، وبدون مناقصة علنية، وان الدولارات كانت تحول نقدا على شكل رزم عبر وسطاء هم اصدقاء لقطان يقبضون عمولة سمسرة عن ذلك وان بعض قطع الاسلحة التي تم استيرادها كانت مجرد خردة حديد باهظة الثمن، والأدهى من كل ذلك ان بعض المعدات المستوردة لم تصل الى العراق اساسا.(3)

قصة قطان كما ترويها الصحيفة لجمهورها الامريكي منذ عودته الى بغداد بعد خمسة وعشرين عاما من الغربة قبل الغزو بيومين وتعينه في ذلك المنصب الكبير بدت هي الاخرى تصلح كحكاية مسلية للامريكيين اشبه بحكايات “الف ليلة وليلة” و”علي بابا والأربعين حرامي”، ولكنها بالنسبة للعراقيين كانت قصة مأساوية مرعبة من مسلسل الفساد والتخريب المتعمد للعراق، وتدمير فرص نهوظه من رماد الحروب ستبقى ملفاتها مخبأة في اقبية الإجهزة السرية التي حاكت ذلك المشروع الجهنمي والذي اولد هذه الدولة المسخ.

لم يظهر العقابي ولا قطان بعد كل تلك السنين للقيام باية محاولة للدفاع عن اسميهما وتفنيد التهم الموجهة لهما كما لم تتمكن اية سلطة عراقية او اجنبية من القاء القبض عليهما او استجوابهما.

من ناحيته، يقدم شاهد من اهلها، وهو “علي عبد الامير علاوي” وزير المالية ووزير الدفاع في تلك الفترات تفاصيل مروعة عن ما يدعوه بملحمة السرقات الكبرى التي ابطالها حسب وصفه “وزراء انتهى امرهم بالهرب من وجه العدالة متهمين بالنصب والإختلاس والسرقة” او “مغامرين لايردعهم رادع” او “افراد كانوا يعملون في محلات بيع البيتزا” في اوربا وامريكيا قبل ان تحملهم قوات الاحتلال وتنصبهم على كراسي الحكم في بغداد.آخرون ممن عملوا في زواريب ادارة الإحتلال من عراقيين وغيرهم تحدثوا في شهادات تفصيلية مؤلمة عما كان يدور حول تلك الصفقات التي كانت تجري في مكاتب سلطة الاحتلال والسفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء ومعسكرات الجيش والتي لم تجر بشأنها حتى الآن اي تحقيقات، او يحال اصحابها الى القضاء.(4)

ان العديد من قادة المعارضة لصدام الذين تبنتهم الولايات المتحدة كانوا معروفين بفسادهم وانغماسهم بعمليات اجرامية مثل التهريب وتجارة السلاح وسرقة الأموال، بعضها من معونات الدول، او من اموال خيرية او من نهب أموال السفارات والوفود العراقية قبل انشقاقهم، كما ان بعضهم ممن صدرت بحقهم أحكام قضائية مشهورة كـ”أحمد الجلبي”.ان مجرد وجود هؤلاء في صدارة المشهد بعد الاحتلال كان يمثل صورة وشاهدا على ما ستؤل اليه تلك الدولة التي ستقوم على انقاض دكتاتورية صدام.  

لم يكن بالامكان لمثل هذه النماذج القميئة ان تظهر في حياة العراقيين لولا مليارات الدولارات التي انفقتها سلطة الإحتلال على تلك المشاريع التافهة، او الوهمية، والتي  كانت المعبر الذي وفد من خلاله الفساد.لقد شكلت تلك الممارسات حجر الأساس في منظومة الفساد التي اقيمت في “دولة علي بابا” لانها جعلت من الفساد ثقافة ومنهجا للحكم، وليس مجرد أعراض ثانوية للغزو.كانت السياسة الكولونيالية التقليدية تلجأ الى المؤامرات والدسائس والإنقلابات وتزوير الإنتخابات في البلدان التي احتلتها بغية خلق طبقة سياسية خانعة وذليلة، الا ان الولايات المتحدة لجأت في حالة احتلالها للعراق الى خلق منظومة سياسية اجتماعية تفتقر للانتماء وللحس الوطني والانساني، وظيفتها الأساس هي التخريب المادي والنفسي، لان مشروعها الامبراطوري في العراق كان مشروعا تخريبيا بغض النظر عن تلك الاساطير عن الديمقراطية التي غزلتها آلة الاحتلال الاعلامية، وخلافا للمبادئ التي تتبجح بها امريكا عن سعيها لنشر الحرية والعدالة في العالم.

تعمل المؤسسات الأمريكية في الخارج وفق ما يدعى بـ”قانون ممارسات الفساد الخارجي” والذي يعتبره الامريكيون الجوهرة في تاج جهود مكافحة الرشاوي في قطاعات التجارة والإستثمارات والاعمال الدولية والنموذج الدولي الذي يوفر للشركات الامريكية وللدول الاجنبية الوسيلة الأمثل لمحاربة الفساد، وخاصة في مكافحة دفع وقبض الرشاوي.اما في العراق فقد جرى كل ذلك الفساد تحت بصر القيادة الامريكية السياسية والعسكرية وعلى يد المسؤولين الأمريكيين من دبلوماسيين وموظفين وضباط، بل وحتى المتعاقدين، في أبشع صورة للنفاق والخداع يمارسها محتل اجنبي.ولم يكن ذلك بغريب فالحرب على العراق كانت اساسا بلا مبادئ ، وبلا شرعية، وقامت على الكذب والتدليس وانتهاكا للقانون الدولي وشرائع الأمم المتحدة، مما يجعل الجدل والكلام بشأن الجانبين القانوني والأخلاقي ضربا من ضروب الثرثرة والعبث، ما لم يتم التأكيد من البداية بان مشروع الاحتلال كان اساسا غزوا كولنياليا مدمرا وفقا للحقائق الصارخة التي لا تزال ماثلة امامنا بعد كل هذه السنوات ومن ثم اجبار امريكا على الإقرار بانها مسؤولة عن مأساة القرن في تخريب بلد بالكامل وتدمير فرص  شعبه للنهوض من رماد الحروب والصراعات.

هناك قصص تزكم الانوف سمعتها عن عاملين مكاتب الاحتلال عن ممارسات سلطة الائتلاف الموقتة والجيش الامريكي والسفارة الامريكية في بغداد، وخاصة في الفترة المبكرة للاحتلال عن تجييش المؤيدين والمدافعين عن الاحتلال من بين الزعماء المحليين وشيوخ العشائر، وافراد من المجتمع المدني، وغيرهم، من خلال المقاولات والعقود التي اغدقت عليهم بملايين الدولارات والتي كانت أغلبها وهمية، او شكلية، لمجرد شراء ولائهم وتعاونهم مع الاحتلال وعملهم على خلق بيئة اجتماعية مؤاتية لعمل القوات الامريكية والحكومة التي نصبتها.ووفقا لتلك الشهادات كان الضباط والموظفون والدبلوماسيون الذي يشرفون على منح العقود يتعمدون زيادة مبالغ العقود زيادات خيالية لأهداف لا تخف على احد، من بينها بناء علاقات شراكة مع المنتفعين من الطبقة الجديدة التي انشؤها والتكسب شخصيا منها، اما حينئذ، او في في فترة لاحقة.ان العديد من وجوه المرحلة من الدبوماسيين والقادة العسكريين والموظفين الأمريكان اصبحوا بعد تركهم الخدمة شركاء في الأعمال التجارية والاستثمارية في العراق، او موظفين، او خبراء لدى الشركات التي حصلت على نصيب من كعكعة اموال العراق.(5)

ان اشهر من وردت اسماؤهم من المسؤولين الامريكان في قضايا الفساد المرتبطة بالغزو هما “زلماي خليلزاد” الذي كان المسؤول الأول في تنسيق جهود الغزو مع قوى المعارضة و”غاي غارنر”، الجنرال الذي عين اول حاكم عسكري بعد الإحتلال.كلا المسؤولين اصبحا بعد ذلك من المساهمين في شركات النفط العاملة في كردستان، وفي اعمال تجارية اخرى، في حين ظلا يعملان على الترويج لقضايا تتعلق بالعراق لدى اللوبيات الأمريكية لسنوات طويلة بعد الغزو.غير ان هناك العشرات من المسؤولين الأمريكيين من مستويات ادنى ممن شارك في عمليات الفساد والإفساد بعضهم تم الكشف عن قضاياهم في حين فلت آخرون من العقاب.وتلخص قصة “روبرت ستين”، وهو احد المسؤولين عن “برنامج اعادة الاعمار” الامريكي الذي قدم للمحاكمة عام 2006 كيف سرق هؤلاء مئات الآلاف من الدولارات اثناء عملهم في العراق من خلال مقاولات وهمية بالتعاون مع عراقيين ومن ثم تحويل تلك الأموال الى حسابات مصرفية وبيوت وسيارات مرفهة وساعات ثمينة ومبالغ سائلة.لقد كان ستين مسؤولا عن صرف حوالي 80 مليون دولار على مشاريع لاعادة الإعمار جنوب العراق بعد الاحتلال الا انه من خلال احالة المشاريع الى مقاولين متعاونين ومن خلال الرشاوي تمكن من شطف الملايين وافق على اعادة نحو 3.6 مليون دولارا منها كتسوية قانونية لقضيته.(6)

بالتاكيد هناك أسباب عديدة تقف وراء الاصرار الأمريكي على ترويج الفساد في العراق الذي احتلوه لعل من بينها ايضا اللامبالاة والغطرسة التي اظهرها المسؤولون والموظفون الأمريكان بمختلف مستوياتهم تجاه مشروع إعادة بناء الدولة العراقية الجديدة.هذه ممارسات عرفت بها امريكا في مناطق اخرى مارست احتلالها او حروبها فيها حيث يشعل الجنود الامريكان الحرائق في القرى والبيوت ويبيدونها كي ينشروا في تلك البلدان الديمقراطية كما ستدعي حكومتهم بعد ذلك.في التجربة العراقية في نشر الفساد بدا ن هناك سببا آخر وهو النظرة الإستعلائية والثأرية الى الشعب العراقي حيث كان الفساد مبرمجا من خلال تخريب الذمم المتعمد مما يدل على الرغبة في الانتقام من العراقيين بعد ان ترسخت لدى مخططي الاحتلال القناعة ان هناك درجة عالية من العداء لامريكا في العراق والتي هي ارث عقود طويلة من نضال الحركة الوطنية ووعي العراقيين بان أمريكا لم تأت الى بلادهم لتحريرهم من صدام، او بهدف بناء الديمقراطية، او اي من شعارات التغير والإصلاح التي كانت قد رفعتها في منطقة الشرق الأوسط انذاك.لقد اختبر هؤلاء المخططين ذلك عمليا حين شاهدوا العراقيين وهو يأنفون عن استقبالهم بالورود وحين بدأت المقاومة للاحتلال سريعا مما استوجب رد الفعل الثاري ذلك الذي جعل العراق على ما هو عليه الآن، نموذجا منحطا للفساد والخراب الاقتصادي والتردي السياسي.

ولعل افضل تلخيص لهذا الإستنتاج عن الأداء الأمريكي في العراق، وهو في الحقيقة اداء نمطي في تجارب الكاوبوي الأمريكي المعهودة في التدخلات في البلدان الاخرى، هو ما جاء به “بيتر بيكر” الصحفي في “نيويورك تايمز” في كتابه “ايام النار، بوش وتشيني في البيت الابيض” نقلا عن مسؤول امريكي بارز في ادارة الرئيس بوش بقوله “لقد ذهبنا للعراق ونحن نبحث عن مؤخرة شخص ما لنركلها”.اما تعليق بيكر على ذلك فهو:” والحقيقة انهم لم يركلوا شخصا بحد ذاته، بل ركلوا بلدا باكمله.(7)

وكما ذكرت سابقا فان لجوء الجنود الامريكان الى النداء على العراقيين اثناء دخولهم بغداد يوم 9 نيسان (ابريل) 2003 بعبارات “هيا، علي بابا” في تحريضهم على اقتحام المنشئات والمعسكرات والدوائر والمصانع والبنوك والمستشفيات والمختبرات وغيرها من مؤسسات الدولة التي كان يجري نهبها وحثهم على الاجهاز على ما تبقى فيها من ممتلكات، هو تعبير واف يلخص تلك العقلية المتجذرة في المخيال الامريكي وفي الذهنية الإستشراقية، وهي احدى عناصر المشروع الامريكي لاحتلال العراق الذي لم يخف اهدافه، ومنها استباحته وترسيخ مفهوم استحلال ثرواته.

لقد اثبتت المئات من الكتب والمقالات والدراسات ان ماقام به الامريكان في العراق من تشجيع على الفساد لم يكن عشوائيا، او ناتجا عرضيا، بل جاء وفق مخطط مدروس ولدوافع سياسية واقتصادية تتماشى مع العقلية والاهداف الاستعمارية.وقدمت هذه الدراسات الأدلة والشواهد على تلك الخطة التي استهدفت تدمير البنى الاقتصادية والتحتية والثقافية والآثار الحضارية لبلد عمره آلاف السنين.فمنذ اليوم الاول اصدر الجنرال “تومي فرانكس” قائد الحملة العسكرية امرا لجنوده بعدم التصدي لأية محاولة لسرقة ونهب الأموال العامة من قبل العراقيين وهو الامر الذي ظل قائما لعدة ايام قبل تعديله.

هناك نظريات عديدة ظهرت بشأن دوافع التشجيع الامريكي للفرهود في العراق جاء على رأسها نهب القطاعات الإقتصادية المملوكة للدولة بغية تدمير هياكلها واحلال بنى جديدة مكانها يتولى انشاؤها القطاع الخاص، وبواسطة الشركات الأمريكية المعولمة.فالفكر الرأسمالي الأمريكي الذي يقوم على مبدا لبرالية السوق المتكامل مع شبكات العولمة يرتبط بصناعة جماعة محلية مدمجة حتى ولو كان نشؤها وعملها خارج اطار القوانين والمبادئ الاخلاقية.ما يعنيه ذلك هو تجشيع ظهور طبقة سياسية واقتصادية جديدة في العراق تثرى من عمليات نهب المال العام والثروة الوطنية وتعمل بمثابة كومبرادور مرتبط بالمصالح الامريكية والغربية ومتحالف معها سياسيا.ومهما تكن الدوافع فان بالامكان القول ان عمليات النهب التي شجعتها وحمتها الولايات المتحدة بعد احتلالها للعراق هي التي صاغت بالنهاية صورة العراق الجديد كمرتع مثالي للفساد وادخلته في نفق مظلم، سيظل قابعا فيه عقودا طويلة.(8)

 

                          هوامش ومراجع ومصادر الفصل الثالث

 

1-انظر:”نتائج الحرب والإحتلال الأمريكي للعراق، موقع منتدى السياسات العالمبة، (بالانكليزي) ، 9/5/2013

https://www.globalpolicy.org/humanitarian-issues-in-

iraq/consequences-of-the-war-and-occupation-of-iraq.htm

2-انظر:”الاموال الساخنة لراعي البقر (كاوبوي) بغداد، نيويورك تايمز 18/5/2011

http://www.nytimes.com/2011/05/22/magazine/the-hot-money-cowboys-of-iraq.html

3-انظر:”قصة زياد قطان في كتاب “القبيلة الأقوى،الحرب، السياسة، نهاية اللعبة في العراق”،بينغ ويست (بالانكليزية)

4-انظر:”احتلال العراق، ربح الحرب وخسارة السلام”، عبد الامير علاوي، ترجمة عطا عبد الوهاب، المؤسسة العربية للدرسات والنشر، بيروت 2009

5-انظر:”حسنا سيد بريمر اين ذهبت كل تلك الاموال؟”، الغاردين البريطانية 7/7/2005

https://www.theguardian.com/world/2005/jul/07/iraq.features11

6-انظر:”السفير الامريكي السابق في العراق زلماي خليل زاد متهم بغسل اموال”، موقع غلوبل رسيرش،10/9/2014

https://www.globalresearch.ca/former-us-ambassador-in-iraq-zalmay-khalilzad-suspected-of-money-laundering/5400881

انظر كذلك:”الجنرال المتقاعد غارنر:العراق الذي نعرفه لم يعد موجودا”، الغاردين،15/8/2014

https://www.theguardian.com/world/2014/aug/15/jay-garner-occupation-iraq-no-longer-exists

انظر ايضا:”مسؤول امريكي سابق يقر بالفساد في العراق”، (بالانكليزية) موقع ان بي سي نيوز،2/2/2006

http://www.nbcnews.com/id/11151300/ns/nbc_nightly_news_with_brian_williams-nbc_news_investigates/t/former-us-official-admits-corruption-iraq/#.WiV2P4aWbIU

7-انظر:”ايام النار بوش وتشيني في البيت الابيض”، بيتر بيكر، (بالانكليزية)، دار نشر راندوم هاوس، 2013

8-انظر:”كيف ولماذا شجعت الولايات المتحدة نهب العراق، موقع الاشتراكية الدولية، (بالانكليزية) 15/4/2003

http://www.wsws.org/en/articles/2003/04/iraq-a15.html

 

Analysis & views from the Middle East